إصلاح بنية النظام العالمي

إصلاح بنية النظام العالمي

السبت - 6 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 01 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16013]
دارين ووكر
* رئيس معهد فورد
* خدمة «نيويورك تايمز»

يصطدم نظامنا الدولي القائم على القواعد والذي تسعى من خلاله دول العالم لتحقيق السلام والتنمية العالميين بحدود رؤيته التأسيسية. واليوم، يقف ما بناه الأسلاف منذ نحو ثمانية عقود، بعد الحرب العالمية الثانية - من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وصولاً إلى الأمم المتحدة - في حاجة ماسة إلى الإصلاح. ورغم حاجتها إلى الإصلاح، تظل هذه المؤسسات أساسية، علاوة على أنها لا تزال قابلة للإصلاح.
ويواجه مليارات الأشخاص مخاطر كبرى؛ الأمر الذي ينطبق على نحو خاص ومؤلم على الشعب الأوكراني، في وقت تتواصل فيه الحرب. وينطبق الأمر نفسه على جميع أرجاء الجزء الجنوبي من العالم، حيث أعتقد أن نظام تمويل التنمية العالمية لدينا قد عفى عليه الزمن.
وعليه، أصبح لزاماً علينا إصلاح بنية نظامنا العالمي - بمعنى مخطط نظامنا للعلاقات الدولية وتمويل التنمية.
الملاحظ، أنَّ مجموعة الدول السبع، والمنظمات التنموية العالمية الكبرى والمؤسسات العالمية الكبرى يخالجها شعور بعدم الارتياح، ولا تبدي استعدادها إزاء توسيع نطاق التمويل وشركاء التخطيط، خاصة أصحاب المصلحة داخل النصف الجنوبي من العالم. ويفترض الكثير منا أن ما يسمى خبراتنا أكثر قيمة أو أهمية عن التجربة التي تعايشها المجتمعات المتأثرة بأزمات اليوم.
بطبيعة الحال، هؤلاء بالتحديد الأفراد والمنظمات الذين يجب أن ننصت إليهم؛ لأنهم أقرب إلى المشكلات التي لا يمكننا حلها إلا بالتعاون معاً.
وطبقاً لدراسة حديثة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإنَّه خلال عامي 2020 و2021، تراجعت تسع من بين كل 10 دول إلى الخلف في مؤشر التنمية البشرية، وهي المرة الأولى في تاريخ هذا التقرير الموثوق على مدى ثلاثة عقود، والذي يتناول قطاعات الصحة والتعليم ومستويات المعيشة. وحددت هذه النتائج بوضوح التكاليف المروعة والعواقب المترتبة على أزماتنا العالمية المتتالية، والتي تفاقمت جميعها بسبب غياب المساواة.
خلال فترة الجائحة، أخفق النظام العالمي في تمويل جهود توزيع اللقاح والحصول عليه بشكل كافٍ؛ ما تسبب في خسائر لا حصر لها وألحق أضراراً لا تُحصى باقتصادات الدول الفقيرة. ومع انتقال العالم إلى مرحلة التعافي، أخذت التفاوتات في الاتساع، بين البلدان بعضها بعضاً وداخلها.
من ناحية أخرى، لا تبدو الصورة أفضل لما ينبغي أن يكون جهوداً مشتركة للتخفيف من وطأة حالة الطوارئ المناخية العالمية والتكيف معها، وتلبية أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة على نطاق أوسع. على سبيل المثال، عام 2009، تعهدت الدول الغنية في العالم بأنها ستساهم بحلول عام 2020 بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً في مساعدة الدول الفقيرة على الاستعداد لمواجهة عواقب التغييرات المناخية. وقد أخفق نظامنا الدولي الآن في تحقيق هذا الهدف المتواضع على امتداد ثلاث سنوات متتالية، ولا يزال العدد في ازدياد.
في الواقع، جرى إنشاء هذا النظام لخدمة نموذج بسيط وقوي: السلام من خلال المشاركة الاقتصادية. المؤكد أن الولايات المتحدة وأوروبا لن تسمح مرة أخرى مطلقاً بحدوث ركود اقتصادي، واضطراب على نطاق واسع يعيد تهيئة الظروف التي أدت إلى صعود الانعزالية والتوجهات القومية والفاشية واشتعال أزمات عالمية.
ووجدت هذه الرؤية تعبيرها الكامل في مؤتمر بريتون وودز عام 1944، عندما أنشأ ممثلو البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ـ ثم في ميثاق الأمم المتحدة بعد عام. بدعم من مجموعة من المؤسسات، بما في ذلك مؤسسة فورد، تطورت وتوسعت لتشمل عدداً كبيراً من وكالات التنمية، ومزيجاً معقداً من المنظمات الحكومية ومتعددة الأطراف ومنظمات المجتمع المدني.
بوجه عام، ساعد نظام التعاون الدولي هذا في تحقيق هدفه الأصلي: منع رعب حرب عالمية ثالثة، وحافظ على السلام والازدهار، وأدَّى إلى تقدم اجتماعي واقتصادي غير مسبوق (وإن كان لا يخلو من تعقيد) في مختلف أنحاء العالم.
في الوقت ذاته، ومنذ البداية، كان هذا الأمر مليئاً بالعيوب. من ناحية، لم تفعل سوى القليل لعرقلة الحروب بالوكالة التي تخوضها قوى عالمية، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
من ناحية أخرى، كرّس النظام أوجه التفاوت التي كان يجب أن يفككها النظام، وقسم العالم إلى مانحين ومتلقين، ودائنين ومدينين، ومانحين ومستقبلين للمنح، ورابحين وخاسرين. وعليه، تحول النظام إلى وجه جديد للإمبريالية والاستعمار.
اليوم، تتفاقم التحديات التي تواجه هذا النظام، وتتراكم فوق بعضها بعضاً.
نحن منخرطون في مسابقة الأجيال بين الآيديولوجية الاستبدادية والقيم الديمقراطية في بلدان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أميركا، لكننا نستجيب لهذا الأمر بأفكار تنتمي إلى الأربعينات.
بوجه عام، يجب على قادة العالم التزام ثلاثة مبادئ للإصلاح وإصلاح الأخطاء التاريخية، واغتنام الفرص الجديدة لتحقيق التقدم.
أولاً: يجب أن ندرك أن النمو أمر جيد، لكنه ليس جيداً بما يكفي، فنحن في حاجة إلى مقاييس تتجاوز إجمالي الناتج الداخلي لتقييم وإدارة ما يهم أكثر: حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية للناس داخل كل بلد.
ثانياً: يجب أن نفكر على نطاق أوسع وأكثر جرأة، وكذلك على المدى الطويل. ونحن نعي اليوم أن الاستثمار في التنمية العادلة اليوم أكثر فاعلية من حيث التكلفة من التعامل مع عواقب فشلنا في الاستثمار، بهذا المجال خلال العقود المقبلة.
الأهم من ذلك، يجب علينا التأكد من أن الأشخاص المتضررين من أزمات القرن الواحد والعشرين - واستجابات مجتمع التنمية لهم - يشاركون في صياغة السياسات والبرامج المعنية.
ويمكن للمجتمع العالمي أن يشرع على الفور في هذه الطريق من خلال توجيه المزيد من الموارد، والاستماع إلى التعلم من القادة الملهمين من جميع أنحاء نصف الكرة الجنوبي.
إلا أنه في نهاية المطاف، يمكننا ويجب أن نعيد تنظيم جهودنا حول احتياجات الأشخاص والمجتمعات، وليس فقط الدول القومية، بحيث تعمل الحكومات والمجتمع المدني وكيانات القطاع الخاص جميعها، بشكل مشترك تجاه الصالح العام العالمي.


* رئيس معهد فورد
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو