جيفري غولدبيرغ
TT

أما وقد وصل الربيع لإسرائيل!

جميل أن نتأمل قوى الظلام تنكشف في ساحات بإقليمنا العتيد بأسره!
وفيما يتعلَّقُ التطرفَ اليمينيَّ الديني في إسرائيل، ليس الأمر مختلفاً. فلئن جاء انكشافه متأخراً بفعل قوة الدولة وموقعها في الصراع الدولي ضد الشيوعية، وبعد ذلك بفضل انهيار العمود الاستراتيجي العربي، لكن ذلك لم يحصن اليمين الديني المتطرف من الانكشاف ولو متأخراً. إذ تبدو الأزمة ساطعة لتفضح تواطؤ المجتمع السياسي تجاه التطرف.
لم يكن وجود هذا اليمين الديني المتطرف خافياً قط، لكن بعضه آثر التكييف والاختراق في انتظار لحظة الانقضاض، واختار بعضه الآخر البقاء في الظل. سمح ذلك لبعض القوى الشعبوية العلمانية المتواطئة وبعض القوى الإقليمية والدولية بهوامش مناورة كبيرة، إذ إنه يسمح بإنكار وجود التطرف.
أما الآن، فلقد صار تحت الشمس. وكثيراً ما سمعنا من السياسيين الإسرائيليين الشعبويين ذريعة أن في كل دولة متطرفين، لكنهم في إسرائيل هامشيون وغير مؤثرين.
وكما في إيران، أمنت لهم هذه اللعبة خطاباً مزدوجاً، يرعى من جهة هذه التيارات باسم الديمقراطية والتسامح، لكنه يستخدمها ويتذرع بها، في الوقت ذاته، للابتزاز والمساومة وإفشال عمليات السلام، حيثما أمكن وعلى طول الطريق.
لكن التطرف، في كل الإقليم، كان كمن يربي تمساحاً في حديقته الخلفية ليهدد الجيران، فإنه سرعان ما يكبر، ليصير خطراً ماثلاً حتى على صاحب البيت، لينفلت في وضح النهار.
إذ لم يعد هؤلاء مجرد متطرفين هامشيين، بل أصبحوا يأخذون نتنياهو ومؤسسات الدولة والمجتمع رهائن من رقابهم.
ستطال مآلات هذا الصراع كل الإقليم، ولن توفر أحداً. بل لن يكون من الممكن الحياد تجاهها. القضية بالنسبة للمتطرفين، في نهاية الأمر، ليست متعلقة بمجرد تحريم الخبز في عيد الفصح في المشافي، وإيقاف سير الحافلات أيام السبت... إلخ، بل يعتقد هؤلاء بأنهم لو سيطروا على المحكمة العليا فسيمكنهم قطع الطريق على أية تسوية إقليمية، ووقف «التنازل عن الأراضي». وإذا لم يسيطروا على المحكمة العليا، يكون مشروع «إسرائيل الملكوت» في خطر. وبهذا المعنى يتجلَّى البعد الإقليمي لقضية الديمقراطية في إسرائيل التي لم تعد مجرد قضية داخلية، بل إقليمية بامتياز.
لقد وقف هؤلاء ضد أية تسوية إقليمية وهم يعارضونها بالفعل قبل القول. وسواء «سيناء 1979» أو «أوسلو 1993» أو «وادي عربة» أو «غزة 2005» وغيرها. في كل مرة كان يتردد عندهم الهاجس ذاته: «كيف يمكن الرد على التسوية الإقليمية؟».
في نظر هؤلاء المتطرفين، فإنَّ دولة إسرائيل، بشكلها الراهن الملموس، هي المسؤولة عن تراجع تحقيق الإرادة الإلهية، بل إن الدولة الراهنة تعمل ضد الإرادة الإلهية.
بوصوله إلى السلطة، ينتقل اليمين المتطرف من الظل إلى التطبيق الجراحي. ولإنجاز ذلك يتبع المتطرفون استراتيجية من ثلاثة أعمدة: اقتلاع العلمانية وإطاحة الحكومة، ومن ثم سحق المحكمة العليا وقلب السياسة والتعليم والقضاء، ومن ثم إخضاع الجيش.
ولئن كان بعض المتطرفين قد فك الارتباط مع «إسرائيل الأرضية» وتحصن في جيوب دينية في مستوطنات الضفة الغربية، فإنه يعيد انتشاره الآن، في حين يستمر بعضهم الآخر في اختراق بنية الدولة.
في نظرهم هذه «القشرة» (شل بالعبرية) من الليبرالية والديمقراطية والعلمانية للنخب الثقافية والعلمية وقوى المجتمع الإسرائيلي، هي التي تنتفض الآن في كل الشوارع والساحات. وهذه القشرة العلمانية تحديداً هي التي تمثل الخطر على إسرائيل لكونها تمنع «ولادة الشرارة الإلهية».
القيم الليبرالية والديمقراطية المؤسسة للدولة هي الفاسدة، وهي المفسدة وهي التي أنتجتها الحضارة الغربية الرومانية، ولا علاقة لها على الإطلاق بـ«مملكة إسرائيل». المحكمة العليا (على عيوبها) هي بيت الداء، وهي التي تدعو إلى التسامح، والتعايش والاستيعاب والمساواة بين اليهود والعرب.
أما عن الجيش، فالمطلوب إعادة هيكلته تماماً لتصبح السلطة فيه للمعايير الآيديولوجية. ولا بد من إعادة هيكلته من حيث العقيدة وقواعد الاشتباك. وعلى طول العشرين عاماً الماضية، تواطأ الشعبويون العلمانيون مع هذا اليمين الديني، وأتاحوا له اختراق الجيش.
وبالنسبة لهم، فإن المعضلة في الجيش هي «قواعد الاشتباك»! وعلى الرغم من أن مبدأ «استخدام السلاح عند الضرورة» يطبق بانحياز فاضح ضد العرب، فإنه لم يعد كافياً! بل يحد هذا المبدأ بشكل كبير من المتطرفين اليمينيين داخل الجيش لارتكاب مزيد من أعمال القتل والقمع، إلى حد أن بعضهم يعتبر هذا المبدأ «نجساً وملتوياً». بالنسبة لنا في الشرق الأوسط، سمعنا هذا اللحن منذ القدم! وإن كان هذا اللحن يتكرر بأشكال وآلات مختلفة، فإنه يبقى ذاته امتداداً من «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من التنظيمات الجهادية، إلى نظرائها في الخندق الشيعي. جميعها لا تؤمن بالدولة الوطنية، لكنها مستعدة لركوبها ومن ثم الاستيلاء عليها بعمل انقلابي من الداخل أو من الخارج، بهدف قلب بنيتها ومرجعيتها القانونية والتشريعية والفكرية، وتأسيس دولة «الملكوت».
ويقف وراءها جميعاً، كما في إسرائيل، جموع من الذين لا يزالون يعتاشون على هلاوس التطرف. هؤلاء لا يكفّرون المتطرفين، بل يتبرعون لهم بالمال وبالدعم، بغض النظر عن مستوى الجريمة التي يرتكبونها، بل يدعمونهم ضد القانون والدولة الوطنية. بل يرى هؤلاء «الأتقياء» في مقاتلي التطرف، قدسية طوطمية، ممزوجة بقدرية إلهية.
على جانبي خندق الصراع العربي - الإسرائيلي، استخدم التطرف الديني ذريعة لعرقلة وإجهاض ونسف عمليات السلام المتعددة. نجت بعض عمليات السلام ونجحت، ولكن غالبها أُجهض وهو قيد الولادة. وتواطأ في ذلك حتى العظم الشعبويون العلمانيون من السياسيين والمثقفين، والنتيجة هي الخراب الراهن.
لقد تأخر طفح التطرف في الانكشاف في إسرائيل. فحين تكون في مرحلة الصعود، ترتص الصفوف، ويرقد كل على هواجسه، ويتغاضى عن هلاوس الآخرين. أما الآن فيختنق الشرق الأوسط بالأزمات، في منطقة تغص بالعقائد والطواطم. حكمت الجغرافيا على دولة إسرائيل بأن تكون جزءاً لا يتجزأ من بيئة معدية ومضطربة، لا مناص من الانخراط فيها، حيث يكابد الإنسان أزمات وجودية عميقة ويتضور التاريخ ويفشل المستقبل.
لم يتشابك الوضع الداخلي الإسرائيلي يوماً بهذا القدر مع الوضع الاستراتيجي والسياسي في الإقليم. من جهة، يضغط المحيط على إسرائيل أكثر مما ضغط زمن الحروب. ومن جهة أخرى، تنتفض جماهير الشباب والجنود والنساء وقدامى المحاربين والاحتياط والطيارين، ليدخل المجتمع الإسرائيلي في مخاض جديد وعميق كما لم يحصل قط.
لكن بعد دورات انتخابات لا تنتهي، لا تزال الطريق أمام كفاح هذا الجمهور وعرة وغامضة، في حين يتعمق ارتباط هذه المعركة تحديداً، بمصائر الإقليم، في وقت يمضي فيه الغرب بعيداً في فطام المنطقة! كل المنطقة!
لم تكن قط قضايا السلام والأمن والديمقراطية في الإقليم بأسره، مرهونة بمستقبل نهوض المجتمع والمواطنين العاديين، في مواجهة الشمولية العقائدية والتطرف الديني اليميني، والشعبوية، كما هي اليوم.
ولم تكن قضية تكريس قيم الدولة المدنية قضية مركزية لمستقبل شعوب المنطقة مثلما هي اليوم. ويأتي الحراك الشعبي الجاري في إسرائيل في السياق ذاته، بل في وسطه.
في انتظار ذلك، يتشارك المتطرفون في الإقليم أسباب الوجود، ويقبعون كل في خندقه، يدعون لفشل هذا النهوض، كي يعودوا لبنادقهم النووية. فهل هذا طريقهم لليوم الموعود الذي يستعجلون؟

* كاتب وباحث سوري
مقيم في أميركا