البث المباشر.. بين بيروت وباريس

البث المباشر.. بين بيروت وباريس

الاثنين - 3 صفر 1437 هـ - 16 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13502]
ديانا مقلد
كاتبة واعلاميّة لبنانيّة

كما العالم بأسره، انشغل اللبنانيون بمتابعة العمليات الإرهابية في باريس..
بدا الاهتمام اللبناني بالحدث الفرنسي صدى لما حل في ضاحية بيروت قبل أقل من يوم بعد التفجيرات الانتحارية في برج البراجنة، التي أودت بعشرات الضحايا. صحيح أن الخسارة البشرية في باريس كانت أكبر وأفدح وأكثر خطورة في دلالاتها على مستوى العالم بأسره، لكن ذلك لم يمنع لبنانيين ولبنانيات بل وعربا كثيرين أيضًا من المقارنة في كل شيء، خصوصا في المتابعة الإعلامية.. بدا في التعليقات شيء من الغيرة والغبطة حتى في الموت.
كتبت اللبنانية «تيما» أنه إذا كان مقدرا عليها أن تموت ضحية عمل إرهابي فهي تفضل أن تكون ضحية في باريس وليس في لبنان، لأنها هناك «ممكن لاقي حدا يغطيني بشرشف قبل ما يخطر عباله يصورني بتليفونه وما بتصير صوري وأنا مشوهة على (فيس بوك) وأصنف كضحية بصرف النظر عن هويتي وديانتي».
ليس في هذا التعليق المباشر - ومثله ظهر كثير - أيّ مبالغة ربما، فبلادنا تعج بالأحداث الأمنية والحروب والانفجارات، وهذه الحال دفعت بكل وسائل الإعلام المحلية والعربية نحو منافسة شرسة في التغطية، خصوصا المباشرة. ومع ذلك لا نزال نجد أنفسنا في كل مرة يقع فيها انفجار وموت أمام مشاهد دم وأشلاء وأمام انفلات للهواء، فتحت ستار التغطية المباشرة يطلق العنان لكاميرات لا تتوانى عن انتهاك أجساد البشر جرحى أو موتى أو أشلاء. الهواء المباشر يستمر ساعات طوالا، فكيف سنملأ هذه الساعات؟! لا بأس إذن بإطلاق العنان لمشاعر مواطنين غاضبين لم يحسنوا ضبط احتقانهم وغضبهم فانصبت كلماتهم كراهية ضد آخرين، وكل ذلك ينتقل كالسموم في هوائنا.
نكاد نعجز عن إحصاء المرات التي تنخلع فيها قلوبنا من وباء بات اسمه «البث المباشر»، وهو في الحقيقة لم يعد سوى «فوضى مباشرة» بحيث يترك الهواء لساعات مفتوحا بذريعة مواكبة الحدث الأمني، فنجد مراسلين في صراع مرير كي يقولوا معلومة أو يجروا مقابلة مع ناجين أو يضبطوا صورا دموية قاسية.. المخيب أنه في أحيان كثيرة لا جهد فعليا لضبط كل هذا، فيصبح الهواء التلفزيوني عبقا بكل أنواع الشحن والكراهية والخوف وما يسمى بالتحليل السياسي الفارغ لحدث لا يزال ساخنا.. ما زلنا حتى اليوم نجد من يسأل طفلا فقد أبويه: «وين ماما؟»..
في باريس، قارب عدد الضحايا مائة وخمسين، وكانت كل وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية تقريبا في تغطية على مدار اللحظة. وهناك لا محظورات كبرى ولا رقابة أمنية كما في بلادنا، ومع ذلك لم نرَ صور جثث أو أشلاء.
تذكرت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 حيث ما زلنا حتى اليوم لم نرَ صورة واحدة لجثة أو لدماء..
ليس مبررا أبدا أن لا نكون قد تعلمنا بعدُ هذا الدرس، بل نحن نعرفه تماما، وكل وسائل الإعلام تعرف واجباتها ومسؤولياتها. فهنا ليس نقص الخبرة، ولا عنصر الضغط والمفاجأة هو ما يوقعنا في فخ ابتذال الهواء المباشر. إنه الخبث والتكاسل ذاك الذي يدفع بالبعض إلى الاستخفاف بحياة الناس ومشاعرهم، وهو أيضًا غياب رادع مهني ومساءلة.
[email protected]


التعليقات

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
السعودية
16/11/2015 - 09:52

قامت الشركات ومؤسسات التواصل الاجتماعي باستحداث مساحة للمستخدمين للتعليق على أحداث الهجمات الهمجية في باريس في حين كان هناك أعمال مشابهة قد حصلت قبل يوم واحد في الضاحية الجنوبية ببيروت والمالكين أو وسائل التواصل الاجتماعي لم يفردوا أية مساحة لتعليق الناس على هذه الأحداث، وهذا أمر متوقع من الغرب الذي لا يقيم وزنا للأرواح العربية التي يساهمون بذبحها، ولكن ما يثير الدهشة أن معظم ممثلي أمة العرب قاموا بتوجيه التعازي الحارة لفرنسا حكومة وشعبا، بل للدول الأوروبية أيضا وحتى المؤسسات الدينية بلا استثناء ما سمعنا عنها وما لم نسمع قامت بتوجيه التعازي أسوة بدولهم وهذا أمر يجعلنا نشعر بالأسى، فهذا ما لم تفعله مع لبنان العربي، لذا فالإنسان العربي يقع بين فكي كماشه واحدة من أبناء جلدته وأخرى من دول متقدمة قاربت صلاحيتها على الانتهاء .. يتبع

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
السعودية
16/11/2015 - 10:43

تابع .. ففرنسا كغيرها من دول أوروبا تعاني من نقص في الشباب المنتجين والمبدعين في كافة المجالات العلمية والاجتماعية والفكرية بسبب سياسة تقنين النسل التي انتهجتها أوروبا منذ عقود والتي بدأت تحصد نتائجها الآن وهذا ما دفعها لقبول مهاجرين من صغار السن ومنهم ذوي مؤهلات جامعية وفنيين في مختلف المجالات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من انحدار مستمر في هيبة الدول الأوروبية، ولا ندري إن كانت خطة استجلاب المهاجرين سوف توقف التدهور؟ وإلا فعلى أوروبا أن تقبل بالتغيير الذي يحصل في العالم في كل فترة من الزمن، فتنهار دول وتبرز دول، وها هي البوصلة تتجه نحو الصين فقد أصبحنا نلاحظ أن أي انخفاض طفيف في عملة اليوان الصينية يتبعه هبوط سريع في كافة العملات العالمية ومنها الدولار الأمريكي، لذا نقول لـ "تيما" المحبطة التي ذكرتها الكاتبة لا ميزة للموت سواء هنا أو هناك.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة