التدخل الروسي يهدد سورية بالتقسيم

التدخل الروسي يهدد سورية بالتقسيم

الثلاثاء - 23 ذو الحجة 1436 هـ - 06 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13461]
غسان الإمام
صحافي وكاتب سوري
شيئًا فشيئًا، ينكشف المخطط الروسي في سوريا. الهدف ضرب التنظيمات السورية كلها، بما فيها «داعش» لإنقاذ النظام السوري. وإذا كان بوتين يريد حقًا إقامة نظام «علماني» في سوريا، فالخلاف سيكون محتمًا بينه وبين إيران التي تحاول تحقيق مكاسب ميدانية تحت المظلة الجوية الروسية. العرب وإردوغان يستنفرون أوروبا وأميركا، لمواجهة المخطط الروسي / الإيراني الذي يهدد بتقسيم سوريا.
باختصار، ما هي النتيجة المترتبة على المتغير الروسي الطارئ على الأزمة السورية؟ الجواب في إبقاء سوريا ضحية لحرب دامية ومستمرة في المستقبل المنظور على الأقل. من سيخرج منتصرًا؟ في الحروب اللانظامية، ليس هناك نصر. أو منتصر. سوريا سوف تبقى مسرحًا للااستقرار. لأن التدخل الروسي غير قادر على الحسم الميداني من الجو.
ما هو شكل النظام الذي سينبثق عن الحل السياسي؟ الروس يقولون إنهم يريدون نظامًا علمانيًا (لا دينيًا) في سوريا. من هنا، يمكن تفسير مسارعة النظام الإيراني الديني إلى الزج بتعزيزات مع «حزب الله». الهدف تحقيق مكاسب ميدانية، لإحباط أي مشروع لإقامة دولة مستقلة. أو علمانية.
هل هناك تنسيق ميداني وسياسي بين روسيا وإيران ومرتزقتها في سوريا؟ هناك «خلية أزمة» روسية. إيرانية. عراقية في بغداد للتنسيق. لكن، لا إيران. ولا «حزب الله». ولا النظام الشيعي العراقي. ولا ميليشيات قاسم سليماني. كل هؤلاء لا يريدون نظامًا علمانيًا. أو ديمقراطيًا في سوريا. حرمان إيران للبنان من انتخاب رئيس. وشل الحكومة اللبنانية. وتعطيل البرلمان، كل ذلك قد ينسجم مع مشروع إيراني لإقامة دولة شيعية / علوية (إذا رضي العلويون) تمتد من دمشق. إلى حمص. وحماه. فاللاذقية. وتقضم من لبنان المناطق الشيعية في الجنوب والبقاع.
أين تخطئ إيران في سوريا؟ باتت الأيدي الإيرانية مخضبة بدماء السوريين. فهي تدافع عن نظام طائفي يقتل شعبه. ويدمر مدنه. وعمرانه. وتنميته. منظر الرئيس حسن فريدون روحاني، وهو يدافع عن مجازر بشار، على منبر الأمم المتحدة، يدعو إلى الرثاء حقًا. الاتفاق النووي مع الغرب لم ينقذ إيران من عزلتها الإقليمية. علاقتها السياسية مع تركيا هشة. وقد تتحول إلى خطيرة، إذا ما حاولت التعزيزات الإيرانية استرداد حلب التي تحتل نصفها تنظيمات مسلحة تدعمها تركيا. هزيمة الحوثية في اليمن شجعت النظام الخليجي، على التصدي للمشروع الفارسي في الخليج والمشرق.
هل المصالحة بين العرب وإيران مستحيلة؟ لا شيء يستحيل على السياسة. عرب الخليج أيدوا الاتفاق النووي الذي يحرم إيران مؤقتًا من «صنع قنبلة للأغراض السلمية». قطر تدعو لمؤتمر عربي / إيراني. البحرية الإيرانية خسرت المعركة للسيطرة على باب المندب، حيث تدور الآن حرب بحرية لمنع الحوثيين من ارتكاب عمليات قرصنة وإرهاب، ضد حرية الملاحة في البحر الأحمر الذي تحميه الأساطيل العربية.
لماذا القلق التركي إزاء التدخل الروسي والإيراني في سوريا؟ نظام الرئيس إردوغان المتأسلم لا يحبذ نظامًا علمانيًا روسيًا في سوريا. وهو مشغول بالانتخابات المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني). والواضح أن التدخل الروسي أحبط مسعى تركيا لإقامة جيب آمن في شمال سوريا، لإيواء المهاجرين واللاجئين.
تركيا قلقة على المعارضات الدينية المسلحة في إدلب التي يقصفها الطيران الروسي حاليًا. ذهب إردوغان إلى أوروبا لحثها على الوقوف ضد التدخل الروسي. ولاستنفار حلف «الناتو» الذي تشكل تركيا فيه القوة العسكرية الثانية بعد ألمانيا، وذلك إذا ما حدث اشتباك بينها وبين روسيا في سوريا.
