حينما كانوا إخواناً للشيوعيين وليس للمسلمين

حينما كانوا إخواناً للشيوعيين وليس للمسلمين

الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 06 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16049]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

ثمة تشابهٌ بين رأي غير المعنيّ بالسياسة والآيديولوجيا، عبد اللطيف عبد الحليم، وبين رأي المعنيّ بالسياسة والآيديولوجيا، مصطفى عبد الغني في كتيب «هؤلاء هم الإخوان». ولعلَّ الفرقَ بين رأييهما أنَّ الأول صاغه بعبارة أدبية موجزة، وأنَّ الثاني قاله بعبارات مباشرة، فيها شرح أكثر لموقفه السياسي والآيديولوجي. وهذا ما سيساعد على مناقشة رأيه وموقفه.
مرَّ بنا قول مصطفى عبد الغني على سبيل النقد، وكشف تناقض مجلس قيادة الثورة بعد حادثة المنشية: «سعى النظام للقضاء على الإخوان سياسياً وفكرياً. ومن أساليبه المؤكدة الاستعانة بممثلي الدين والمثقفين في خوض هذه المعركة؛ أي حاول رجال الثورة محاربة الإخوان بسلاحهم».
في هذا القول المرسل يعتبر مصطفى عبد الغني الدين والثقافة سلاحين خاصَّين بالإخوان المسلمين، ويعتبرهما حكراً عليهما، فلا يجوز لغيرهم أن يستعملهما!
للإيضاح: السلطة في التاريخ العربي والإسلامي، وفي التاريخ الحديث إلى حادثة المنشية 1954، تستعين بالدين وبممثلي الدين في الدفاع عن شرعيتها.
الإخوان المسلمون حركة سياسية اجتماعية تتكئ على الدين سبيلاً للوصول إلى الحكم والسلطة. وهي حركة محدَثة وطارئة على الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في مصر في منتصف القرن الماضي. فكيف يكون الدين وتكون الثقافة سلاحين خاصَّين بها؟!
ليس ثمة ثقافة خالصة عند الإخوان المسلمين. فالثقافة عندهم ممزوجة بالدين. وبمفهومهم لها يجب أن تكون الثقافة – تصوراً – جزءاً من الفكر الديني، ويجب أن تكون – ممارسةً – جزءاً من الحياة الدينية.
بعد هذه الإيضاحات، أحصر نفسي في الرد على قوله المرسل بالواقعة؛ واقعة محاولة الإخوان المسلمين اغتيال عبد الناصر، وممهداتها، وهي الصدام بين الإخوان المسلمين وبين الضباط الأحرار في عام 1953.
لا يوجد في كتيب «هؤلاء هم الإخوان» اسم يعتبر من ممثلي الدين. فكل الأسماء التي فيه، هي مصنفة في فئة المثقفين، وتحديداً الصحافيين، يتقدمها اسم أديب هو طه حسين، ومن ضمنها اسم أديب وصحافي هو كامل الشناوي.
أهل الدين والمنتسبون للفكر الإسلامي، كان لهم حضور بارز في كتاب «رأي الدين في إخوان الشياطين» الذي صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية عام 1965. وكان على رأس مقالاته بيان شيخ الأزهر حسن مأمون في الإخوان المسلمين.
وهذا الكتاب صدر بمناسبة اكتشاف تنظيم سري انقلابي للإخوان المسلمين دُعي بـ«تنظيم 1965».
لم يستعن الإخوان المسلمون في الصراع بينهم وبين الضباط الأحرار في عامي 1953 و1954، بممثلين للدين وبمثقفين من خارج جماعة الإخوان المسلمين. كما أن الإخوان المسلمين في داخل حركتهم وخارجها لا يفصلون بين الدين والثقافة، وبين أهل الدين وأهل الثقافة. فأهل الثقافة في منظورهم يجب أن يكونوا أهل دين أيضاً.
وهذه الإشارة تقودنا إلى زيف المشاكلة التي أقامها مصطفى عبد الغني بين السلطة (مجلس قيادة الثورة)، وبين المعارضة (الإخوان المسلمين).
وإذا ما رجعنا إلى مجريات ذلك الصراع في ذلك الوقت الذي تخللته هدنة قصيرة؛ فإنه يصعب القول إنه قبل محاولة اغتيال عبد الناصر في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1954، أدار الإخوان المسلمون معركة مع مجلس قيادة الثورة، استعانوا فيها بالدين وبالثقافة، أو أنها كانت معركة دينية ومعركة ثقافية بينهما.
فالمعركة التي قادها سيد قطب رئيس قسم نشر الدعوة وقتذاك لصالح جناح حسن الهضيبي في جماعة الإخوان المسلمين في مجلة «الإخوان المسلمين»، وفي النشرة السرية «الإخوان في المعركة»، كانت منحصرة في الاتهامات السياسية لعبد الناصر وحكومته بالخيانة والعمالة للاستعمار الغربي... إلخ.
كما أن هذه المعركة في جانب منها كانت موجهة للجناح المعارض لحسن الهضيبي في جماعة الإخوان المسلمين والموالي لمجلس قيادة الثورة، بالدعوة إلى مقاطعة المفصولين والموقوفين، والامتناع عن شراء وقراءة مجلة «الدعوة».
وإجمالاً، هذه المعركة حصلت في ظل انقسام في صفوف الإخوان المسلمين، وانقسام في صفوف الضباط الأحرار. وقد حاول كلاهما أن يستغل نقطة الضعف هذه عند خصمه للانتصار عليه في مسعى الصراع على السلطة والانفراد بها.
رأي مصطفى عبد الغني وموقفه يقوم على قول مرسل في معظم جمله، منها قوله: إن النظام منحهم سيوفاً حادة في مقابل رجال أشباح، لم يوجدوا إلا داخل السجون. وقوله: وأُعدت السيوف، واختير الفريق المنتصر سلفاً.
بحسب هذا المنطوق، سيف الكتابة هو بحوزة النظام أو السلطة، فهي التي تمنحه، وهي التي تُعده لكتّاب محترفين!
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يكتب النظام أو تكتب السلطة بنفسها ضد الإخوان المسلمين حتى لا يشنّع عليها مصطفى عبد الغني في كتاب أصدره عام 1989، بأنها استعانت بمثقفين في خوض معركتها؟!
إن من العيب أن يقال عن كتّاب مهرة – على رأسهم طه حسين ومحمد التابعي – إن السلطة منحتهم سيوفاً حادة، أو أعدّت لهم سيوفاً.
يقدم مصطفى عبد الغني القضية وكأنها معركة أدبية بين أدباء وأدباء آخرين يصولون ويجولون في ساحة الأدب بسيوف الكتابة. وخصومهم الأدباء الآخرون مجردون منها؛ لأنهم قابعون في السجن، أو كأنها معركة مع ثيران جُزّت فيها قرونها!
وقد تغافل عن تمكّن شبان الإخوان المسلمين من إحياء تنظيم الإخوان المسلمين مرة أخرى في مناطق مختلفة من مصر ابتداءً من عام 1957، الذي استمر في النماء والصعود إلى أن اكتُشف أمره عام 1965.
هذا التنظيم كان تنظيماً ضخماً، وقد تواصل مع أحد الرجال الأشباح في السجن، وأمّره أصحابه عليهم بعد العفو عنه عام 1964، وأعني به سيد قطب. ودخل بعض أفراده القوات المسلحة، وحقق التنظيم اختراقاً لأخبار المباحث العامة والمباحث الجنائية العسكرية والرقابة الإدارية، ولأخبار القوات المسلحة، ولأخبار رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء.
إذا نظرنا إلى كتيب «هؤلاء هم الإخوان»، وأمعنّا النظر في مقالاته كلها، فسنتيقن أن قوله: «سعى النظام للقضاء على الإخوان سياسياً وفكرياً»، مبالغة شاطحة.
يقول مصطفى عبد الغني: «فما كاد يمضي يوم أو يومان حتى كانت تُلقى الخطب العصماء، ويعلن بعض مثقفي التيار الإسلامي المنشق عن الإخوان تأييدهم للنظام. ففي جامع شركس وقف محمد الغزالي ليهاجم الإخوان، كما وقف بجانبه الشيخ الباقوري – الذي كان يؤثر الآن جانب السلطان – يهاجم كذلك هؤلاء الخارجين على النظام (الثورة)».
ربما أنه يقصد في قوله في فقرة سابقة: الاستعانة بممثلي الدين، هذين الاسمين: محمد الغزالي وأحمد حسن الباقوري. فلنأخذ كل اسم على حدة.
محمد الغزالي ليس منشقاً ولا متمرداً على الإخوان المسلمين، بل فصله الهضيبي هو وصالح عشماوي وأحمد عبد العزيز جلال في 9 ديسمبر (كانون الأول) 1953. وهو من الجناح المناوئ لزعامة الهضيبي على الإخوان المسلمين، والموالي للأغلبية في مجلس قيادة الثورة التي يتزعمها جمال عبد الناصر.
وقد هاجم الهضيبي والإخوان المسلمين في مقالات قبل محاولة اغتيال عبد الناصر في 26 أكتوبر 1954.
وهجومه عليهم في تلك الخطبة التي أشار إليها، هو استمرار ومواصلة لما كان يفعله. وفي جزء منه، أو لنقل الأصل فيه، هو هجوم لحسابه الشخصي. إن الذي يجب أن يؤخذ على الغزالي، بوصفه داعية ومن مثقفي الإخوان المسلمين، ليس ذلك الهجوم؛ فله سببه الخاص ومبرره الشخصي عنده وإن لم يصرح به، بل تقديمه – ابتداءً من سنوات السبعينات الميلادية – صورة مضللة لطبيعة علاقته بجمال عبد الناصر وبفترة حكمه، وصورة أخرى مضللة عن علاقته بالإخوان المسلمين منذ 23 يوليو (تموز) 1952 إلى وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر (أيلول) 1970.
ويجب أن يؤخذ عليه أنه في سبيل تحقيق هاتين الصورتين المضللتين، عرّض عدداً من الطبعات الأولى لكتبه للحذف والإضافة والتغيير والتبديل، من دون أن يُعلم القارئ بذلك في مقدمات هذه الكتب أو في هوامشها.
هاتان الصورتان المضللتان جاءتا بعد تولي أنور السادات رئاسة جمهورية مصر العربية، وبعد تصالحه مع حسن الهضيبي.
أحمد حسن الباقوري هو أيضاً ليس منشقاً عن الإخوان المسلمين، بل فصله حسن الهضيبي بعد قبوله أن يكون وزيراً للأوقاف في 7 سبتمبر 1952، في الوزارة الجديدة التي تشكّلت برئاسة محمد نجيب.
وكان عبد الناصر قد طلب من الهضيبي أن يرشح له ثلاثة أسماء للوزارة، فرشح له منير دلة وحسن العشماوي ومحمود أبو السعود، لكن الضباط الأحرار لم يوافقوا عليهم، واختار عبد الناصر الباقوري.
الباقوري في التاريخ الذي ذكره، وهو يوم أو يومان بعد 26 أكتوبر 1954، وزير في الحكومة من 7 سبتمبر 1952. فما الضير أن هاجم الإخوان المسلمين الذين حاولوا اغتيال رئيس وزرائها، عبد الناصر؟ فالباقوري في التاريخين المذكورين كان عضواً في الحكومة، وليس كما أراد أن يوحي بأنه شيخ أزهري إخواني آثر بعد مضي يوم أو يومين من حادثة المنشية، أن يقف إلى جانب «السلطان» في مواجهة الإخوان المسلمين.
إن استخدامه لتسمية «السلطان» في جملته الاعتراضية تلك، كان نبزاً إخوانياً للباقوري – مع أن مصطفى عبد الغني غير إخواني – بأنه من علماء السلطان أو السلاطين.
للباقوري صلة مهمة بحادثة المنشية، لكن ليس هو الأمر الهامشي الذي ذكره مصطفى عبد الغني. فالإخوان المسلمون في ادعائهم أن الحادثة مدبرة، كانت خطبة الباقوري المرتجلة سنداً من أسانيدهم. فالباقوري كان من ضمن الوفد المرافق لعبد الناصر لحضور الحفل الذي أقيم في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية بمناسبة جلاء الاستعمار عن مصر. وكان عبد الناصر بعد إطلاق الرصاص عليه، وهو يصرخ منفعلاً، قد ذكر اسمه: «سيبني يا شيخ أحمد، سيبني يا عبد الحكيم».
يقول الباقوري في كتابه «بقايا ذكريات»: «فإن الزعم بأن هذه الحادثة مدبرة، لا يقول به إلا أحد رجلين: أن يكون هو نفسه شريكاً في تدبير الاعتداء، أو أن يكون من الذين يحرصون على أن يقذفوا بالغيب من مكان بعيد. وإلا فإن مما جرت به الشائعات في كل مكان، أن الدليل على تدبير الحادث، خطبة ارتجلها وزير الأوقاف - الذي هو أنا - في حفلة المحامين في فندق (سيسل) في نفس الليلة التي وقع فيها الحادث، وقد قال كلاماً لا يصدر عن ارتجال، ولكنه يصدر عن إعداد وتنقيح. وراع هؤلاء السادة أن تلك الخطبة انتظمت بيتين من الشعر أشاروا كثيراً إليهما، مع أن هذين البيتين لا يجهلهما أحد من طلاب التخصص فيه، وهما:


تمنَّاني ليلقاني أُبيّ
وددت وأينما منِّي ودادي
أريد حياتَه ويريد قتلي
عذيركَ من خليلِك من مرادي


والذي يعرفه الناس عن الإخوان المسلمين، أنهم لا يدَعون فاتكاً بهم، أو ناصباً نفسه لمعاداتهم، حتى يأخذوا بثأرهم منه، وعلى هذه الطريقة ساروا، فأطلقوا عليه الرصاص في ميدان المنشية، وهو يخطب في الحشد الحاشد في الميدان».
هناك ثأر قديم للإخوان المسلمين مع الباقوري، وظل اسمه لعقود يَرِد عندهم في موضع الذم والإزراء والاستنقاص، حتى من تاريخه القديم والحافل مع الإخوان المسلمين، في حين أن الذين كانوا معه في مركب ثورة 23 يوليو 1952 منذ سنواتها الأولى، كمحمد الغزالي والسيد سابق والبهي الخولي، لا تَرِد أسماؤهم عندهم إلا ويحف بها التقدير والتبجيل!
ولا يُعرف هل السبب في هذا أنه كان الأعلى منصباً فيهم، أو لأن رجال الثورة كانوا يعتبرونه من رجالها، وأنه إمامهم.
الموقف اليساري الثاني من كتيب «هؤلاء هم الإخوان»، هو موقف رفعت السعيد.
موقفه الذي أوردته في مقال «الخلط بين زمنين في تاريخ الإذاعة بمصر»، كان موقفاً سلبياً. وقد كان زجّ فيه البعد الأكاديمي والموضوعية في غير موضوعهما. ولا يكفي لتفسير موقفه السلبي هذا، رغبته في التظاهر بالموضوعية والرصانة الأكاديمية في كتاباته عن الإخوان المسلمين، وعن زعيمهم حسن البنا. فهناك سبب آخر، وهو أنه في عام 1954 حدث تحالف مؤقت بين الشيوعيين والإخوان المسلمين في تبادل المنافع فيما بينهما بتوزيع منشوراتهما السرية ضد حكم مجلس قيادة الثورة. وفي ذلك العام كان سيد قطب يطبع النشرة السرية «الإخوان في المعركة» في مطابع الحزب الشيوعي السرية. فهو وفيّ لتلك اللحظة الزمنية التي حارب فيها الشيوعيون والإخوان المسلمون معاً عدواً مشتركاً، هو مجلس قيادة الثورة، ممثلاً في جمال عبد الناصر. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو