لا غرابة أبداً في تراجع جيش «فاغنر» المرتزقة، الذي يتزعمه يفغيني بريغوجين عن المضي بالتصعيد أكثر مما فعل، فهو لا يملك ما هو قريب من القدرة على الإطاحة بالرئيس فلاديمير بوتين.
يبدو أن ثورته التي تراجعت سريعاً تنطلق من خلاف شخصي مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو وقائد الجيش فاليري غيراسيموف ويبدو أنه قد خسر أيضاً هذه المعركة، لأن بوتين، على الأرجح، سيزداد تمسكاً بهما.
في المقابل، سيحافظ الرئيس بوتين على رئاسته من ضرر الفرقعة الإعلامية التي افتعلها الحليف السابق، وقد رد بأن شن هجمة إعلامية شرسة على بريغوجين واتهمه بالخيانة، ولمّح إلى أنه سيتعرض لعقاب حتمي. هذا التهديد بالعقاب جرى التنازل عنه وتوقيع اتفاق بين الطرفين انتهى إلى إغلاق القضية الجنائية بحق بريغوجين وتقرر أنه سيغادر إلى بيلاروسيا، الوسيط الذي أنهى الخلاف حقناً للدماء، وانتهى التمرد المسلح الذي قاده زعيم «فاغنر» وشغل العالم طوال الأسبوع. يمكن أن نتوقع أن الملف قد أقفل بانتقال بريغوجين إلى مينسك، بعد الوساطة التي قادها رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو. وجاء في بنود الاتفاق أنه يحق لمقاتلي «فاغنر» ممن رفضوا منذ البداية الانضمام لحملة بريغوجين الانضمام لصفوف القوات المسلحة الروسية والتعاقد مع وزارة الدفاع، وأنهم لن يلاحقوا قانونياً، بالإضافة إلى عودة قوات شركة «فاغنر» إلى معسكراتها، وأن من لا يرغب في العودة إلى المعسكرات يمكنه أيضاً أن يوقع اتفاقيات مع وزارة الدفاع الروسية.
بالنسبة لنا بصفتنا محللين محايدين، لا نستطيع أن نتجاوز حقيقة أن جيش «فاغنر» قد وصل مساء السبت إلى مسافة 400 كيلومتر من موسكو بعد الاستيلاء على مدينة روستوف أون دون الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية، فهذا شيء جديد بالمرة لا يقارن بالعمليات الشيشانية في التسعينات، التي تم القضاء عليها سريعاً. فبحلول منتصف النهار، كان جيش المرتزقة يسير في منتصف الطريق إلى العاصمة على طول الطريق السريع، وأفادت وسائل إعلام غربية مساء السبت بأنه قد جرى إخلاء المباني العامة في الكرملين والمتاحف القريبة وألقيت حواجز على بوابات العاصمة، ووصفت صحيفة «دير شبيغل» الألمانية، الأمر بأنه حالة استثنائية من الذعر دبت في المدينة، ونفدت تذاكر الطيران إلى تبليسي وآستانا وإسطنبول، ونصح رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، المواطنين بالبقاء في الجوار وألا يبتعدوا عن منازلهم في كل تحركاتهم، وأن يبقوا بعيداً عن الطرق السريعة. ولم يكن هذا كل ما حدث في الأيام الماضية، بل صدرت أوامر بإبقاء مكان العمل مغلقاً يوم الاثنين بعد عطلة نهاية الأسبوع.
هذا التهديد الذي ربما لم تعرف موسكو مثله بعد سنوات الحرب العالمية الثانية من قبل النازيين، وهذا القرب الشديد عسكرياً، جعل موسكو تتخذ أشد الاحترازات، وانتشرت قوات روسية مسلحة بالرشاشات خارج العاصمة وعلى طول الطريق الذي أغلق أمام حركة المرور مساء الجمعة. وجرى إعلان حالة التأهب ضد الإرهاب صباح السبت لتمديد صلاحيات خاصة لسلطات المدينة. ومع ذلك، في ليلة السبت، أمر بريغوجين فجأة جيشه بوقف تقدمه نحو موسكو لتجنب إراقة الدماء.
الجدير بالذكر أن بوتين نفسه هو من قام بإنشاء قوة «فاغنر» في عام 2015، وأنه هو من قام بتمويل قوة عسكرية منفصلة لتعمل خارج الجيش النظامي لخدمة أهداف الكرملين في الخارج، وليعملوا بالطريقة نفسها التي تعمل بها شركات ومقاولو الأمن الخاص من أمثال شركة بلاك ووتر الأميركية التي تتابعت على استخدامها الإدارات المتعاقبة في واشنطن. لم تلبث الأيام حتى تضخمت «فاغنر» عبر السنين الماضية لتصل إلى ما مجموعه 50 ألف مقاتل، وقد قامت بالفعل بخدمة مصالح روسيا في ساحات مضطربة مثل سوريا وليبيا وأوكرانيا.
الجيش الروسي نفسه، وأحسب أن كل جيوش العالم تحمل الشعور نفسه، يكره القوات المرتزقة. لكن كره الجيش الروسي خاصة لـ«فاغنر» يرجع في الأساس إلى أن وحدات المرتزقة في الغالب مأهولة بالمجرمين المُدانين المُطلقين بشرط التجنيد. هذا لا ينطبق على جيوش المرتزقة في أميركا، لأنها تشترط خلو جيوش المرتزقة ممن لهم سجل إجرامي مدان في الولايات المتحدة.
ولكن ها هو بوتين يكرر الخطأ الذي ارتكبه في 2015 بإعلانه بالأمس عن فتح باب التجنيد للمساجين وأنه سيعطيهم رواتب مالية في مقابل أن يقاتلوا في أوكرانيا. من هنا قال بعض المحللين إن لدى الرئيس بوتين سوء تقدير حين يأتي الأمر لاختيار حلفائه.
لقد اشتبكت قوة «فاغنر» مع الجيش الروسي مؤخراً في ساحة معركة أوكرانيا، ومن هنا يبدو أن بوتين قد قرر أن يقاتل المساجين المُطلقين بالمساجين المُطلقين، على قاعدة «فخار يكسّر بعضه».
ظاهرياً، الذي أغضب بريغوجين ظهوره عبر الإعلام معرباً عن غضبه الشديد من وزير الدفاع والجيش عموماً، ينطلق من إصراره على أن رجاله يجب أن يقدموا على الجيش فيما يتعلق بإمدادهم بالأسلحة والذخيرة.
هذا التصريح استفز الجنرالات الكبار في الجيش النظامي، وأصبح قضية تحدٍّ لا يخلو من صفة شخصية. ثم تحدى بريغوجين الجيش بدوره، واتهم وزير الدفاع شويغو بإخفاء حجم الإخفاقات الهائلة على الأرض في ساحة المعركة، عن الرئيس بوتين، وزعم أن 2000 رجل من «فاغنر» قُتلوا نتيجة الضربات التي أمرت بها وزارة الدفاع الروسية.
جوهرياً، هي رسائل واضحة للغاية، فالخلاف بين بريغوجين ووزير الدفاع الروسي شويغو قد تحول إلى حرب بين الميليشيا والجيش والرئيس من ورائه، ومن الطبيعي للغاية أن نفترض أن بريغوجين قد انحاز بشكل واضح هذه المرة إلى المعسكر الغربي الذي تقوده الإدارة الأميركية التي توظف كل مَن يمكن توظيفه لكسر أنياب الدب الروسي، بهدف استعادة صورة القطب الأوحد. إنها رسالة قصيرة: كش ملك بوتين، وإن لم يمت بوتين، لكنها من القوة بمكان بحيث سيكون لها تأثير في مسار الحرب الأوكرانية، سيجري تقييم حجمه فيما بعد.
*كاتب ومثقف سعودي
