الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

عملية عسكرية كبيرة تثير جرس إنذار وتعيد النقاش حول التحصين ضد التشدد

قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)
قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)
قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)

أثار مقتل ثلاثة عسكريين في الجزائر على أيدي متشددين صدمة شديدة في البلاد، تسببت في إحياء جراح «العشرية السوداء»، وطرحت تساؤلات حول صلابة السردية الرسمية التي تؤكد «الاستئصال النهائي للإرهاب»، وتصنّف العمليات المتقطعة ضمن خانة «نشاط بقايا الجماعات الإرهابية».

وزار الوزير المنتدب للدفاع، رئيس أركان الجيش، الفريق أول السعيد شنقريحة، القطاع العسكري لتبسة (600 كلم شرق العاصمة بالقرب من الحدود التونسية)، التابع لـ«الناحية العسكرية الخامسة»، لتفقد الوحدات التي شاركت في عملية لمكافحة الإرهاب نُفذت يومَي 12 و13 من الشهر الحالي.

وبحسب بيان وزارة الدفاع الوطني، أسفرت هذه العملية عن «القضاء على سبعة إرهابيين، من بينهم كادران قياديان، واسترجاع سبع بنادق رشاشة من نوع (كلاشنيكوف)، إضافة إلى (كمية معتبرة) من الذخيرة ومختلف التجهيزات». وقُتل خلال المواجهة مع المجموعة المسلحة ثلاثة عسكريين.

وكان رئيس الأركان مرفوقاً بقائد الناحية العسكرية الخامسة، اللواء نور الدين حمبلي، عندما زار تبسة، حيث توجه بكلمة إلى العسكريين المشاركين في العملية. وقدم لهم تعازيه في رفاقهم الذين «سقطوا في ميدان الشرف خلال شهر رمضان»، مشيداً بـ«روح التضحية» لديهم، و«عملهم البطولي».

ودعا شنقريحة الوحدات العسكرية إلى «مواصلة جهودها من أجل الحفاظ على أمن البلاد، ومواصلة ملاحقة بقايا الجماعات الإرهابية»، مؤكداً أن «وجودنا اليوم معكم في الميدان هو قبل كل شيء تشجيع لكم». وأضاف: «نتيجة العملية العسكرية تُظهر شجاعتكم وولاءكم للنهج الذي رسمته قيادة الجيش الوطني الشعبي في مكافحة الإرهاب»، وحضّ على «مواصلة الكفاح ضد وباء الإرهاب بلا رحمة ولا شفقة، لكي يظل الشعب الجزائري أولاً وقيادة البلاد فخورين بكم وبتضحياتكم». وتابع: «لقد انهزم الإرهاب. إنه انهزم بأبناء الجزائر. لقد انتصرنا وسنستمر حتى تظل الجزائر دولة فخورة. أتمنى لكم المزيد من النجاح، وحفظكم الله».

من جهته، قدّم الرئيس عبد المجيد تبون، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، «أخلص التعازي وصادق المواساة إلى عائلات شهدائنا الثلاثة، الذين سقطوا في ميدان الشرف وهم يذودون باستبسال عن الجزائر وأمنها»، حسبما ورد في منشور للرئاسة بحسابها في الإعلام الاجتماعي. وندد بـ«بقايا قوى الشر والظلامية الإرهابية».

أسلحة وأغراض المسلحين السبعة (وزارة الدفاع)

ولم تذكر السلطات العسكرية أي شيء عن هوية المتشددين السبعة، ولا عن الجماعة التي ينتمون إليها، أو المنطقة التي يتحركون فيها. وفي المقابل، أكد بيان وزارة الدفاع أن «القضاء عليهم تم بفضل الاستغلال الأمثل للمعلومات المستقاة من طرف مصالح أمن الجيش، حيث وقعوا في كمين لمفارز مشتركة للجيش الوطني الشعبي».

ونشرت وسائل إعلام صور وأسماء العسكريين الثلاثة، وهم: منصور بوكراع، وفيصل عميرات، وأسامة صدوق، وجميعهم برتبة عريف أول.

التهديد في تراجع... لكنه مستمر

منذ عدة سنوات تؤكد السلطات الجزائرية أن «الإرهاب المسلح قد هُزم إلى حد كبير داخل التراب الوطني»، بعد عقد العنف الذي شهدته البلاد في تسعينيات القرن الماضي، أو ما درجت الصحافة والسياسيون على تسميته بـ«العشرية السوداء». أما العمليات التي ينفذها الجيش اليوم فتستهدف أساساً مجموعات متبقية، متفرقة وغالباً ما تتحصن في مناطق يصعب الوصول إليها.

غير أن العملية التي جرت في منطقة تبسة تذكّر بأن التهديد لم يختفِ تماماً، حسب مراقبين. فهو لا يزال موجوداً في شكل خلايا متفرقة تحاول البقاء في بعض المناطق الحدودية أو الجبلية.

وبعيداً عن لغة الحصيلة الميدانية، يعيد هذا الواقع، وفق هؤلاء المراقبين، طرح السؤال الجوهري المسكوت عنه في الفضاء العام: هل يكفي دحر الإرهاب عسكرياً لتجفيف منابعه؟

وصول قائد الجيش إلى مكان العملية العسكرية بشرق البلاد (وزارة الدفاع)

ويرى قطاع من الطبقة السياسية، خصوصاً الذين يحمّلون الإسلاميين مسؤولية «الإرهاب»، أن تجربة التسعينيات المريرة «تؤكد أن الرصاص لم يكن سوى أداة، في حين يكمن الخطر الحقيقي في الآيديولوجيا التي غذّته، بمعنى الفكر الذي نشأ في محاضن تيار سعى لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق رؤية ثيوقراطية تصادمية».

جدل لم يُحسم

لا يزال الجدل حول العلاقة بين «الإسلام السياسي» والعنف يمثل انقساماً حاداً في القراءات السياسية بالجزائر. ففي مقابل التحذيرات من الخلط بين النضال السياسي السلمي والعمل الإرهابي، تبرز قراءة مغايرة تستند إلى إرث «العشرية السوداء»، لتؤكد وجود «تقاطع عضوي» بين الفكرين. وبحسب هؤلاء، فإن «آيديولوجيا الإسلام السياسي تظل الخزان الفكري والمجال الحيوي الذي تستمد منه الجماعات الإرهابية شرعية وجودها وكوادرها».

أرشيفية لتفجير قصر الحكومة في عام 2007 (متداولة)

وانطلاقاً من هذا التداخل بين الآيديولوجيا والممارسة، لطالما قُدمت التجربة الجزائرية كنموذج دولي في الكفاءة الأمنية؛ إذ نجحت القبضة العسكرية في تحجيم التهديد إلى أدنى مستوياته. ومع ذلك، تظل «الوقاية المستدامة» رهينة مقاربة تتجاوز لغة الرصاص لتشمل إصلاح المنظومات التعليمية والثقافية، بما يضمن تحصين الدولة المدنية ضد أي انحرافات راديكالية.

وفي هذا السياق الساعي للتحصين الفكري والميداني معاً، يرى مراقبون أن عملية تبسة الأخيرة ليست مجرد تذكير بضرورة اليقظة العسكرية، بل هي جرس إنذار بأن المعركة الأمنية وإن حُسمت ميدانياً، فإن «معركة الأفكار» وتغلغل بعض التيارات المتشددة في المفاصل الاجتماعية والمؤسساتية، يظلان التحدي الأكبر والأطول أمداً.


مقالات ذات صلة

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، تعديلاً وزارياً جزئياً شمل أربع حقائب، وذلك بعد استشارة الوزير الأول، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
خاص أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز)

خاص الشتاء يختبر أمن الطاقة الأوروبي... والجزائر تتقدم إلى الواجهة

تدخل أوروبا موسم الشتاء وهي تواجه معادلة غاز أكثر تعقيداً من السابق: مخزونات أدنى من المعتاد، وأسعار مرتفعة، وإمدادات قطرية معطلة فيما روسيا تستعد للخروج.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول والوفد المرافق خلال مباحثاته مع المسؤولين الجزائريين (د.ب.أ)

وزير الخارجية الألماني: نعول على الجزائر كشريك في إمدادات الغاز

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الثلاثاء، إن الجزائر ​يمكن أن تساعد على ملء منشآت تخزين الغاز في بلده.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا مواطنة جزائرية تعاين حجم الخسائر التي لحقت بمنزلها بعد أن التهمته النيران في شمال جيجل (أ.ف.ب)

الجزائر تلجأ لوضع أجهزة مراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق

أعلنت السلطات الجزائرية، اليوم السبت، وضع أجهزة للرصد والمراقبة للتأكد من عدم تجدد الحرائق مرة أخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا شهدت ولاية جيجل حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية في الممتلكات بسبب الحرائق (د.ب.أ)

الجزائر تسجل 73 وفاة جراء حرائق الغابات

بدأت ولاية جيجل، التي تُعرف بلؤلؤة الساحل شرق الجزائر، تلتقط أنفاسها ولملمة جراحها على أثر حصيلة مُفجعة من الضحايا وخسائر قياسية بالممتلكات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر تتوقع تشغيل سفينة التغييز المتضررة من «مُسيّرة دمياط» قبل نهاية العام

سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
TT

مصر تتوقع تشغيل سفينة التغييز المتضررة من «مُسيّرة دمياط» قبل نهاية العام

سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)

توقعت الحكومة المصرية إعادة تشغيل «سفينة التغييز»، التي تم استهدافها بمُسيرة والموجودة في ميناء دمياط، خلال الربع الأخير من العام الحالي، وهو ما عدَّه خبير بترول «إنجازاً زمنياً» بالنسبة لإصلاح سفينة عملاقة.

وقال وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، خلال لقاء مع صحافيين وإعلاميين، الثلاثاء، إنه «من المتوقع إعادة تشغيل سفينة تغييز دمياط خلال الربع الأخير من العام»، مضيفاً: «حادث سفينة التغييز في دمياط لم يؤثر على السوق بفضل الجاهزية والعمل الاستباقي لحالات الطوارئ».

وكانت سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» قد خرجت من الخدمة «مؤقتاً» بعد الحريق الذي تعرضت له في ميناء دمياط نهاية يوليو (تموز) الماضي، فيما أعلنت الحكومة وقتها أن الحريق نجم عن استهداف «محسوب بدقة» بطائرة مُسيرة، لأن هذه السفينة تلبي جزءاً من احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي.

ولم توجه مصر الاتهام لأي جهة حتى الآن، وتُكرر دوماً أن التحقيقات جارية.

وعقب الحادث أثيرت مخاوف من حدوث تأثير كبير على احتياجات مصر من الغاز، وخاصة ما يتعلق بتشغيل محطات الكهرباء؛ لكن حديث وزير البترول أكد عدم تأثر السوق المصري بالحادث.

وعن سبب عدم تأثر السوق بالحادث، قال عضو «مجلس الطاقة العالمي» ماهر عزيز إنه يعود إلى «المخزون الاستراتيجي»، مضيفاً أن مصر رفعت مخزون المازوت والسولار إلى 45 يوماً بدلاً من 30 يوماً منذ عام 2024. كما أشار إلى تعدد المصادر، حيث لدى مصر 3 سفن تغويز، اثنتان في ميناء العين السخنة، وواحدة في دمياط.

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «عندما توقفت السفينة الموجودة في دمياط، أمكن للسخنة أن تفي بالمطلوب من الاحتياجات فوراً. كذلك عملت الحكومة على تأمين زيادة الاستيراد من قبرص واليونان».

