عمر أنهون
TT

حرب أوكرانيا: نكون أو لا نكون

يشعر الأوكرانيون بالتقدير تجاه الدعم الغربي، لكنَّهم يوضحون كذلك أن أحد الأسباب الرئيسية التي بثت الجرأة في روسيا وشجعتها، كان رد الفعل الضعيف تجاه ضمّها القرم.
ويرى الأوكرانيون كذلك أن الغرب كان متردداً بداية الأمر عندما شنت روسيا هجوماً ضد أوكرانيا، فبراير (شباط) 2022. ولم يتخذ الغرب قراره بالمساعدة سوى عندما عاين مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين، واشتعال أزمات إنسانية حادة وعزم الأوكرانيين على مقاومة الاحتلال.
في الوقت ذاته، لعبت المساعدات العملية والعقوبات الاقتصادية المكثفة التي قدمها الغرب، دوراً كبيراً في جهود المقاومة ضد روسيا. ومع ذلك، تظل الحقيقة أنه ليس هناك ما يكفي دولة متورطة في حرب من هذا النوع. اليوم، يسعى الأوكرانيون خلف كل شيء، بما في ذلك المنظومات المضادة للطائرات والمركبات المصفحة ومعدات الحرب الإلكترونية.
وبالفعل، آلمت العقوبات الاقتصادية روسيا، لكن ليس للدرجة التي تدفعها للاستسلام. والمعروف أن روسيا تحظى بموارد طاقة وفيرة، وما تزال هذه الموارد تتدفق إلى داخل السوق العالمية. ومع أن صادرات الطاقة الروسية لأوروبا تراجعت بشدة، فإن ثمة مشترين كباراً، مثل الصين والهند يعوضون هذه الخسارة.
والواضح أنَّ الحرب بدلت الوضع الاستراتيجي العالمي، خاصة في أوروبا.
من جانبهما، تخلت السويد وفنلندا عن سياسة الحياد التي التزمتها الدولتان على مدار فترة طويلة. وأصبحت فنلندا الدولة العضو 31 في حلف «الناتو»، والذي نتيجة لهذه الخطوة زادت حدود الحلف مع روسيا بطول 1300 كيلومتر إضافية. أما السويد، فتنتظر تصديق البرلمانين التركي والمجري على بروتوكول انضمامها للحلف. ومن المأمول أن يكتمل هذا الإجراء بحلول موعد انعقاد قمة «الناتو» في فيلنيوس في يوليو (تموز).
كما زار وزير الدفاع السويسري، الذي لطالما شكلت بلاده رمزاً للحياد، مقر حلف «الناتو»، والتقى الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، مارس (آذار) الماضي. ومع أن هذا لا يعني أن سويسرا ستتقدم بطلب للانضمام إلى «الناتو»، فإن هذه تظل أول زيارة من نوعها وتكشف بوضوح ميول سويسرا. من جهته، أكد ستولتنبرغ على أن الحياد لا يشكل عقبة أمام العمل المشترك.
على الجانب الآخر، لم توقف تركيا، عضو «الناتو» منذ عام 1952، علاقاتها مع روسيا، وإنما على النقيض تماماً، سعت إلى تحقيق أكبر استفادة من الوضع القائم، من خلال استغلال المزايا التي يتيحها موقعها الجغرافي، وعلاقاتها مع كل من روسيا وأوكرانيا.
واضطلعت تركيا بدور كبير في إبرام اتفاق تصدير الحبوب الذي أقر آلية نقل منتجات الحبوب الأوكرانية والروسية إلى الأسواق العالمية. ومنذ ذلك الحين، مر ما يقدر بـ27 مليون طن من الحبوب الأوكرانية عبر المضايق التركية.
ومع ذلك، تظل هناك مشكلات. من ناحيته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي كان في تركيا أخيراً، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره التركي، إن الجزء المرتبط بالمنتجات الروسية من الاتفاق لا يجري تنفيذه. واشتكى لافروف من أن روسيا لم تتمكن من دخول منظومة «سويفت» للسداد، ولم تتمكن من تأمين شحناتها، ولم تتمكن من دخول موانئ البحر المتوسط، ولم تتمكن سفن أجنبية من دخول الموانئ الروسية. وقال إنه في ظل هذه الظروف، وما دامت هذه المصاعب لم تزح، فإن الاتفاق لم تعد هناك حاجة له.
الملاحظ أن الصين، القوة الصاعدة، تحولت إلى لاعب كبير هي الأخرى. في البداية، امتنعت الصين عن الوقوف صراحة إلى جانب روسيا، إلا أنه خلال الفترة الأخيرة، زاد معدل تعاونها مع الجانب الروسي. وكانت أحدث زيارة رسمية للرئيس الصيني، شي جينبينغ، لموسكو. ومع أنها لم تكن زيارة تاريخية، فإنها شكلت حدثاً رئيسياً على رقعة الشطرنج الجيو - استراتيجية العالمية.
وأعلنت الصين عن موقفها القائم على فكرة أن العقوبات والضغوط السياسية لن تحل المشكلة، ودعت لعقد محادثات سلام.
وبعد أن يسرت التقارب بين السعودية وإيران، طرحت الصين كذلك ورقة مؤلفة من 12 نقطة بعنوان «موقف الصين تجاه التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية». ويبدو أن الهدف من هذه الورقة، وهي ليست خطة سلام رئيسية، اختبار الأجواء. وقد قوبلت الورقة بردود أفعال مختلطة من جميع الجوانب.
ومع ذلك، يرى الكثير من الفاعلين على الساحة العالمية أن الصين باستطاعتها تيسير الأمور مع الجانب الروسي، للوصول إلى عملية سلام.
وأوضح وزير الخارجية الصيني، من جهته، أن بلاده لم تقدم أسلحة لأي من جانبي الصراع. وبغض النظر عما إذا كان بإمكان الصين المساهمة في تيسير عقد محادثات سلام، تبقى حقيقة أن الصين تمتنع عن تقديم مساعدات عسكرية لروسيا، بمثابة إنجاز لأوكرانيا والغرب.
وقد تحول الأمن النووي إلى قضية مثيرة للقلق على نحو متزايد. ومن الممكن أن يؤدي استخدام روسيا لأسلحة نووية تكتيكية إلى عواقب كارثية. كما يرفع حديث بوتين عن تعزيز الروابط الأمنية مع بيلاروسيا، ونشر أسلحة نووية تكتيكية هناك، مستوى المخاطر القائمة.
المؤكد أن القنوات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، وبين روسيا والولايات المتحدة والغرب، لم تغلق، فما تزال الاتصالات العامة والأخرى البعيدة عن النطاق العام مستمرة، لكن التساؤل القائم هنا ما إذا كانت هناك ثمة فرصة حقيقية أمام الجهود الدبلوماسية، على الأقل خلال هذه المرحلة.
الواضح أن ثمة مشاعر قوية تغلب على الجبهتين الداخليتين الأوكرانية والروسية، على نحو لا يمكن لزعماء البلدين تجاهله.
يتخذ البلدان موقفين على النقيض تماماً من بعضهما بعضاً، ويبدو كل منهما عاقداً العزم على المضي قدماً في القتال.
من جهتها، تطلب روسيا من أوكرانيا الاعتراف بالقرم الخاضعة للاحتلال الروسي، واستقلال كل من لوهانسك ودونتيسك الخاضعتين لسيطرة عناصر انفصالية، علاوة على «نزع التسليح» و«تفكيك الطابع النازي».
على الجانب الآخر، تقول أوكرانيا إنها لن تتعاون مع روسيا إلا بعد موافقة الأخيرة على إعادة القرم وإقليم الدونباس لأوكرانيا والانسحاب.
وفي ظل العضوية الدائمة لروسيا والصين بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تبدو الأمم المتحدة عاجزة وغير فاعلة. ولم يعد من الممكن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة، في حين تراجع ما يطلق عليه النظام العالمي إلى مجرد فكرة يرى القوي بمقتضاها أن له الحق في فعل أي شيء.
وتتجلى المفارقة في تولي روسيا رئاسة مجلس الأمن في الأول من أبريل (نيسان). وتزداد المفارقة حدة بالنظر إلى أنه عندما هاجم الجيش الروسي أوكرانيا، كانت روسيا تتولى رئاسة المجلس أيضاً.
مسألة مصداقية روسيا تثير التساؤلات حول كيف يمكن استمرار أي اتفاق سلام يجري إبرامه مستقبلاً. ورغم أن الوثائق الدولية قد تبدو دونما معنى، فإنها تظل مهمة وأساسية.
جدير بالذكر هنا أن مذكرة «بودابست» الموقعة عام 1994 كانت بمثابة ضمان من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا لأوكرانيا، مقابل التخلي عن الأسلحة النووية على أراضيها. ومع ذلك، فإن أحد الموقعين على هذه المذكرة هو من أقدم على اجتياح أوكرانيا.
في الوقت الحاضر، يقف الغرب إلى جانب أوكرانيا. وتبدو دول شرق ووسط أوروبا ودول البلطيق عاقدة العزم في دعمها، إلا أن هذا العزم يبدو أقل في صفوف أبناء غرب أوروبا، أو يبدون أكثر حذراً، رغم استمرارهم في دعم أوكرانيا.
على صعيد السياسات الدولية، ليس هناك ما يمكن التعامل معه باعتباره أمراً مؤكداً أو مضموناً. والمؤكد أن إعطاء المصالح الأولوية والإرهاق من العوامل المهمة عند صياغة سياسة وإقرارها. وربما تواجه الحكومات معضلة وضع الاعتبارات الجيوسياسية في مواجهة الاعتبارات المحلية، خاصة حال تردي الظروف الاقتصادية. في مثل هذه الحالات، يصبح الاحتمال الأكبر أن تكون الغلبة للاعتبارات الداخلية. وهذا أمر ينبغي لجميع الأطراف وضعه في الاعتبار، وفي هذه الحالة، أوكرانيا على وجه الخصوص.
وأنهي حديثي هنا بقول شائع في أوكرانيا سمعته قريباً من مسؤول أوكراني خلال لقاء شاركت به: «إذا توقفت روسيا عن إطلاق النار، ستنتهي الحرب. أما إذا توقفت أوكرانيا عن إطلاق النار، فستنتهي من الوجود».