كان صوت أمير، الواصل عبر الأثير إلى قاعدة الأمم المتحدة في توزلا من مقاطعة سريبرينيتشا شرق البوسنة، مصابًا بالفتور، ولكن خوفه كان يهدر بوضوح مثير للغثيان. كان ذلك في يوليو (تموز) من عام 1995، حيث كانت الكتيبة الهولندية التي تم إرسالها لحماية المنطقة التي أعلنتها الأمم المتحدة منطقة آمنة في محيط سريبرينيتشا قد انهارت، بعد رفض مسؤولي الأمم المتحدة المطالبة بتنفيذ حلف شمال الأطلسي (ناتو) غارات جوية منسقة.
كان أمير يصرخ وهو يتوسل إلى مديره للشؤون المدنية التابع للأمم المتحدة من أجل حمل الهولنديين على إنقاذه، قائلا: «الهولنديون سينسحبون ويتركونا - نحن المترجمين!».
لكن الهولنديين المنشغلين بانسحاب جنودهم والمغمورين بآلاف من السيدات المسلمات والأطفال المصابين بالصدمة بعد طردهم من سريبرينيتشا، ردوا برفض بيروقراطي.
مكالمة هاتفية ثانية مع «أمير» أقنعتني بكتابة خطاب مقتضب تغلب عليه الصياغة القانونية، أعلن فيه أن المترجمين باعتبارهم موظفين بالأمم المتحدة يقعون تحت المسؤولية القانونية للكتيبة الهولندية. وقد نجح هذا؛ حيث تم إجلاء أمير عندما انسحبت الكتيبة الهولندية من سريبرينيتشا. ولكن خطابنا لم يكن له وزن بالنسبة إلى 8 آلاف من الرجال والصبية المسلمين الذين لم يكن لهم صلة بالأمم المتحدة، والذين تخلت عنهم الكتيبة الهولندية في سريبرينيتشا.
في ذلك الأسبوع قبل 22 عاما، قُتل كل أولئك على يد القوات الصربية بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش، في أسوأ مجزرة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وخلال العقدين الماضيين، ظهرت كثير من تفاصيل المجزرة، ولكن العدالة لم تكتمل.
أُدين عدد قليل جدا من الصرب بالإبادة الجماعية. وأما الجنرال ملاديتش، ونظيره المدني رادوفان كراديتش، فهما الوحيدان اللذان يواجهان المحاكمة في لاهاي بعد إفلاتهم من المحاسبة لسنوات بمساعدة متعاطفين من الصرب. لقد تحقق إلى حد بعيد هدفهم المشترك، وهو التطهير العرقي لإقليم البوسنة الصربي.
والآن وقد بدأ الوهن يدب في هذا السلام البارد الذي تحقق بعد الحرب البوسنية، فإن قوى مارقة جديدة متمثلة في شبحي التشدد الإسلامي، وعودة النفوذ الروسي، اجتمعت مع الانقسامات التي خلفتها الحرب ولم تتم معالجتها، لتضع تماسك البلد أمام اختبار جديد.
ما زالت المصالحة بين صرب البوسنة والكروات والبوشناق، بعد مرور سنوات كثيرة على الحرب، تبدو بعيدة المنال. وقد وصف ميلوراد دوديك، رئيس «ريبابليكا صربسكا» (جمهورية صرب البوسنة) مؤخرا المذبحة بأنها «الخديعة الأكبر في القرن العشرين».
وبعد أن شجبت صربيا قرارا للأمم المتحدة يدين الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا وأي إنكار لحدوثها على السواء، اعترضت روسيا طريقه في مجلس الأمن. كما عبر السيد دوديك مرارا عن نيته الانفصال «ريبابليكا صربسكا» عن البوسنة.
ويبدو أن أوروبا التي تشترك في حمل المسؤولية عن مأساة سريبرينيتشا، فقدت اهتمامها بهذا البلد منذ وقت طويل. واليوم تعبر بروكسل عن غضبها من المعضلة المستمرة والركود الاقتصادي في البوسنة، ولكنها تستجيب على استحياء في مرات قليلة. في الشهر الماضي رفض السيد دوديك بوضوح «خطة العمل» الأخيرة التي قدمها الاتحاد الأوروبي لمساعدة البلد الذي تحاصره الأزمات.
ورغم ندمها على المجزرة، إلا أن بروكسل ما زالت غير قادرة على أن تفهم المغزى الكامل لسريبرينيتشا. إن التطهير العرقي الذي بات مرادفا للبوسنة لم يكن نتيجة ثانوية للقتال، وإنما كان هو هدف ذلك القتال. لقد استلزم المشروع الصربي لبناء دولة صغيرة خالية من «الهيمنة الإسلامية» الطمس الديموغرافي للسكان من البوشناق المسلمين، إلى جانب تماس مباشر مع صربيا الأم. وكانت سريبرينيتشا ومقاطعتان مسلمتان صغيرتان قرب الحدود الشرقية (هيما زيبا وغورازدي) تعرقل ذلك الهدف.
وقد استولى الجنرال ملاديتش على هذه المقاطعات بشكل سافر، مراهنا على أن الأمم المتحدة العاجزة لن تطالب بضربات جوية من الناتو للدفاع عن «المناطق الآمنة». بل كان ملاديتش أكثر سفورا في سريبرينيتشا، حيث تقدم لتصفية السكان المسلمين الذكور. عندما قابلته في زيبا المجاورة، وكان القتل ودفن الجثث ما زال جاريا في سريبرينيتشا، كان الجنرال ملاديتش مفعما بالثقة، ويحتفل بانتصاره أمام جنوده المعجبين، ويهيئ نفسه أمام الكاميرات الموجودة في كل مكان.
سألت الجنرال ملاديتش عما إذا كان سيسمح لنا بإجلاء الرجال المسلمين المختبئين في الغابات في زيبا. قال من دون أي نوع من السخرية: «أجل»، عدا مجرمي الحرب.
والحق أن هذه الذكرى العشرين تقدم فرصة للصرب أصحاب النيات الحسنة للوقوف ليس مع المجتمع الدولي فحسب، بل مع ضحايا سريبرينيتشا. لا بد أن يرفض الصرب في كل مكان قلب الحقائق، والتماس المبررات لأفعال القادة الصرب وقت الحرب، والاعتراف بأن كرامتهم وأمنهم يكمنان في احتضان الحقيقة المرة.
تقف سريبرينيتشا - ولا بد لها دائما أن تقف - كخط أحمر ضد التطلعات الصربية المتطرفة.
لن يعود ضحايا سريبرينيتشا. ولكن في يوليو (تموز) من كل عام سيتذكر العالم دائما كيف قُتلوا – ومن بعث بهم إلى قبورهم.
* خدمة «نيويورك تايمز»