ما هو الغرض الروسي من قصف بلدات الريف السوري حول مدينتي حمص وحماه في وسط سوريا؟ الروس يقولون إن القصف استهدف مواقع لـ«داعش» هناك. الواقع أن هناك ميليشيات «داعشية» تتداخل خطوطها الميدانية في المنطقة، مع تجمعات مسلحة دينية مناوئة لها، بحيث يصعب على الطيران التمييز بينها بدقة.
لكن هذه التجمعات خسرت معركة الدعاية الإعلامية، نتيجة لفوضى إدارتها المدنية. وفتاواها المتناقضة. وقسوتها على المدنيين السوريين. كان عليها نهج سياسة «معتدلة». وفتح مناطقها أمام الإعلام الأجنبي، لكسب الرأي العام العالمي. ويتعين عليها الآن توحيد فصائلها، لمواجهة التحدي الروسي / الإيراني.
بإمكان هذه التجمعات قطع الطريق على التعزيزات الإيرانية التي قيل إنها ستزحف من الجنوب إلى حلب شمالا. فقد احتلت في الأشهر القليلة الماضية مواقع استراتيجية في ريف حمص وحماه. وفي سهل الغاب الموازي والمحاذي للوجود العلوي في جبال محافظة اللاذقية وساحلها. وهي مسلحة بأسلحة أميركية. وتتلقى دعمًا تركيًا وخليجيًا.
ويعتبر سهل الغاب الذي يرويه نهر العاصي (سمي العاصي لأنه النهر السوري الوحيد المتجه شمالاً) أخصب منطقة زراعية في المشرق العربي. وتنتشر فيه بكثافة قرى سنية وعلوية. ويهدد القصف الجوي الروسي. والعبور الإيراني الخضرة المشجرة. والتربة الزراعية بالتلوث.
الصمت العربي ينسجم مع القلق التركي. الهدف الاستراتيجي للعرب هو حماية وحدة سوريا كدولة عربية. ودفع خطر تقسيمها. يتابع العرب بدقة تطورات الموقف السياسي الروسي بشأن تسوية الأزمة السورية. ويراقبون مسيرة التدخل العسكري الروسي. وتحركات الميليشيات الكردية العراقية والسورية المتأهبة للاندفاع نحو الموصل في العراق. وباتجاه الرقة ودير الزور، في حالة انهيار الدولة «الداعشية».
الرد المسلح على الروس احتمال كبير ومرجح، الأمر الذي يهدد مبادرة بوتين الذي يقدم نفسه للعالم «السوبرمان» البديل لأميركا. لكن تصدي التنظيمات السورية المسلحة للوجود الروسي العسكري، يتوقف على مدى استعداد العرب المنقسمين على أنفسهم، لتحدي الغزو الروسي للمشرق العربي.
العرب والأوروبيون بدأوا في الإلحاح على بوتين للالتزام بقصف «داعش»، وليس المعارضات المسلحة الأخرى. وإجبار النظام السوري على الدخول في مفاوضات حقيقية، للتوصل إلى تسوية سياسية تسمح ببقاء الإطار الإداري للنظام، مع الاستغناء عن رئيسه.
يبقى الموقف الأميركي غامضًا، إن لم يكن مترددًا، إزاء المبادرة الروسية. أقول إن سوريا كانت نقطة الخلاف الوحيدة في الوفاق الثنائي الذي توصل إليه اللقاء بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس أوباما. وسبق للسعودية أن ألحت على أميركا، وخصوصًا منذ بدء ولاية الملك سلمان في العام الحالي، للتخلي عن ترددها. وملء الفراغ الذي بات ثغرة سهلت على بوتين اختراقها.
لا شك أن الفرنسي هولاند كان أكثر مهارة من الأميركي أوباما في إحراج القيصر الروسي بوتين. فقد عثر على «قيصر» سوري في جعبته 55 ألف صورة موثقة لحفلات التعذيب السادية في أقبية نظام بشار. وهي كافية لإقناع الرأي العام العالمي، بأن هذا الرئيس الكهل ليس صالحا، لأن يكون جزءًا من الحل، أو مناضلاً ضد إرهاب «داعش»، كما يروج له بوتين.
في فن الدبلوماسية، تبلغ المغالطة الذروة، عندما يتكلم اللاعبون بالنيابة، عن المغلوبين. خامنئي. روحاني. «حزب الله». عبادي. سليماني... يشكلون فرقة «مزيكا» وراء بوتين. ويرددون معه القول إن السوريين وحدهم الذين يقررون مصيرهم بأنفسهم. ألا يكفي 300 ألف «شهيد». وعشرة ملايين نازح في الداخل. وأربعة ملايين لاجئ في الخارج، لإقناع بوتين. ولافروف. وخامنئي، بأن السوريين برهنوا بأرواحهم. ودمائهم، على رفض النظام الذي بات بحماية بوتين؟

التعليقات

جميلة
05/10/2015 - 23:55

قد يساءل البعض الان لماذا هذه الحرب و بتوقتها الحالي سوريا ساهمت في مساندت اكراد العراق ضد النظام الوطني سوريا احتضنت قواعد لتدريب عناصر ضد امن العراق و ضد امن الاردن و سوريا لعبت الشريك النزيه لاسرائيل مع الرئيس مبارك ضد الامن القومي و ضد الشعب الفلسطيني و قيادته
الرئيس بوتين لا يفكر في اقامة دولة بقدر ما يفكر في ايقاف اراقة دماء السورين التي تهدر دون قضية وطنية و هذا ليس دفاعا عن الدور الروسي

صالح مكي
البلد: 
السودان
06/10/2015 - 11:50

تقولين أن بوتين يفكر في ايقاف اراقة دماء السوريين التي تهدر؟ من اهدر دماء السوريين؟ اليس الروس هم سلحوا عمليهم وربيبهم الأسد ؟ أليس الروس الآن هم من يقتل الشعب السوري المسلم؟

يوسف ملائكة
البلد: 
مكة
06/10/2015 - 05:01

تلخيص حازم في إلقاء الضوء علي العناصر المتحركة والمتصادمة في سوريا. ولكن ربطه بالتقسيم يحتاج الي استزادة من قلم كاتب بليغ.
حتي لا يخل التركيز علي جزء، باستيعاب ما يجري عموما لأمن واقتصاد وارادة الانسان العربي وثقته في إدارة الطريق نحو مستقبله، لا مفر من نطق ان الأطراف غير العربية متفقة ضمنا -وبغض النظر عن مدي أرادة كل منها- علي تمزيق عناصر تفاعل قوته وضد مصلحته. وان مسرح العمليات واضح الشمول.
السؤال ؟
أين القادة العرب المسؤولين.

د. خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
06/10/2015 - 10:37

أكبر كذبة يكررها بوتين ووزير خارجيته وإيران أن الشعب السوري هو من يقرر مصيره، ألم يعلموا أن الشعب السوري لو أتيحت له الفرصة ليس اليوم ولكن منذ أربعون عام حيث معظم الشعب السوري يرفضون هذا النظام (العصابة) الطائفية والتي كانت أخطر من المستعمر الخارجي على سوريا وعلى شعبها بمليون مرة، ألم يروا أن الشعب السوري خرج عن بكرة أبيه في درعا وحماة قبل إحتلالها ودير الزور وغيرها بمظاهرات سليمة ملئت الشوارع دعت إلى إسقاط هذا النظام الطائفي المجرم الذي تحالف مع كل أعداء سوريا والعرب كي يبقى في السلطة؟ ألم يعلم هؤلاء أن الشعب السوري قدم أكثر من نصف مليون شهيد وأنه أصبح اليوم أكثر من 7 ملايين مشرد وكله بسبب هذه العصابة الطائفية الحاكمة وما زالوا يرددون هذه المقولة الشعب السوري هو من يقرر مصيره؟ اخرجوا من سوريا وكفوا عن دعم هذه العصابة وسترون قرار الشعب.

