خرجت علينا قناة «سكاي نيوز عربية» بفكرة غير مألوفة في إعلامنا العربي، وهي برنامج «نيران صديقة»، الذي يقدم حوارا للضيوف من دون مذيع.
تابعت ثلاث حلقات منذ انطلاقة البرنامج، مطلع الشهر الحالي، ووجدتها فكرة رائعة تعكس الحوار الطبيعي في حياتنا الذي لا يتحكم فيه مذيع. واسم البرنامج ينطبق عليه، حتى الآن، ما قاله مدير عام القناة نارت بوران من أنه: «خير دليل على مضمونه الذي يكرس ثقافة احترام الاختلاف في الآراء ووجهات النظر من دون مبالغة أو تجريح».
ما يهمني هو أن تلقائية حوار «نيران صديقة» أظهر المشكلات الطبيعية التي نقع فيها يوميا في حياتنا، مثل التحدث الجماعي في آنٍ واحد وهو أكثر ما يزعج المستمعين. وحلها بسيط وهو أن يلتزم المتحدث بالصمت الفوري في لحظة تحدث الطرف الآخر (المستمع) وألا ينفرد ويستطرد بالكلام على حساب المستمعين. وهنا تظهر أهمية مهارة «الاقتضاب أو الإيجاز الحواري»، وهي ذكر حقائق سريعة متتالية وبالصميم وهو أسلوب يتميز به زميلنا المتألق د. مأمون فندي الضيف الدائم بالبرنامج. كما أن المحاور الفعّال هو الذي يستخدم مفردات تدل على أنه سيختصر وأنه لن يصادر دور الآخر في التعبير كأن يقول مثلا: «أختلف معك لسببين وهما: كذا وكذا». هنا يصعب أن يقاطعك أحد لأن الجميع ينتظر سماع الحجتين.
وهذا النوع من الحوار يتطلب أيضا مهارة قراءة إيماءات المستمع إلينا مثل رغبته في التحدث لأن تجاهلها سيجعلنا عرضة للمقاطعة في أي لحظة. وقد أعجبني محلل سياسي سعودي كان ينهي حديثة بقوة وحجة قبل أن تقاطعه المذيعة ولما أبديت له إعجابي، قال إن خبرته علمته أن هذا الأسلوب أوقع على المشاهدين.
مشكلة كثير منا كعرب، مقارنة بالغربيين، اعتمادنا على الكلام الشفهي ونسياننا لقوة تأثير وأدب استخدام الإيماءة أثناء إصغائنا للمتحدث. مثل هز الرأس أفقيا أو رأسيا إشارة بالاتفاق أو الاختلاف مع ما نسمعه بدلا من المقاطعة اللفظية غير المبررة والتي توسعت بذكر أصولها في كتابي «لا تقاطعني!» عن فنون الحوار والمقاطعة. وذكرت فيه دراسة علمية أعددتها عن البرامج الحوارية.
برنامج «نيران صديقة» يشبه حواراتنا. ذلك أن الحوار ينحدر بانحدار أسلوب المتحاورين ويرتفع بارتفاع طرحهم. فنحن مادة الحوار. والحوار مثل مباراة كرة قدم يمكن أن يفسد لاعب واحد المباراة بأكملها بسلوكه.
«نيران صديقة» نقلة جديدة تستحق المتابعة والتأمل والتعلم من سلبياتها وإيجابياتها. ولا ننسى أنه لا يمكن أن ينهض برنامج تلفزيون بحوار مشاركين لا يلتزمون أصلا بأدب الحوار.
8:33 دقيقه
TT
برنامج حواري بلا مذيع!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
