تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

على وقْع تجدد «قضية المؤثرين» التي فاقمت التوترات بين البلدين

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية، وفقدانها جزءاً من حصصها لصالح منافسين دوليين. وبعودة «قضية المؤثرين» إلى الواجهة، ممثَّلة في ملف المؤثر «دوالمن»، تعود إحدى أبرز القضايا التي تصدرت التوترات بين البلدين في بدايات الأزمة إلى الواجهة من جديد.

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ولم تقتصر تداعيات أزمة باريس مع مستعمرتها السابقة على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت إلى المبادلات التجارية، وحضور الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية. وفي هذا السياق، رصدت مذكرة صادرة في سبتمبر (أيلول) الحالي عن «معهد مونتين» (مركز تفكير وبحث مستقل في السياسات العامة بفرنسا)، تحت عنوان «فرنسا - الجزائر: الخروج من دائرة العاطفة»، تراجع الحضور الاقتصادي الفرنسي في الجزائر، محذّرة من تكلفة التوترات الدبلوماسية على الشركات الفرنسية.

وتستعرض المذكرة، التي جاءت في 80 صفحة، مختلف أبعاد العلاقات الثنائية، مع تركيز خاص على تداعيات الأزمة على النشاط الاقتصادي والتجاري.

* إفلاس عشرات الشركات

يبرز الرقم الأشد وقعاً فيما يخص الشركات الفرنسية المصدرة؛ حيث أشار التقرير إلى تكبد نحو 600 شركة منها خسائر كبيرة، خلال الأزمة التي تفجرت في صيف 2024، إثر إعلان باريس اعترافها بمغربية الصحراء.

اجتماع سابق لأطر «ميديف» الفرنسي ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

كما تشير البيانات إلى أن نحو 5 آلاف شركة فرنسية توجه صادراتها إلى الجزائر، بينما يحقق نحو ثلثها أكثر من ربع رقم أعمالها محلياً؛ وهو تركز تجاري عالٍ يضع هذه الشرائح في مرمى الهزات السياسية بين البلدين.

ويندرج هذا المسار ضمن حركة أوسع لانحسار الحضور الفرنسي في السوق الجزائرية؛ إذ لا تعدو الجزائر كونها الشريك الثالث لفرنسا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلف المغرب والإمارات العربية المتحدة. ويلفت «معهد مونتين» الانتباه أيضاً إلى أن نحو 2000 شركة فرنسية تعمل في المغرب ومثلها في تونس، في مقابل عدد يقل عن ذلك بنحو 4 أضعاف في الجزائر، علماً أن المبادلات التجارية الثنائية كانت قد بلغت نحو 11 مليار يورو عام 2024 قبل أن تتقلص بشكل حاد.

كما تكشف المذكرة عن تقلص الحضور الفرنسي استراتيجياً، حيث يجسد ملف القمح ذروة التحول؛ فبعد أن كانت فرنسا تستحوذ على ما بين 80 إلى 90 في المائة من الواردات حتى 2019، تهاوت حصتها أمام الاختراق الصيني والتركي والإيطالي، حيث سجلت إيطاليا «عنواناً بارزاً لقدرة البراغماتية على جني مكاسب التوتر الثنائي»، وفق ما تضمنته المذكرة.

رئيس غرفة التجارة الجزائرية الفرنسية ميشال بيساك (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وعلى الرغم من التصدعات، تحافظ باريس على حيز مصالح وازن؛ حيث تظل المحروقات عماد التجارة الثنائية، متجاوزة النصف من إجمالي المبادلات وقرابة 90 في المائة من الواردات الفرنسية من الجزائر. وبمعزل عن التوترات السياسية، لم تَلُحْ في الأفق مؤشرات على قطع الإمدادات بالغاز، ليظل قطاع الطاقة نقطة التقاطع الاستراتيجي الأعمق والأثبت بين البلدين، حسب «معهد مونتين»، الذي لاحظ في مذكرته «تصاعداً في منسوب الريبة تجاه فرنسا، خصوصاً منذ 2019، انعكس في صعوبة وصول الشركات الفرنسية لبعض الأسواق الاستراتيجية».

* هشاشة اقتصادية وهزات السياسة

غير أن هذا التراجع لا يعنِي تبخر المصالح، إذ تشير المذكرة إلى «صمود نسبي» للحصة السوقية، واستمرار حضور شركات فرنسية في قطاعات الطاقة والصناعات الغذائية والصحة. ويظهر من خلال التقرير أن إفلاس العدد الكبير من الشركات، الموثقة سنة 2025، يبين هشاشة قطاع واسع من النسيج التصديري الفرنسي أمام هزات السياسة.

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو تكفل بملف ترحيل المؤثرين الجزائريين (رويترز)

ولا تقف المذكرة عند هذا الحد، بل تستحضر سياق الأزمة بين الجزائر ومدريد، مذكّرة بأن تحول الموقف الإسباني بشأن الصحراء في 2022 ألحق أضراراً بالغة بالشركات الإسبانية في الجزائر، بينما تراهن الدراسة على هذه الواقعة كرسالة تحذير حيال التكلفة الباهظة لأي تصعيد دبلوماسي جديد.

إضافة إلى ذلك، ألغت المحكمة الإدارية بباريس، الجمعة، قرار الطرد «في حالة الاستعجال المطلق» الذي يستهدف المؤثر الجزائري بوعلام نعمان، المعروف باسمه المستعار «دوالمن».

وكانت سلطات الجزائر قد أبدت، العام الماضي، استياءً حاداً من قرارات فرنسية قضت بترحيل عدد من «المؤثرين» الموالين لها، وذلك بعد ظهورهم في فيديوهات تدعو إلى قتل معارضين مقيمين في فرنسا. وقد أُعيد بعضهم لاحقاً إلى الأراضي الفرنسية بعد طردهم إلى الجزائر، أبرزهم الستيني بوعلام نعمان.

وبحسب القرار الصادر عن المحكمة، فقد تم إبطال سحب تصريح إقامة «دوالمن»، فضلاً عن تحديد الجزائر بلداً للوجهة.

المؤثر الجزائري بوعلام نعمان (حسابه الخاص)

وتم توقيف المؤثر مطلع 2025 عقب بث مقطع فيديو عبر «تيك توك»، يدعو فيه إلى «إنزال عقاب قاس» ضد الناشط المعارض المسجون في الجزائر محمد تاجديت. وفي يوليو (تموز) 2026، كانت محكمة الاستئناف بمونبلييه بجنوب فرنسا، قد أيدت إدانته بالحبس 5 أشهر مع وقف التنفيذ، بتهمة «التحريض على العنف».

الناشط الموالي للسلطة في الجزائر بوعلام نعمان (صحيفة جورنال دوديمانش الفرنسية)

وفي تعليل حكمها، رأت المحكمة الإدارية أن العناصر التي قدمتها وزارة الداخلية لم تكن كافية لإثبات وجود خطر فوري بالدرجة التي تبرر الطرد، وفق «الاستعجال المطلق»، مشيرة خصوصاً إلى أن السلطة القضائية لم تر ضرورة لوضع المعني بالحبس الاحتياطي، أو تحت الرقابة القضائية بانتظار محاكمته، وفق ما أوردته صحف فرنسية.


مقالات ذات صلة

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا طاقم هيئة تنظيم الانتخابات (إعلام الهيئة)

الجزائر: هيئة الانتخابات تكثف لقاءاتها الحزبية لإنجاح الانتخابات البلدية

يُكثّف رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر، سعد عروس، منذ أسبوع لقاءاته مع قادة الأحزاب، استعداداً للانتخابات البلدية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري إسماعيل بن ناصر إلى الغرافة القطري (نادي الغرافة)

الغرافة القطري يضم الجزائري إسماعيل بن ناصر

تعاقد الغرافة مع لاعب خط الوسط الجزائري إسماعيل بن ناصر في صفقة انتقال حر بعد انفصاله عن ميلان الإيطالي بالتراضي في أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)
محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)
TT

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)
محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

تتكرر أحاديث جوبا عن بناء سد على نهر النيل منذ عام 2021، غير أن وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في المشروع المعروف باسم «سد فولا».

الخطوة تأتي في وقت ترفض فيه القاهرة بناء سدود إثيوبية جديدة على النيل خشية تأثيرها في حصتها المائية المقدرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب، ويشترط خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن يتم كشف التفاصيل الكاملة للمشروع أولاً مع دول حوض النيل لمعرفة حجم التأثيرات حتى لا تتكرر أزمة «سد النهضة» الإثيوبي.

وتضم دول حوض النيل الجنوبي بوروندي، والكونغو، وكينيا، ورواندا، وجنوب السودان، وتنزانيا، وأوغندا، وتعد من دول «المنابع» للنهر، وتشكل مع دول النيل الشرقي، إثيوبيا والسودان ومصر وإريتريا، إقليم حوض نهر النيل.

وأكد أغوك ماكور كور، استعداد الحكومة للمضي قدماً في خطط بناء «سد فولا» بوصفه أحد المشاريع التنموية التي أقرتها الحكومة، مؤكداً أن بلاده «لا ينبغي أن تخشى تطوير مشروعاتها المائية بصفتها إحدى دول حوض النيل».

وأشار إلى أن دول حوض النيل، بما فيها مصر، تنفذ مشروعات مائية، مضيفاً أن جنوب السودان مستعد للمضي قدماً في خططه التنموية، و«بصفتي وزيراً للطاقة، أؤكد أننا مستعدون لبناء سدنا».

وبحسب تقارير غير رسمية، تقدر القدرة التصميمية للمشروع في الدراسات الأساسية بنحو 1080 ميغاواط؛ ما يجعله من أكبر مشروعات توليد الكهرباء المخطط لها في البلاد.

وعن ذلك المشروع، أكد وزير الري المصري الأسبق حسام مغازي، أن الدولة المصرية «تلتزم بمرجعيتها الثابتة القائمة على دعم وتشجيع جميع المشروعات التنموية والإنمائية في دول حوض النيل والقارة الأفريقية، ولدينا نماذج سابقة في جنوب السودان نفسها، ما دام ذلك لا يؤثر سلباً في الموارد والاستحقاقات المائية التاريخية لمصر».

وأوضح «أن الحكم على أي مشروع مائي جديد في دول الحوض، يُعد أمراً سابقاً لأوانه، لحين الاطلاع الكامل على التفاصيل والدراسات الفنية والهندسية المستفيضة، وسعة التخزين المقررة، لتقييم آثاره البيئية والمائية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

غير أن أستاذ الموارد المائية عباس شراقي يرى «أن طريقة الإعلان الأحادي عن إنشاء مشروعات مائية أو سدود تُعد مخالفة صريحة للأعراف والاتفاقيات والقانون الدولي».

وشدد على أن «إدارة المشروعات المائية على الأنهار المشتركة، يجب أن تتم وفق مبادئ التوافق، والإخطار المسبق، والتشاور والتعاون البنّاء، بعيداً عن استخدام الخطاب الإعلامي كمنصة للتحدي، أو إثارة الرأي العام».

وأشار إلى أن مصر «لا تعارض حيثيات التنمية في دول الحوض، بل ترحب وتدعم إقامة المشروعات التنموية، ومستعدة لتقديم الدعم الفني والمادي، شريطة الالتزام بقاعدة عدم الإضرار بأي من دول المصب، والتشارك في البيانات والمعلومات الفنية، حتى لا تتكرر أزمة سد إثيوبيا».

وفيما يتعلق بالطبيعة الفنية لمشروع «سد فولا»، أوضح شراقي أن المعطيات المتاحة تشير إلى أنه سد توليد كهرومائي لا يتضمن بحيرة تخزين ضخمة، نظراً لموقعه الجغرافي، وهو ما يتطلب موافقات وتنسيقات بينية بين دول الجوار لضمان عدم غمر الأراضي.


الحكومة المصرية تراهن على «الإيجار» لزيادة الإقبال على المدن الجديدة

طرح 10 آلاف وحدة بنظام «الإيجار التمليكي» و15 ألف وحدة بنظام «الإيجار» (وزارة الإسكان المصرية)
طرح 10 آلاف وحدة بنظام «الإيجار التمليكي» و15 ألف وحدة بنظام «الإيجار» (وزارة الإسكان المصرية)
TT

الحكومة المصرية تراهن على «الإيجار» لزيادة الإقبال على المدن الجديدة

طرح 10 آلاف وحدة بنظام «الإيجار التمليكي» و15 ألف وحدة بنظام «الإيجار» (وزارة الإسكان المصرية)
طرح 10 آلاف وحدة بنظام «الإيجار التمليكي» و15 ألف وحدة بنظام «الإيجار» (وزارة الإسكان المصرية)

في وقت يتزايد فيه الحديث عن أزمة ضعف الإقبال على المدن الجديدة التي توسعت الحكومة المصرية في تشييدها خلال السنوات الماضية، جاء توجه وزارة الإسكان نحو الاعتماد على «الإيجار» سواء كان «منتهياً بالتمليك» بعد فترة زمنية، أو «الايجار» لعدة سنوات، بما يساعد طبقات اجتماعية على أن تتجه للسكن فيها بنظام «الإيجار».

وبين الحين والآخر تطرح وزارة الإسكان المصرية، وحدات سكنية للبيع في المدن الجديدة، ورغم أنها تتنوع بين أنماط مختلفة من حيث أسعارها ومساحاتها، لكنها اعتمدت على نظام «التمليك»، بينما واجهت بعض الطروحات الأخيرة تراجعاً في الإقبال عليها في ظل شكاوى من مواطنين بسبب ارتفاع أسعارها.

وأعلنت الوزارة فتح الباب لتلقي طلبات المواطنين للحجز في وحدات سكنية بنظام «الإيجار المنتهي بالتمليك»، و«الإيجار» (محدد المدة وقابل للتجديد) في 26 مدينة جديدة، بدءاً من الأحد، مشيرة إلى أن إجمالي عدد الوحدات يصل إلى 25 ألف وحدة، بحسب بيان صادر، السبت.

وقالت الحكومة المصرية إنها انتهت بالفعل من تنفيذ 5 آلاف وحدة سكنية بنظام «الإيجار المنتهي بالتملك»، وهناك 5 آلاف وحدة أخرى من المقرر تسليمها خلال 3 سنوات، وأشارت إلى طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام «الإيجار».

وتعددت المواقع الجغرافية للمدن الجديدة التي تطرح فيها الحكومة الوحدات الجديدة، وبعضها في العاصمة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية)، وكذلك بمحافظات الدلتا والصعيد ومحافظات شمالية.

وتضم المرحلة الأولى وحدات داخل مدن جديدة ما زالت بحاجة إلى مزيد من السكان كي تصبح مأهولة بينها (15 مايو، وبدر، والعبور الجديدة، و6 أكتوبر الجديدة، وبرج العرب الجديدة، والعلمين الجديدة، ودمياط الجديدة، والسادات، والصالحية الجديدة، والمنصورة الجديدة، ورشيد الجديدة، والفيوم الجديدة وسوهاج الجديدة).

وتوقع الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن يسهم نظام «الإيجار» بوجه عام و«الإيجار الذي ينتهي بالتمليك» على وجه التحديد، في زيادة الإقبال على المدن الجديدة تدريجياً وبشكل متصاعد. كما توقع أيضاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يكون «عدد المتقدمين أكبر كثيراً من الوحدات المتوفرة خلال المرحلة الأولى، ما يستوجب أن تتوسع الحكومة في المبادرة، وتزيد عدد الوحدات».

وبحسب العمدة، فإن «الإيجار الذي ينتهي بالتمليك» سوف يؤدي تدريجياً إلى «انخفاض الإيجارات التي ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية».

مدن مصرية جديدة بانتظار زيادة معدلات السكن فيها (وزارة الإسكان المصرية)

وتواجه المدن الجديدة في مصر مشكلة «ضعف الإشغال»، وعدم إقبال المواطنين على العيش فيها، وأنشأت الحكومات المتتابعة منذ عام 1979، نحو 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان، وبطاقة استيعابية تزيد على 27 مليون نسمة، لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا، وخلق مجتمعات عمرانية جديدة للسكن والعمل والاستثمار، بحسب دراسة لـ«المركز المصري للدراسات الاقتصادية».

وفي رأي أستاذ التخطيط العمراني الدكتور سيف الدين فرج، فإن حل مشكلة ضعف نسب الإشغال بالمدن الجديدة يحتاج إلى رؤية علمية تستند إلى محددات واقعية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المدن الجديدة يجب ألا تكون للسكن فقط؛ لذلك يجب تطبيق المحددات العمرانية التي تضمن أن تكون هذه المدن مجتمعات عمرانية متكاملة».

