د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

ذكاء من يقود المشهد

عندما حاول البعض تقدير الذكاء العقلي للرؤساء الأميركيين IQ وجدوه في حدود المعدل الطبيعي للبشر. وكذلك الحال مع كبار القياديين حول العالم. فقد تبين أن فاعلية القائد ليست مرتبطة بذكائه العقلي، بل في قوة ذكائه الوجداني emotional Intellegince.
من أعلام من حمل راية الذكاء الوجداني، العالم الكبير دانيال ‏غولمان، الذي قرأت كتبه ودراساته وسمعته ذات يوم يعرّف لنا الذكاء الوجداني على خشبة مسرح أحد المؤتمرات، بأنه إدراك الفرد الملحوظ لانفعالاته، وتقييمها بدقة وحسن التعبير عنها بطريقة لائقة. والذكي اجتماعياً يدرك جوانب القوة والضعف في شخصيته وسلوكه وتفكيره، ومن ثم يحسن إدارة الانفعالات. ولو ‏تأملنا كيف تتصدع العلاقات، وتتسرب الكفاءات، «وتفركش» المشروعات، سنجد أن في مقدمتها ردود الفعل السلبية لمن يديرون المشهد.
وقد قرأت في كتاب أصدرته «هارفارد بزنس ريفيو» بعنوان «القائد الذكي وجدانياً» للبروفسور دانيال غولمان أن إحدى دراساته المهمة قد أُجريت على 188 وظيفة لعشرات الشركات في مختلف أرجاء العالم لقياس «المهارات المهمة للنجاح في العمل»، وقسمت المهارات إلى: معرفية، وفنية Technical، ومهارة وجدانية (إنسانية)، فقد اتضح أن 76 في المائة من العوامل المهمة للنجاح في العمل، هي مهارات وجدانية. وكانت أهميتها ضعفَي المهارات العقلية والفنية. ولذلك يخطئ كثير من لجان التوظيف عند التركيز على مهارات فنية أو عقلية أو حسابية وينسون المقدرة الأساسية للقائد في ضبط سلوكه وفهم مواطن قوته وضعفه قبل أن يورط نفسه والآخرين في سلوكيات لا يحسد عليها.
وهناك حالات رصدتها دراسة له مع زميله ليزلي وفلسور كشفت أن غياب الذكاء الوجداني، قد يؤدي إلى الاستقالة من العمل! كانت الدراسة عن أكثر أسباب التسريح من العمل أو الإرغام على الاستقالة أو التجميد، فظهرت سبعة أسباب رئيسية، منها «ضعف المهارات الاجتماعية، والتعامل الفظ مع الآخرين، والإخفاق في إيجاد حالة من التعاضد بين الموظفين، علاوة على عدم المقدرة على التكيّف مع التغيير وهشاشة التواصل، وهي في صلب المهارات الوجدانية».
عندما نظفر بتعيين قائد ذكي اجتماعياً أو وجدانياً فإن الدراسات تشير إلى أن ذلك لا ينعكس فقط على وشائج المودة مع الآخرين، بل ينعكس إيجاباً على أداء المؤسسة التي يقودها.
أما الخبر السار، ‏فهو أن الذكاء الوجداني يمكن تعلمه واكتسابه من خلال الدورات. وهي مسألة ينبغي أن يراعيها المسؤولون عن التوظيف قبل انتقاء من يقود ثلة من الأكفاء في العمل. واتضح أن هذا الذكاء الوجداني «يكبر مع العمر». فإذا ما «اشتعل الرأس شيباً» ولم يتحسن سلوك الفرد فهناك حتماً مشكلة جذرية تتطلب تدخلاً عاجلاً.