د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

إنه «الانتحار الفرنسي»

على أثر الإعلان عن فوز «الجبهة الوطنية» في فرنسا وتصدرها نتائج الانتخابات الجهوية لأول مرة في تاريخها، قفز إلى ذهني مباشرة كتاب الصحافي والكاتب الفرنسي ايريك زمور، صاحب كتاب «الانتحار الفرنسي» الذائع الصيت. ففي ذلك الكتاب، قام صاحبه بتجريح شديد للجاليات المسلمة، وعبّر عن كراهيته الكبيرة للمهاجرين المسلمين، مبينًا أن استمرار وجودهم في فرنسا سيؤدي إلى حرب أهلية في المستقبل.
ولمّا وظف ايريك زمور بعض القنوات الفرنسية لتمرير أفكاره العنصرية ضد المسلمين، لم تتوانَ بعض مكونات المجتمع المدني في فرنسا ومؤسسات الرقابة على الإعلام السمعي البصري، عن التنديد والاحتجاج والتعبير عن رفض مثل هذا الخطاب المشحون بالكراهية والعنف.
ولكن أغلب الظن أن فوز «الجبهة الوطنية» الساحق في نصف الدوائر الانتخابية، إنما يدل على أن المجتمع الفرنسي أصبح يتواصل ويتفاعل إيجابيًا في جزء وافر منه مع الطروحات العنصرية المناهضة للوجود الإسلامي جالياتٍ ومساجدَ وثقافةً في فرنسا.
نتبنى مثل هذا الاستنتاج حتى لو تراجع موقع «الجبهة الوطنية» اليوم في الجولة الثانية من الانتخابات. فليس المشكل في النتائج التي ستظهر اليوم، إذ يمكن للتحالفات السياسية أن تقطع الطريق أمام الجبهة الوطنية، في حين أن الواقع يؤكد حصول تغير قيمي ثقافي نوعي في الرأسمال الرمزي الفرنسي في الوقت الراهن.
بمعنى آخر، فإن المجتمع الفرنسي مرّر الرسالة الأكثر تعبيرًا عن مواقفه الجديدة وقدم صورة صادقة عن التحول، الذي بات يعرفه في مسألة الغيرية العرقية والثقافية والدينية.
إننا أمام الحقيقة مهما كانت صادمة وصعبة التصديق.
لذلك، فإن قراءة جوهرية في مغزى فوز اليمين المتطرف الفرنسي بنسبة 30.6 في المائة وأن يكون في مقدمة وطليعة الأحزاب المشاركة في الدور الأول من الانتخابات الجهوية في الأسبوع الماضي، تفيد - هذه القراءة - بكل وضوح وبساطة بأن فرنسا تعيش اليوم نوعًا من الانتحار الرمزي.
طبعًا ما نقصده بتوصيف انتحار فرنسا لا يمت بصلة لما يقصده ايريك زمور.
إن فرنسا الحرية والعلمانية والعقلانية والعقل النقدي الديكارتي، وفرنسا التي أهدت العالم الجانب الفكري المعنوي القيمي لظهور الحداثة من خلال الثورة الفرنسية، وفرنسا أوغست كونت وجان جاك روسو ومونتسكيو وفيكتور هوغو وجان بول سارتر.. وفرنسا الجمهورية، وفرنسا التي فتحت صدرها بقوة لمواجهة رياح العولمة العاتية رافعة شعار الاستثناء الثقافي، هي نفس فرنسا التي أعطى الكثير من الفرنسيين أصواتهم لـ«الجبهة الوطنية» المعروفة بمواقفها العنصرية ضد المهاجرين والرافضة راديكاليًا لصورة فرنسا التعددية الثقافيّة.
نعم، حصل ذلك لصالح مشروع آيديولوجي سياسي متطرف يقوم على مفهوم ضيق للهوية، حيث يتصارع مؤسسو هذا المشروع وأصحابه منذ ثلاثة عقود من أجل إعادة تشكيل البناء الرمزي للهوية لدى الفرنسي.
تناضل «الجبهة الوطنية» منذ سنوات من أجل هوية منكمشة لا تعترف إلا بالفرنسي دمًا ولحمًا ودينًا وتاريخًا وثقافة وعادات وتقاليد ولغة: فرنسي حتى النخاع ومنذ القدم، ولا تشفع الجنسية الفرنسية لصاحبها العربي الأصل والإسلامي الدين.
إن المشكلة ليست في وجود مثل هذا الخطاب أو فيمن يدافع عنه، فذاك أمر طبيعي ولا ضرر من تجمع كل أنواع الخطب والطروحات، مهما كانت وحشية أو مثالية.. بل المشكلة في أن يجد التجاوب ويحظى بالثقة من نسبة لا بأس بها من المجتمع الفرنسي (باعتبار أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 50 في المائة).
هنا بيت القصيد ومكمن الداء وعين الخطر.
طبعا هناك من يفسر أن هذا الانقلاب الموقفي من الهوية المنفتحة المتعددة - الفكرة المركز التي تقوم عليها فرنسا - عند فئات واسعة من المجتمعات الأوروبية في خصوص العلاقة مع العرب والمسلمين، إنما هو بالأساس نتاج ما جنته علينا التنظيمات الإرهابية، وأنه لولا المجازر الإرهابية التي عرفتها فرنسا يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) والتي ذهب ضحيتها 130 قتيلاً وما قبلها حادثة «شارلي إيبدو»، ما كان يمكن لـ«الجبهة الوطنية» أن تحلم بموقع الصدارة، حتى لو كان ذلك ظرفيًا وينحصر في نتائج الجولة الأولى فقط من الانتخابات الجهوية.
لا شك في أن هذه التفسيرات ذات وزن من حيث المنطق، ولكن من الخطأ الارتهان إليها بشكل كامل ونهائي في فهم تغير المجتمع الفرنسي في مسائل الهوية والتعددية والعلاقة بالغيرية. ذلك أن تفسير التغير الثقافي للإنسان الفرنسي اليوم، وميله الغالب نحو القيم السلبية، يتطلب حسب رأينا فهمًا أكثر عمقًا وإلمامًا بالأبعاد كافة.
فهل إن رأس المال الرمزي القيمي الفرنسي يمر اليوم بحالة هشاشة عابرة أفقدته القدرة على التمييز بين الغيرية العربية الإسلامية والإرهابيين؟ أم أن المجتمع الفرنسي بصدد التراجع عن تعهداته الحقوقية الإنسانية الخاصة بالآخر ومشغول بإعادة صياغة مضامين رأسماله القيمي وبنائه على نحو ينتج ما يسمى «هوية في حالة انكماش»؟