أمر لافت للنظر يحدث في كرة القدم الأفريقية

أمر لافت للنظر يحدث في كرة القدم الأفريقية

الأربعاء - 6 جمادى الأولى 1444 هـ - 30 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16073]
سين جاكوبس
أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة «ذا نيو سكول» - خدمة «نيويورك تايمز»

هناك أمر ما مثير للاهتمام يحدث في بطولة كأس العالم، وهو أن الفرق الخمسة التي تمثل أفريقيا في البطولة، مدربوها أفارقة. ربما لا يبدو هذا استثنائياً، فغريغ بيرهالتر الذي يدرب فريق الولايات المتحدة، من ولاية نيوجيرسي، وهانسي فليك الذي يدير الفريق الألماني، من مدينة هايدلبرغ. مع ذلك، عادة ما تعتمد الفرق الوطنية الأفريقية على مدربين أوروبيين، أكثرهم غير معروفين في بلادهم، ومثل المرتزقة الذين يتجولون حول العالم؛ خصوصاً عندما يقترب موعد البطولات الكبرى.
وكان إذا ما استعانت دولة أفريقية بمدرب أفريقي، يتم الاستغناء عنه سريعاً قبيل بطولة كبرى، حتى لو كان قد وصل بالفريق إلى التصفيات المؤهلة لتلك البطولة.
لم يكن هذا ما حدث خلال العام الحالي.
أربعة من بين المدربين الخمسة الأفارقة صنعوا مساراتهم المهنية في مستويات الدرجة الأولى لكرة القدم الأوروبية، فأليو سيسيه وُلد في السنغال، وريغوبرت سونغ وُلد في الكاميرون، ومع ذلك صنع الاثنان مساريهما المهنيين في الدوري الإنجليزي الممتاز.
هاجر سيسيه إلى فرنسا حين كان شاباً، وشارك للمرة الأولى مع الفريق الوطني الكاميروني في بطولة كأس العالم عام 1998؛ لكنه انضم إلى فريق فرنسي بعد ذلك قبل الذهاب إلى إنجلترا.
كذلك وُلد وليد الركراكي خارج باريس، ولعب مع عدد من الفرق الفرنسية قبل بدء عمله في مجال التدريب في المغرب.
وُلد أوتو أدو الذي يدرب الفريق الوطني الغاني ونشأ في هامبورغ، ولعب في الدوري الألماني بالدرجة الأولى.
جلال القادري فقط هو الذي يعدّ نتاجاً لدوريات كرة القدم في بلده الأم؛ حيث لعب ودرّب في تونس.
تكتشف كرة القدم الأفريقية قوة الشتات والمهجر، فبطبيعة الحال هناك تاريخ طويل من السود المهاجرين الذين لهم دور في فعاليات داخل القارة؛ حيث دمج كوامي نكروما (زعيم جهود استقلال غاني) فكر الوحدة الأفريقية، من خلال أميركا وبريطانيا، في برنامجه، عندما تولى السلطة عام 1957.
منذ حقبة التحول الديمقراطي في بداية التسعينات، أصبح بعض الدول الأفريقية وقاداتها -في السنغال وغانا على سبيل المثال- أكثر انفتاحاً على القوة والخبرة السياسية والاقتصادية لمواطني المهجر، على نحو يتجاوز التحويلات المالية.
يبدو أن خُطى ذلك النهج قد تسارعت في القرن الجديد؛ حيث نشاهد بشكل أكبر هذا الشكل من التضامن في مجال كرة القدم. من الأمثلة على ذلك سيسيه، مدرب السنغال، فقد قضى أطول مدة في مجال التدريب، ومن المرجح أن تكون تلك الفترة من أكثر فترات عمله إثارة للاهتمام. تم تعيينه عام 2015، ودرّب فريق السنغال خلال بطولة كأس العالم في عام 2018 التي قدم فيها الفريق أداء رائعاً مثيراً للإعجاب، وخرج من البطولة بسبب نقطة فنية غريبة. كذلك فازت السنغال تحت قيادته ببطولة كأس الأمم الأفريقية عام 2022.
مع ذلك، ليس سجل نجاحات سيسيه فقط هو الذي يبقيه في هذه المهنة، فهناك سبب آخر لبقائه واستمراره في العمل بهذا المجال، وهو أنه يفهم الضغوط التي يعانيها لاعبوه. لقد كان كابتن آخر فريق قوي للسنغال، وهو فريق عام 2002. فاجأ الفريق الجميع خلال بطولة كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان بهزيمة البطل الفرنسي في المباراة الافتتاحية، والصمود حتى الدور ربع النهائي.
يفهم سيسيه أنه يستمد قوته بوصفه مدرباً من علاقته العميقة بالسنغال، فقد قال في مقابلة أُجريت خلال العام الحالي، إن مواطني المهجر يفهمون بلادهم الأم على نحو لا يفهمه الغرباء. وقد أشار إلى الخبرات الفنية والتكتيكية باعتبارها ضرورية للتدريب الناجح؛ لكنه أضاف قائلاً: «من المهم أيضاً معرفة ماضي البلاد، فبالنسبة لي إذا لم تكن تعلم الماضي، فمن الصعب الحديث عن المستقبل».
تأتي أهمية وشهرة المدربين، مثل سيسيه، في الوقت الذي تتغير فيه علاقة الدول الأفريقية بالمهجر، فهناك حالياً ملايين الأفارقة المهاجرين وأبنائهم في أوروبا. من الجزائريين الذين انتقلوا إلى فرنسا خلال ستينات القرن العشرين، إلى الوافدين الجدد من المهاجرين الأفارقة غير النظاميين الذين يأتون بشكل شبه يومي إلى إيطاليا اليوم، تتحول أوروبا نحو اللون الأسود طوال عقود.
حتى مع دمج تلك المجموعات، وتكوّن الشكل الشعبي للثقافة والسياسة والاقتصاد، والرياضة بطبيعة الحال، لا يزال كثيرون يحافظون على بعض الإخلاص والولاء لبلاد أسلافهم، ويزورونها بانتظام، ويرسلون تحويلات مالية، ويتابعون أخبار المغرب أو الكاميرون جيداً، كما يفعل من في مراكش أو ياوندي. وتعزز مواقع التواصل الاجتماعي هذه العلاقة بشكل أكبر.
مع ذلك، هناك تغير مهم يحدث يوضح تنامي قوة وصِلة أفريقيا بالنسبة إلى أوروبا؛ حيث يزداد وجود اللاعبين الأفارقة في مركز كرة القدم العالمية. على الرغم من التاريخ الطويل للاعبين الأفارقة في أوروبا، لم يبدأ نجمهم في البزوغ في الدوريات الممتازة هناك إلا في منتصف تسعينات القرن العشرين.
في البداية اشتهروا بـ«سرعتهم وقوتهم الفطرية»؛ لكن مدربين مثل جوزيه مورينيو، وروبرتو مانشيني، كانوا يقدّرون مهاراتهم وقيادتهم وذكاءهم. أصبح لاعبون مثل: مايكل إيسيان، وديدييه دروغبا، وجون أوبي ميكل، وصامويل إيتو، ويحيى توريه، نجوماً عالميين، بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وكان ساديو ماني السنغالي جزءاً أساسياً من قلب هجوم فريق نادي «ليفربول إف سي» لسنوات.
اليوم، يتابع أكثر الأفارقة -مثل أكثر مشجعي كرة القدم حول العالم- الدوريات الأوروبية الممتازة. تزرع كرة القدم بهذه الطريقة شكلاً من أشكال الهوية الأفريقية الموحدة، حتى إذا كان ذلك لمدة 90 دقيقة فقط في كل مرة. هناك نوع من تضامن القارة يظهر لكثير من المشجعين الأفارقة خلال بطولة كأس العالم. إذا كان فريق بلادك قد نجح في الوصول إلى البطولة، فأنت تدعمه في البداية، وحين يخرج من البطولة، تدعم أي فريق آخر لدولة أفريقية يؤدي أداءً جيداً. وكما عبّرت الروائية تشيماماندا أديتشي عن الأمر، خلال بطولة كأس العالم في عام 2010: «تتسع حدود نزعتك القومية حين تخسر بلادك».
النتائج بعد أسبوع من المباريات مختلطة، فقد عاد كل من فريقي المغرب والسنغال، بعد تعثرهما خلال المباراتين الافتتاحيتين، ليقفا على أقدامهما مرة أخرى، بعد تحقيق نصر مقنع قوي. كان كل من الكاميرون وغانا وتونس أقل إقناعاً؛ لكن كما تذكّرنا خسارة الأرجنتين أمام المملكة العربية السعودية، أو ألمانيا أمام اليابان، يمكن أن تكون بطولة كأس العالم مليئة بالمفاجآت.
لم يتجاوز أي فريق من أفريقيا الدور ربع النهائي في أي بطولة لكأس العالم؛ لكنني أشجع أنا وملايين غيري ممن يشاهدون المباريات في أنحاء القارة خلال العام الحالي أولئك المدربين الجدد المتقدمين، وآمل في حدوث المستحيل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو