جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

إيطاليا والفاشية والأسئلة العالقة

قبل أن يلفظَ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022 أنفاسه الأخيرة ويرحل، مرتْ الذكرى المئوية الأولى لوقوع إيطاليا في قبضة الحركة الفاشية، بقيادة الدوتشي بنيتو موسوليني. الذكرى المئوية الأولى تزامنت (بشكل يدعو للاستغراب، إن لم يكن التعجب والدهشة) مع وصول حزب «إخوة إيطاليا»، بقيادة السيدة جورجيا ميلوني إلى الحكم على رأس ائتلاف يميني. الحزب المذكور، يؤكد المؤرخون والمعلقون، يميني متشدد، على صلة بالحركة الفاشية، لدى محاولة نهوضها ثانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأن الفاشيين الجدد يكونون جزءاً عضوياً في هيكليته وبين كوادره.
ما فعله الفاشيون في إيطاليا منذ عام 1922 وحتى سقوط حكمهم عام 1943 ليس خافياً عن الإيطاليين، أو على غيرهم من شعوب العالم، وخاصة تلك التي وقعت في قبضتهم الاستعمارية، ومن ضمنها بلدي ليبيا. وهذا بدوره يقودنا إلى سؤال يفرض حضوره: لماذا اختار الإيطاليون منح ثقتهم إلى حزب يميني متشدد، بجذور في حركة فاشية أذاقتهم الأمرين؟
خلال الأسبوع الأخير، من الشهر المنقضي، حرصتُ، من باب الفضول المعرفي، على متابعة وسائل الإعلام الغربية، بغرض الاطلاع على ما تنشره من تقارير حول المناسبة. لكن ما توفر من تقارير كان قليلاً جداً ولا يتسق وتوقعاتي. وربما يعود ذلك إلى تزاحم الأحداث وتداخلها، وخاصة تطورات الحرب في أوكرانيا، واشتداد حدة أزمة نقص الطاقة، وارتفاع أسعارها، مع قرب حلول فصل الشتاء، وتقلبات الأوضاع السياسية في بريطانيا، وما حدث ويحدث في الصين من تطورات، انتهت بعودة حكم الفرد، ثم أخبار تطورات انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب النصفية القادمة في أميركا... الخ.
البعضُ من المعلقين حرصوا، في تقاريرهم، على نفي علاقة حزب «إخوة إيطاليا» بالحركة الفاشية، مبررين ذلك بكونه حزباً لم يتعرض بالعنف إلى مناوئيه وخصومه. وليس من أهدافه القضاء على التعددية الحزبية في إيطاليا، وفرض سيادة الحزب الواحد. وليس لديه نوايا استعمارية بإرسال قوات إيطالية لاحتلال بلدان أخرى بالقوة، وبناء إمبراطورية إيطالية في البحر المتوسط وشرق أفريقيا، على غرار ما فعلت الحركة الفاشية، تحت قيادة موسوليني. ولكنهم، في الوقت ذاته، لا ينفون صلة الحزب بحركة اليمين المتشدد في إيطاليا.
أجندة اليمين المتشدد في إيطاليا ليست خافية على الناخبين الإيطاليين أو غيرهم. وما يرفعه اليمين المتشدد من شعارات لا تطمئن الإيطاليين، وباعثة على قلق المسؤولين في رئاسة الاتحاد الأوروبي. فلماذا، اختاروا بملء إرادتهم منحه أصواتهم في صناديق الانتخابات، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ليكون أول حزب يميني متشدد، بعد الحرب العالمية الثانية، يحظى بدعم شعبي (26 في المائة من أصوات كل الناخبين، تمثل أعلى نسبة أصوات)، ويمسك ديمقراطياً بمقاليد الأمور في كل البلاد؟
وفي تفسيراتهم، يرى المعلقون أن السبب يعود إلى أن الإيطاليين لا يضعون موسوليني مع هتلر، أو الحركة الفاشية مع نظيرتها النازية في كفة واحدة. وهم يرون أن الحركة الفاشية الإيطالية أقل عنفاً ودموية من الحركة النازية. ولم تمارس اضطهاد اليهود إلا بعد تحالف موسوليني مع هتلر، مما جعله يقع تحت تأثير القيادة النازية وشعاراتها. وأن الإيطاليين شعب طيب، ولا يمكن أن يناصر حركة فاشية عنيفة. وربما لذلك ما زالوا يحملون، في ذاكرتهم الجمعية، مشاعر إعجاب بموسوليني.
الدوتشي موسوليني سيئُ الصيت، حكم إيطاليا بالحديد والنار. وما فعله بخصومه ومعارضيه موثق تاريخياً. والإيطاليون ردوا له الجميل، حين أتيحت لهم الفرصة، بِسَحْلِه في الشوارع، ثم تعليقه مقلوباً من رجليه في عمود كهرباء. فمن أين وجدَ الإعجابُ به طريقاً إلى قلوبهم وعقولهم الآن، وكيف تجاهلوا ما فعلته الفاشية بهم وببلادهم، وإلى أي كارثة أوصلتهم، وحجم ما قدموا من تضحيات حتى تخلصوا من شرورها؟
هناك تفسير، ربما يعد ضعيفاً منطقياً، يقول به بعض المعلقين، ممن يرون أن العديد من الإيطاليين إما أنهم يجهلون تاريخ بلادهم في القرن العشرين، أو أنهم يحملون تصوراً مشوهاً له. وفي الحالتين لا يمكن الاقتناع بتفسير كهذا، إلا إذا اقتنعنا أن الإيطاليين وقعوا ضحية لعملية غسل دماغ هائلة. والأرجح، في رأيي، هو أن فساد النخبة الحاكمة، وانشغالها بالصراعات فيما بينها، من دون اهتمام بمعاناة المواطنين، خلق فراغاً في الساحة عجّل بظهور الحركات والتنظيمات اليمينية الشعبوية والمتشددة لملئه، وزادت حركة الهجرة غير الشرعية الهائلة، وما خلقته من خوف في النفوس، في توطيد الأرض أمام تلك التنظيمات لتتوغل في مختلف الأوساط الاجتماعية، لتجنيد كوادرها، والتبشير برسالاتها المتطرفة، ثم اختراق الحواجز الموضوعة، بالتحول من الهوامش إلى المتن، والوصول إلى السلطة، عبر صناديق الانتخابات. أضف إلى ذلك التطورات التي شهدها العالم منذ حلول الوباء الفيروسي وتداعياته السلبية، صحياً واقتصادياً وسياسياً، ثم جاء الاجتياح الروسي لأوكرانيا، فكان بمثابة القشة الأخيرة. ولم يجد الإيطاليون مهرباً سوى الالتفات إلى الوراء بحثاً عن ملجأ آمن في ماضٍ عرفوه، وتعلموا الوجود معه، على أمل أن يقيهم من تقلبات حاضر يضيق بمخاوفهم وما يهدد حياتهم، ويقود إلى مستقبل بملامح غامضة.