هل «السهم نفذ» كما صاح يوليوس قيصر؟ يخشى المرء أن تكون هجمات فرنسا هي البداية القاتلة لعالم من الخوف، وأن تكون ليلة «الجمعة الحزينة» في باريس المعادل الموضوعي الأليم للحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، في طبعته الأوروبية.
تتسارع الأسئلة وتتصادم داخل العقل بحثا عن فهم موضوعي لما جرى وما هو مرشح للحدوث، لا على صعيد فرنسا وأوروبا فحسب، بل على الصعيد العالمي، لا سيما بعد أن بات الإرهاب «طاعون» القرن الحادي والعشرين.
لكن السؤال الاستراتيجي: كيف وصل العالم إلى هذه اللحظة الفارقة.. لحظة إطفاء أنوار برج إيفل حزنا على الدماء الفرنسية على الطرقات؟
الشاهد أن الوقت ربما يكون مبكرا لفهم ما جرى في فرنسا دفعة واحدة، فالأحداث ما زالت جارية، والأستار ما زالت مسدلة، والغموض ما زال سيد الموقف، ومع ذلك تبدو هناك بعض النقاط الأولية لا بد من الإشارة إليها على مرتباتها.
لقد فشل العالم فشلاً ذريعًا في مواجهة الإرهاب، وأثبتت الآليات العسكرية والأمنية أنها قاصرة، من دون رؤية فكرية وآيديولوجية سياسية في التعاطي مع الإرهابيين، فبعد عقد ونصف العقد من الحرب في أفغانستان، ولاحقا في العراق، ها هو فصيل أشد مرارة من الحنظل وأقسى على حروب البشر من «الأفسنتين»، يجد طريقه إلى شوارع أوروبا، في حين ترتجف «تخوم الإثم» حول العالم لا سيما في الولايات المتحدة.
الأمر الآخر والمهم بدوره هو أن التاريخ يثأر لنفسه بنفسه، وهذا ما يؤكده إيمي سيزير، الشاعر والكاتب الفرنسي المارتنيكي: «لا أحد يحتل ببراءة، ولا ينجو المحتل بدوره من العقاب، والأمة التي تحتل والحضارة التي تبرر الاحتلال - أي القوة - هي حضارة مريضة وحضارة مشوهة أخلاقيا، وما بين حصيلة وأخرى، ومن إنكار لإنكار، تفتح المجال دون أدنى مقاومة، أمام جلادها، أي عقابها الخاص. هل من ترجمة لهذا الحديث؟».
فلينظر القارئ إلى اللعب على أوتار الإسلاموية في مواجهة خطر الشيوعية طوال سنوات الحرب الباردة.. وها هو حساب الحصاد المريع لمشاغلة الأديان، ومحاولات تدجينها لتأدية أدوار سياسية تصب في خانة الانتصارات الغربية، وإن ولدت تلك الانتصارات صراعا قاتلا حول العالم.. فالصراع هو أبو الأشياء وملكها، يجعل البعض آلهة وأبطالاً، ويجعل البعض الآخر بشرًا، ويحيل البعض عبيدًا، كما يجعل غيرهم أحرارًا.
كل هذا لا يمنع من التفكير في الخطأ القاتل الذي ارتكبته أوروبا بجملتها ولا تزال، حينما جعلت من دولها حاضنات للعنف تحت شعار حقوق الإنسان والديمقراطية، ولم يقدر لها أن تجد في حوادث مترو لندن وقطارات مدريد، وتجاربها مع «القاعدة»، ما يجعلها تعيد التوازنات، وتضع الحقائق في نصابها الحقيقي.
سارعت أوروبا بالاندفاع وراء واشنطن، وروج البعض فيها لعملة مغشوشة أطلق عليها «الربيع العربي»، خلفت مئات الآلاف من اللاجئين وملايين المشردين، وبات طوفان هؤلاء وأولئك مهددًا حقيقيًا، لاستقرار أوروبا بسبب اندساس العناصر المتطرفة بين بؤساء العرب الساعين للحياة عبر دروب الموت.
القادم في أوروبا عامة وليس فرنسا فقط مخيف ومزعج، فليلة «جمعة الآلام الفرنسية» ستكتب ولا شك دون مداراة أو مواراة فصلاً جديدًا في المأساة الإنسانية عموما.
حكمًا، ستزخم هجمات فرنسا تيارات اليمين المتطرف في أوروبا مع التبعات والاستحقاقات المواكبة، والأثر بالغ السوء على العلاقات العربية - الأوروبية، وبخاصة في ظل التلويح وبقوة غير مسبوقة برايات الإسلاموفوبيا البغيضة.
يحدثنا الكاتب المسرحي النيجيري المبدع وول سونيكا بالقول: «الفشل في تفحص ذاتنا يقلل من قوة تأثير استجابتنا على المدى البعيد».. هل هذا هو وقت فحص الذات الكونية في مواجهة الإرهاب العالمي؟
يحتاج الأمر لإرادة حقيقية عالمية، ولتنادٍ كوزمولوجي فاعل لا وهمي، يقطع على الإرهاب شرايين حياته، ويجفف دماءه المسمومة، عبر آليات العولمة الآثمة، والتي فيها يروج التكفيريون لأفكارهم عبر آلاف المواقع، ويتواصلون من خلال خمسين ألف حساب لهم على «تويتر»، يغردون عليه مائة ألف تغريدة يوميًا.
إنها مرحلة الإرهاب العابر للقارات، زمن الوحوش الجدد، المهمة الآن تحدد الهدف مجيبة عن السؤال: «لماذا التنامي المهلك للزرع والضرع؟».. والاستراتيجية تضع الخطة عن السؤال: «كيف؟».
هل من آذان سامعة، أم أضحى الإرهاب في الغرب كما الموت في الشرق عادة؟
8:50 دقيقه
TT
فرنسا.. وعالم من الخوف
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