وأوضح أن هناك أيضاً «غرفة عمليات تعمل 24 ساعة تم تجهيزها منذ عام 2023 وتتابع كل ساعة استهلاك الكهرباء والصناعة وتتحرك بالبدائل فوراً؛ فالخطة كانت جاهزة قبل الحادث، وليس بعده».

الحكومة المصرية أكدت عدم تأثر حركة تشغيل ميناء دمياط بالحادث (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد لفت وقت وقوع الحادث إلى أن حكومته قامت بـ«تطبيق خطة الطوارئ والاعتماد على منظومة البدائل وتنويع مصادر الإمداد لمواجهة تحدي خروج سفينة التغويز من الخدمة».

وأشار وقتها إلى أنه لولا البدائل التي تمتلكها مصر في منظومة إمدادات الطاقة ما كان ممكناً ضمان عدم حدوث أزمة انقطاعات في الكهرباء. كما قال إنه من بين الإجراءات التي اتخذتها حكومته «تشغيل منظومة المحطات بالمازوت والسولار، لحين عودة الأوضاع لطبيعتها».

وفيما يتعلق بما أعلنه وزير البترول من توقع تشغيل السفينة في الربع الأخير من هذا العام، قال عزيز: «هذا يعد إنجازاً، لأن سفن التغويز منشآت عملاقة تتعامل مع غاز مضغوط في البحر، والإصلاحات تستهلك وقتاً للوصول إلي معايير السلامة العالمية».

وأضاف: «الأهم أننا قد اقتربنا من الشتاء حيث يقل الاستهلاك؛ ولذلك تكفي السفينتان في ميناء السخنة لتلبية الاحتياجات إلى أن تعود سفينة دمياط للخدمة في الربع الأخير من عام 2026 وتدفع بمرونة أكبر للصيف المقبل».

وشدد خبير البترول على أن «الجاهزية لا تعني انعدام وجود أعطال، لكن معناها أن العطل لا يتسبب في أزمة، وهذا ما حدث بالفعل. والاستباقية لو لم تكن موجودة لحدثت معاناة كبيرة من انقطاع الكهرباء وتوقف المصانع».


مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

شددت مصر على اتخاذ جميع «التدابير» اللازمة لحماية حقوقها المائية، كما جددت رفضها الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.

وخلال لقاء «تنسيقي» بين وزيري الخارجية بدر عبد العاطي والموارد المائية والري هاني سويلم، الثلاثاء، أكد الوزيران أن مصر «سوف تتخذ جميع التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوقها ومقدرات شعبها الوجودية».

وبحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، ودفع برامج التعاون التنموي، وتوسيع نطاق المشروعات والبرامج المصرية الموجهة لدعم التنمية والأمن المائي بالقارة الأفريقية، إلى جانب تنسيق المواقف والتحركات المصرية إزاء قضايا المياه على المستويين الإقليمي والدولي.

وأكدا في بيان مشترك أورده مجلس الوزراء أن الحفاظ على الأمن المائي المصري «لا يتعارض مع تطلعات الأشقاء إلى التنمية»، وأن نهر النيل «مورد مائي مشترك يتعين إدارته وفقاً للقانون الدولي، لا سيما مبدأ عدم الإضرار ووجوب التعاون من خلال الإخطار المسبق والتشاور والتوافق».

والخلاف قائم بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً بشأن مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى مصر أن يؤثر على حصتها المائية.

وتصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التوترات بين البلدين، التي برزت في تصريحات إعلامية متبادلة، كان أحدثها دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى مطالبة مصر بتعويض عن استخدامها مياه نهر النيل.

مصر تشدد على اتخاذ كل التدابير لحماية حقوقها المائية (صفحة وزارة الري على فيسبوك)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رخا أحمد حسن، أن التنسيق بين وزارتي الخارجية والري «يهدف إلى الدمج بين الجانبين الفني والدبلوماسي والسياسي في التعاطي مع أزمة سد النهضة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إلمام الدبلوماسيين بالجوانب الفنية لأزمة السد يُساهم في توضيح رؤية القاهرة، ومواجهة المغالطات الإثيوبية بأن السد لن يؤثر على مصر والسودان».

وأضاف: «التصعيد الإعلامي الإثيوبي يأتي من قبيل الدعاية والمغالطات، ويهدف إلى التغطية على أزمات الداخل».

وأكد وزيرا الخارجية والري المصريان في البيان المشترك، الثلاثاء، أن السياسة الخارجية المصرية في دول حوض النيل «تتأسس على التعاون والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة»، وأن الموقف المصري «ينطلق من إيمان راسخ بأن تحقيق الأمن المائي والتنمية أهداف متكاملة وليست متعارضة»، وأن الموارد المائية العابرة للحدود «ينبغي أن تكون مجالاً للتعاون والتكامل بين الشعوب من خلال الالتزام بالقانون الدولي».

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، إن بيان وزيري الخارجية والري يأتي للتأكيد على المحددات الأساسية للموقف المصري تجاه «سد النهضة»، وعدم تغير خطاب القاهرة تجاه الأزمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «البيان المشترك ينطوي على بلورة لإعادة بناء الموقف المصري والتأكيد عليه، ويحمل رسائل رادعة للجانب الإثيوبي»، مفادها أنه في ظل مناخ جديد إقليمياً ودولياً فإن مصر «لن تقبل سياسة الأمر الواقع لبناء سدود أخرى».

وقد تشهد الفترة المقبلة، بحسب فهمي، «رسائل مصرية سياسية أخرى، ليس بالضرورة عسكرية، لكنها ستضغط على أديس أبابا وستشكل ردعاً مبكراً يشمل غلق ملف إنشاء سدود أخرى»، مشيراً إلى أن الخطاب المصري «قد يتغير خلال الفترة المقبلة».

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وشهد اللقاء التنسيقي بين وزيري الخارجية والري استعراضاً لموقف مشروعات التعاون المصرية في دول حوض النيل، لا سيما مشروعات السدود، التي كان أحدثها مشروع «سد جوليوس نيريري» العملاق في تنزانيا.

وأكد عبد العاطي وسويلم على التطور المتواصل في آليات التمويل التنموي المصري بدول حوض النيل، وفي مقدمتها «الآلية التمويلية» التي أطلقتها مصر بمخصصات مبدئية تبلغ 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ المشروعات بما فيها السدود في دول حوض النيل الجنوبي وفقاً لأولويات تلك الدول، إضافة إلى أنشطة «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل» في بناء القدرات وتعزيز المهارات وتنفيذ مذكرات التفاهم الثنائية بين مصر ودول حوض النيل.


تنسيق مصري - بوركيني لدعم استقرار منطقة الساحل الأفريقي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
TT

تنسيق مصري - بوركيني لدعم استقرار منطقة الساحل الأفريقي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

أكدت مصر وبوركينا فاسو على أهمية دعم الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب في منطقتي غرب أفريقيا والساحل، إلى جانب التنسيق المشترك لدعم الاستقرار والأمن.

ودعا وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال محادثات مع نظيره البوركيني، كاراموكو تراوري، إلى «ضرورة تبني مقاربة شاملة تجمع بين البُعدين الأمني والتنموي لمواجهة الإرهاب».

واستقبل عبد العاطي نظيره تراوري في القاهرة، الثلاثاء، حيث بحثا «سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتبادل الرؤى إزاء عدد من القضايا الإقليمية»، حسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية. كما استضافت القاهرة «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

وشدّد عبد العاطي على أهمية تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الطاقة والبنية التحتية والصحة والدواء، اتساقاً مع اتفاقية التشاور السياسي التي تم توقيعها في يوليو (تموز) 2025.

ووقّع عبد العاطي ونظيره البوركيني على «مذكرة تفاهم لتدشين آلية للمشاورات السياسية بين البلدين» خلال زيارته في يوليو من العام الماضي للعاصمة البوركينية واغادوغو، ضمن جولة بعدة دول في غرب أفريقيا، اصطحب فيها وفداً من رجال الأعمال وممثلي الشركات المصرية.

وقالت «الخارجية المصرية» حينها إن «الآلية تستهدف تعزيز التنسيق الثنائي بين مصر وبوركينا فاسو، لمواجهة التحديات المشتركة، والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وناقش الوزيران سُبل إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة، خصوصاً في ظل رئاسة بوركينا فاسو لكونفدرالية دول الساحل، وأكد عبد العاطي على أهمية تعزيز التبادل التجاري والاستثماري، والتعاون في المجالين الأمني والعسكري، بالإضافة إلى برامج بناء القدرات التي تقدمها المؤسسات الوطنية والأزهر الشريف.

وزيرا خارجية مصر وبوركينا فاسو خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

فيما أشاد تراوري بـ«التعاون القائم مع القاهرة في مجال مكافحة الإرهاب، وبرامج التدريب وبناء القدرات»، وأشار إلى تطلع بلاده لاستمرار وتوسيع أطر التعاون في هذه المجالات والاستفادة من الخبرات والإمكانيات المصرية، بما يدعم قدرات المؤسسات الوطنية فيها.

وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، قال تراوري إن «القاهرة تدعم بلاده بشكل كبير في مجابهة الإرهاب»، موكداً أن المحادثات تناولت أمن القارة الأفريقية، وتعزيز الجهود الأمنية في منطقة الساحل.

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، محمد حجازي، تستهدف القاهرة تعزيز تعاونها الأمني والاستراتيجي مع دول الساحل؛ نظراً لأهمية استقرار تلك المنطقة بالنسبة لها.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «استقرار منطقة غرب أفريقيا والساحل جزء لا يتجزأ من استقرار الشمال الأفريقي بما فيه مصر»، مؤكداً أن الحكومة المصرية تولي مكافحة الإرهاب بهذه المنطقة اهتماماً كبيراً للحد من تأثيراته الإقليمية.

كما يرى حجازي أن الحكومة المصرية تهدف إلى إنفاذ صادراتها واستثماراتها إلى دول الغرب الأفريقي إلى جانب التعاون الأمني، ويلفت إلى أنها تسعى إلى بناء شراكات اقتصادية مع دول غرب أفريقيا، بتعزيز الروابط بين مجتمعات الأعمال في تلك الدول، واتحادات الغرف التجارية بها.

جانب من «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» بالقاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

وشارك وزيرا خارجية مصر وبوركينا فاسو، الثلاثاء، في «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» بحضور عدد من كبار المسؤولين ورؤساء وممثلي الغرف التجارية واتحادات الأعمال، وممثلي القطاع الخاص، ورجال الأعمال.

وحسب «الخارجية المصرية»، قال عبد العاطي إن «الحكومة تولي أهمية خاصة لتعزيز التواصل المباشر بين اتحادات وغرف الصناعة والتجارة والشركات في البلدين، بوصف القطاع الخاص المحرك الرئيسي لأي تعاون اقتصادي مستدام».

وتتمتع الشركات المصرية بخبرات كبيرة في كثير من القطاعات التي تمثل أولوية لبوركينا فاسو، وفي مقدمتها البنية التحتية والتشييد ومواد البناء، والصناعات الغذائية، والأدوية والمستلزمات الطبية، والصناعات الكيميائية، والأسمدة، والمعدات والآلات الزراعية، والطاقة والتعدين، وتدشين خط طيران مباشر بين البلدين، حسب عبد العاطي.

وقال حجازي إن مصر تسعى إلى استثمار نجاحها في بناء سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا لتعزيز استثماراتها في القارة الأفريقية، موضحاً أن «هناك خبرات متعددة لشركات المصرية تمكِّنها من توسيع استثماراتها القارية».