ومن بين هذه المحددات، بحسب فرج، أن «تتوافر فيها فرص العمل، فليس من المنطقي أن يعيش شخص بمدينة جديدة أقصى الغرب وعمله في مكان آخر أقصى الشرق، وكذلك توافر الخدمات من مدارس ومستشفيات وغيرها».

ووضعت وزارة الإسكان شروطاًَ للتقدم لحجز وحدات «الإيجار المنتهي بالتمليك»، منها ألا تقل سن المتقدم عن 21 عاماً، وألا تزيد على 45 عاماً، كما لا يجوز للأسرة، التي تشمل الزوج والزوجة والأولاد القصر، التقدم لحجز أكثر من وحدة ضمن الطرح.

وأثارت نسبة الإشغال بالمدن الجديدة نقاشات اجتماعية خلال الآونة الأخيرة، ونهاية أغسطس (آب) الماضي، تقدم عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي بسؤال إلى كل من وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية راندا المنشاوي، ووزير العمل حسن رداد، بشأن ما وصفه بـ«جدوى الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في المدن الجديدة على مدار 50 عاماً».

بينما تؤكد دراسة صادرة عن «المركز المصري للدراسات الاقتصادية» أن «مدن الجيل الرابع» بينها العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) وأكتوبر الجديدة (جنوب القاهرة) والعلمين الجديدة (شمال)، حققت حتى الآن أقل من 1 في المائة من مستهدفاتها السكانية.


الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
TT

الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)

على مكتبها بأحد الدواوين الحكومية، أمسكت الموظفة الأربعينية، منى مصطفى، التي تقطن محافظة المنوفية (دلتا النيل)، ورقةً وقلماً لحساب بنود نفقات أسرتها الشهرية مع موسم دخول المدارس، محاولة ضبط راتبها مع تكاليف الحياة اليومية.

ومراراً وتكراراً، وبين استغناء وتحايل لتقليل نفقات بند لصالح بند آخر، في محاولة للتكيف مع تكلفة معيشية متصاعدة، قالت منى، التي تعول ابنتين تدرسان بالمرحلة الثانوية: «أحاول تدبير نفقات مصروفات المدرسة لابنتين، التي تبلغ نحو 3500 جنيه سنوياً (67 دولاراً)، بخلاف تكاليف الدروس الخصوصية، والمواصلات، مع البنود الثابتة الأخرى كالكهرباء والماء والغاز».

وبضيق، أضافت الأم، التي تتقاضى الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه شهرياً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أمام حسبة صعبة، لا أجد إلا تقليلاً من البند المخصص للطعام، لكن أمام ارتفاع معظم السلع لا أعرف كيف أتصرَّف، فالأجر لا يكفي، وأحتاج لضعفه على الأقل، لنستطيع العيش».

وسجَّل المعدل السنوي للتضخم على مستوى مدن مصر 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات رسمية. بينما تتوقع مؤسسة «فيتش سوليوشنز» ارتفاع متوسط معدل التضخم في البلاد من 14 في المائة خلال النصف الأول من 2026 إلى 15.5 في المائة في النصف الثاني.

بين الحسابات «المعقدة» والمُعدلّات «المتوقعة»؛ سلطت دراستان حديثتان، أصدرتهما مراكز بحثية، الضوء على خريطة الإنفاق للطبقة الوسطى، وكم تحتاج الأسرة لضبط إنفاقها الشهري.

الدراسة الأولى، أعدها «مركز العدل لدراسات السياسات العامة»، التابع لـ«حزب العدل» المصري، وذهبت إلى أن الأسرة المكونة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفاً و784 جنيهاً شهرياً (نحو 609 دولارات) لتغطية سلة المعيشة وفق السيناريو الأوسط، بما يعادل نحو 1059 جنيهاً يومياً للأسرة.

وارتفع الحد الأدنى للأجور بمصر للعاملين بالدولة لـ8 آلاف جنيه شهرياً (نحو 153 دولاراً) اعتباراً من يوليو (تموز) الماضي، بينما يبلغ الحد الأدنى للقطاع الخاص 7 آلاف جنيه منذ مارس (آذار) 2025.

أحد المنافذ الحكومية في مصر لتوفير السلع (وزارة التموين المصرية)

بالتزامن، أوضحت دراسة حديثة أعدها مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» بعنوان «الأجر المعيشي في مصر»، أنه عند الحديث عن إعالة أسرة صغيرة، فإن الدخول التي تدور حول الحد الأدنى للأجور تظل شديدة الحساسية أمام أي ارتفاع جديد في الأسعار، أما عند الحديث عن أجر معيشي أكثر واقعية، فينبغي أن يسمح الدخل بتغطية الاحتياجات الأساسية، وأن يترك في الوقت نفسه هامشاً معقولاً للطوارئ والادخار.

وفصّلت الدراسة مستويات صافي الدخل الشهري للفرد لعام 2026 وتأثيرها المعيشي، حيث وصفت الدخل أقل من 8 آلاف جنيه بأنه «شديد الصعوبة»، أما تراوحه بين 8 آلاف و12 ألف جنيه «فيكفي الاحتياجات الأساسية بصعوبة»، بينما يمثل الدخل بين 12 ألفاً و15 ألف جنيه «مستوى معيشة محدوداً ومستقراً نسبياً».

وتصل الأمور إلى «مستوى مناسب» لفرد يعول أسرة صغيرة لمَن يتراوح دخله بين 15 ألفاً و20 ألف جنيه، في حين يُعد الدخل ما بين 20 ألفاً و25 ألف جنيه «مستوى جيداً نسبياً»، ليأتي الدخل الأكثر من 25 ألف جنيه ليسمح بهامش أفضل للادخار ومواجهة الطوارئ.

وبحسب الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، ومُعد الدراسة، فإن المواطن يواجه مجموعة من الالتزامات الشهرية، أبرزها الغذاء، والسكن، والكهرباء، والمياه، والغاز، والمواصلات، والاتصالات، والتعليم، والعلاج، والملابس، وغيرها من الاحتياجات، وبالتالي فإن الحكم على كفاية الأجر لا ينبغي أن يتم من خلال الرقم المجرد، وإنما من خلال مقارنته بسلة النفقات الضرورية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد السؤال في مصر اليوم هو: كم يتقاضى المواطن من أجر؟، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً: ماذا يستطيع هذا الأجر أن يشتري له؟».

ويقدّر الخبير، الحد الأدنى للأجر المناسب لأسرة من 4 أفراد في عام 2026 بنحو 20 ألف جنيه شهرياً، مُفضلاً أن يزيد لـ25 ألفاً لتوفير هامش للطوارئ والادخار، أما الفرد الأعزب فيحتاج بين 12 و15 ألف جنيه، مع مراعاة تباين ظروف السكن والمحافظة.

بدورها، ترى الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية «العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات»، أن الحد الأدنى للأجر الحكومي يغطي نحو رُبع الاحتياجات وفقاً للتقديرات البحثية الأخيرة، ما يخلق فجوة هيكلية عميقة ويفرض ضغوطاً غير مسبوقة على شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الطبقة الوسطى، التي تراجعت نحو مستويات معيشية أدنى نتيجة عجز الأجور عن ملاحقة موجات التضخم المتسارعة.

تقديرات متباينة بشأن خريطة إنفاق الطبقة الوسطى في مصر (وزارة التموين المصرية)

وتبيّن، لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الفجوة تدفع الأسر إلى العمل لساعات إضافية، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة، والاعتماد على الاقتراض، ما يزيد الضغوط النفسية، لافتة، أيضاً إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، حيث اتجه البعض نحو أعمال غير مستقرة أو غير مؤمنة اجتماعياً لتعويض نقص الدخل، وهو توجه لا يخلو من مخاطر اجتماعية واقتصادية.

وبلغت آخر نسبة معلنة للفقر، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر 33.5 في المائة عام 2021.

عودة للموظفة، منى مصطفى، التي أمسكت بورقة جديدة في محاولة أخرى لهندسة راتبها، مُرددة: «ما أتمناه فقط أن يحقق راتبي المثل الشعبي: (اللي جاي على قد اللي رايح)».