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
06/10/2015 - 16:21

لم يكن الرد الروسي فجائية بل هو خطط عمل إمريكي وغربي روسي لضرب تقدم المعارضة السورية والعودة إلى مناطق ذات النفوذ وتقسيم سورية وهذا أصبح جليا واضحا وللأسف الشعب السوري هو ضحية البزار بين إمريكا وإيران وإسرائيل والروس وغيرهم هذا البزار حتما سيكون على حساب العرب فالدور العربي في سورية مغيبة فالضربات الروسية للمناطق السورية ليس هدفه تنظيم داعش بل ثبات حكم بشار هذه المعادلة واضحة وجلية فالحرب المفتوحة في سورية الحرب بالوكالة والحرب لا أفق لها وكل الأطراف بيديه الزناد

فيصل حرسان
البلد: 
السويد
07/10/2015 - 04:17

الاستاذ غسان الامام
تحية طيبة
عزل تركيا وخروجها من اللعبة هدف اساسي (و باتفاق مسبق ), طحن وتصفية الارهاب و المتشددين هدف مهم للغرب ... , التجزئة محتملة و واردة ومقبولة كعلاجات مستقبلية .. لامارات ضعيفة مستسلمة .
حرب جادة ومجانية على الارهاب ( مفبركة ومصطنعة على ارض الغير)...وتجنب اخطاء افغانستان والعراق
وتقبل مني بالغ الاحترام والتقدير

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
07/10/2015 - 08:25

إذا كان فعلاً التدخل والنوايا الحقيقية للعدوان الروسي القديم الجديد من أجل التقسيم فهذه تعتبر جريمة كبيرة ترتكبها روسيا بحق سوريا وشعبها ولن يرحمها التاريخ من هذا الفعل والجريمة الشنيعة ، نعلم أن روسيا لها جرائمها وبصمات جرائمها واضحة في سوريا وأولها بيع الأسلحة الروسية للعصابة الحاكمة لقتل الشعب السوري وتهديم قراه ومدنه وتشريد المدنيين وهذا مخالف لعقود البيع والتي شرطها هي للدفاع عن سوريا وليس لقتل المدنيين والجريمة الثانية الروسية بحق سوريا وشعبها هي جريمة إقتصادية شاركت فيها روسيا من خلال طباعة مليارات الليرات السورية بروسيا بدون تغطية والتي أدت إلى تدهور قيمة الليرة مقابل الدولار وباقي العملات وزيادة جامحة في الأسعار وتمويل قتل الشعب السوري من خلال ذلك ، نعم إنه العدوان الثلاثي على سوريا المتمثل في روسيا وإيران والعصابة المجرمة

ياسر عطية
البلد: 
مصر
07/10/2015 - 10:36

اعتقد ان هناك اتفاق مبدئي بين بوتين واوباما على الخطوط العريضة لشكل السلطة الجديدة في سوريا وحدود النفوذ الروسي الأمريكي وربما اللإقليمي فيها وما يتم الآن على المسرح هو تهيئة الأوضاع على الأرض بعد تدخل القوات الروسية لخلق توازن استراتيجي يتقارب مع التصور السياسي للحل النهائي ولن يكون هناك تقسيم جغرافي باذن الله ولكن سيكون هناك ما يشبه التقسيم البنيوي في السلطة لضمان نفوذ الفرقاء اللإقليميين والدوليين فيها

ياسر عطية
البلد: 
Egypt
07/10/2015 - 12:16

اعتقد ان هناك اتفاق مبدئي بين بوتين واوباما على الخطوط العريضة لشكل السلطة الجديدة في سوريا وحدود النفوذ الروسي الأمريكي وربما اللإقليمي فيها وما يتم الآن على المسرح هو تهيئة الأوضاع على الأرض بعد تدخل القوات الروسية لخلق توازن استراتيجي يتقارب مع التصور السياسي للحل النهائي ولن يكون هناك تقسيم جغرافي باذن الله ولكن سيكون هناك ما يشبه التقسيم البنيوي في السلطة لضمان نفوذ الفرقاء اللإقليميين والدوليين فيها

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة