إلى متى يظل المهرج الذي يتلقى الصفعات؟

إلى متى يظل المهرج الذي يتلقى الصفعات؟

الأربعاء - 20 شوال 1436 هـ - 05 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13399]

لا أمل من العودة بين وقت وآخر إلى «كرة القدم بين الشمس والظل»، أحد أعمال الروائي والباحث والصحافي الأوروغوياني إدوارد غاليانو، الذي توفي في الثالث عشر من أبريل (نيسان) الماضي، وترك أعمالا أدبية كثيرة، ترجم بعضها لأكثر من عشرين لغة، ففي هذا العمل الرشيق رسم بسهولة وعمق صور اللعبة الشعبية الأولى في العالم بكل تفاصيلها الدقيقة، بقراءة تحليلية متجردة أقرب إلى إعادة الشيء إلى أصله البدائي المتحلل من أي قيود.
يقول غاليانو عن حارس المرمى: «يسمونه البواب، والغورريلا، وحارس الحاجز، وحارس القوس، ولكننا نستطيع أن نسميه الشهيد، الصنم، النادم، أو المهرج الذي يتلقى الصفعات، ويقولون إن المكان الذي يطأه لا ينبت فيه العشب، إنه وحيد محكوم عليه بمشاهدة المباراة من بعيد، ينتظر إعدامه بالرصاص بين العوارض الثلاث، كان في السابق يرتدي الأسود مثل الحكم، أما الآن فلم يعد الحكم يتنكر بزي الغراب، وصار حارس المرمى يسلو وحده بتخيلات ملونة، إنه لا يسجل الأهداف، بل يقف ليمنع تسجيلها، ولأن الهدف هو عيد كرة القدم، فإن مسجل الأهداف يصنع الأفراح، أما حارس المرمى غراب البين فيحبطها».
ربما حراس المرمى في العالم لا يغضبهم ذلك، بل وقد يحيونه على إحساسه الحي لحقيقتهم المرة والمعذبة، كل حراس المرمى العظام في العالم كانوا في حياتهم الكروية يعيشون تحت الضغط، وهضم حقوق ما يقومون به من دور في حماية أنديتهم من الهزائم، وبعد رحيلهم لا أحد يذكر إلا أخطاءهم، وبالكاد يتم التطرق إليهم تاريخيا كورقة من أرشيف... نتابع: «يمكن للاعبين الآخرين أن يخطئوا أخطاء فادحة مرة ومرات، ولكنهم يستردون مكانتهم بعد القيام بمراوغة استعراضية، أو تمريرة بارعة، أو تسديدة صائبة، أما هو فلا يمكنه ذلك، الحشود لا تغفر لحارس المرمى سواء قفز في الفضاء أو كان مثل الضفدع، هل أفلتت منه الكره؟ أصبحت اليدان الفولاذيتان حريرا؟ بخطأ واحد فقط يدمر حارس المرمى مباراة كاملة، أو يخسر بطولة، وعندئذ ينسى الجمهور فجأة كل مأثرة، ويحكم عليه بالتعاسة الأبدية، وتلاحقه اللعنة حتى نهاية حياته»، وأقول أنا: هل تتذكرون صورة تصدي الحارس لضربة ترجيحية حاسمة وكيف تغيب تدريجيا، وتبقى ضربة الحسم خالدة في الأذهان؟!
ومما قاله عن التعيس حارس المرمى أيضًا: «يحمل على ظهره الرقم واحد. أهو الأول في قبض المال؟ إنه الأول في دفع الثمن، فحارس المرمى هو المذنب دائمًا، وهو الذي يدفع الثمن حتى لو لم يكن مذنبا، فعندما يقترف أي لاعب خطأ يستوجب ضربة جزاء يتحمل هو العقوبة، يتركونه هناك وحيدا أمام جلاده في اتساع المرمى الخاوي، وعندما يتعرض الفريق لسوء الحظ يكون عليه هو أن يدفع الثمن تحت وابل من الكرات ليكفر عن ذنوب الآخرين». نعم، كرة القدم لعبة جماعية، ولكل عنصر دوره وواجباته الأساسية، ولكن الاعتراف بمأزق مركز حراسة المرمى يستوجب على القائمين على إدارة الفرق إداريا وفنيا أخذ كل ذلك في الاعتبار من خلال الرعاية النفسية الخاصة، فلربما ذلك يعز على الجماهير والإعلام.
وفي كتاب «كرة القدم بين الشمس والظل» ما يستحق أن نعرج عليه كلما أردنا أن نقول إن لكرة القدم عالما بكرا، يمكن أن نستمتع به ونسعد كلما اختنقنا بعالمها الملوث الذي نعيشه في هذا العصر، فلغاليانو قراءات مشابهة للحكم قال فيها: «خلال أكثر من قرن كان الحكم يرتدي لون الحداد. على من؟ على نفسه. أما الآن فإنه يخفي حداده بالألوان»، لعل ذلك مدخل للحديث عن مهنة التحكيم، وواقع الحكم «سبب كل النكبات ولو لم يكن موجودا لابتدعه المشجعون، وكلما كرهوه أكثر زادت حاجتهم إليه). نعم، هذا حاله وسيظل للأبد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو