مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

{اعمل المعروف وارميه في البحر}

عمل (المعروف) بين الناس ليس مقتصرًا على جنس أو دين أو مكان أو زمان، وقد لفت نظري عندما كنت أقرأ مذكرات (نقولا زيادة)، وجاء فيها أنه عندما كان في أوائل العشرينات من القرن الماضي مسافرًا مع عائلته في الباخرة، وعندما وصل إلى (مرسيليا)، تفاجأ أنه يلزم عليه أن يدفع لقاء العفش 13 جنيهًا، وحاول مع وكيل الشركة لكي يعفيه من ذلك، ولكن دون جدوى، ويقول:
«لما دفعت المبلغ المطلوب بقي معي ثلاثة جنيهات وبعض الفراطة، ونظرت إلى المبلغ في يدي، ونظرت إلى الرجل، وقلت له: لم أكن أحسب لهذا الأمر حسابًا، وهذا المبلغ الذي بقي معي لن يكفيني مع أسرتي نفقات لمدة أسبوع على السفينة، حتى ولو اقتصدت.
أدرك الرجل صعوبة موقفي، فقال لي: أنا لا أعرفك، ولكنني مستعد لأن أقرضك مبلغًا صغيرًا يساعدك.. وسألني فيما إذا كانت أربعة جنيهات – وهو كل ما كان في جيبه – تكفي؟
قبلت الجميل، وعرضت عليه أن أعطيه شيكًا بالمبلغ، فكان أن رفض، لأن صرف شيك مسحوب على إنكلترا في فرنسا كان يومها أمرًا صعبًا، لكنه أعطاني اسم صديق له يملك حانوتًا في ساحة البرج ببيروت، وطلب مني أن أدفع المبلغ له».
ويمضي قائلاً: «ولأتم هذه القصة، لما وصلت بيروت، ذهبت إلى ساحة البرج أبحث عن ذلك الصديق، فلم أجده، وعرفت أنه عزّل من الساحة، وقررت أن أسأل عنه في دائرة الشرطة، وكان مركزها بعيدا في الساحة، فلما دخلت ووصلت إلى شخص شبه مسؤول، لأنه كان يحمل على ذراعه شارة الشاويش، وطرحت عليه السؤال، أجابني وفي لهجته كل ما استطاع أن يجمعه من التهكم قائلاً: ليش.. نحنا هنا مركز تأجير دكاكين؟ حل عن سمايا أنا ماني ناقصك.
عندها كتبت إلى الرجل الفرنسي رسالة إلى مكتب كوك في مرسيليا أخبره بالقضية وأطلب رأيه.
وبعد مدة عادت إلي الرسالة، ولكن كان في صحبتها خطاب من المكتب، جاء فيه أن الرجل توفي قبل مدة قصيرة، ولما سألنا زوجته أجابت بأنها لا تعرف شيئًا عن الرجل الأجنبي، أي عني، ولا عن الدين، فتصرّف أنت به كما تريد، فأسقط بيدي، لكنني تبرعت بالمبلغ، مع إضافة جزئية، إلى مؤسسة خيرية عن روح الرجل الذي أحسن إلي» – انتهى.
ولكي أثبت لكم أن الناس ليسوا سواسية، فلو أنني كنت أنا في مكان السيد (زيادة) رحمه الله.. ولو علمت بوفاة ذلك المفتش، لما تصدقت بتلك الأربعة جنيهات، وإنما اشتريت صندوق (كازوزة) كاملاً، وتمتعت بشربه (عن بكرة أبيه) تكريمًا لروح المفتش.