الإيدز، وسارس، و«إنفلونزا إتش آي إن آأي»، و«إيبولا» و«كوفيد - 19»، و«جدري القردة» جميعها فاشيات أمراض معدية جاءت ثم تلاشت، حتى وإن استمرت لفترات طويلة، شأن الرجل الذي عمل في «المعاهد الوطنية للصحة» في «بيثيسدا» بولاية ميريلاند مديراً للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية منذ عام 1984 حتى يومنا هذا، الدكتور أنتوني ستيفن فاوتشي.
بلغت سن الرشد في الثمانينات - عصر الإيدز - وهي بداية عصر الدكتور أنتوني، كما يطلق عليه الكثيرون نظراً لأنه كان يشغل ذلك المنصب خلال تلك الفترة وما تلاها ليعيش معاناة البلاد من الأمراض المعدية. تولى المرشد الهادئ الذي يتحدث بلكنة أهل بروكلين مسؤولية ملف الإيدز من النشطاء منذ زيارتهم مبنى «معهد الصحة الوطنية» عام 1990. وفي عام 2014، عانق نينا فام، ممرضة دالاس، أمام الكاميرات بعد تعافيها من الإيبولا، ليهدئ من مخاوف الشعب من الفيروس. وكان له حضوره في المؤتمرات الصحافية للرئيس دونالد ترمب حول وباء «كوفيد - 19»، وكانت له نصائحه للرؤساء منذ رونالد ريغان بشأن ما يتعين فعله في مواجهة هذه الأوبئة.
بحسب مؤرخ جامعة ييل، فرانك سنودن، منذ منتصف القرن العشرين حتى ظهور الإيدز - خلال ما سماه «عصر الغطرسة» - أعلن العلماء، أن المهمة قد أنجزت فيما يخص المعركة ضد الأمراض المعدية، إثر اكتشاف المضادات الحيوية التي جعلت التهديدات الميكروبية مجرد ذكرى من الماضي. إذا كان الإيدز هو نتاج غرورنا كعلماء، على مر السنين، سواء عن حق أو خطأ، فقد أعطى الدكتور فاوتشي انطباعاً بأن العلم يمكن أن يتعامل مع هذه التحديات من خلال العمل المنهجي التدريجي للبحث وتطبيق ما تعلمناه في المعمل ونقله بسرعة إلى الميدان.
لم تكن هذه هي العلوم البوليانية في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي - فكرة أن العلم سيقهر الأمراض المعدية إلى الأبد - ولكن فكرة أنه على الأقل يمكن أن يكون هناك تقدم. عندما اكتُشفت مثبطات الأنزيم البروتيني في منتصف التسعينات لتغيير مسار وباء الإيدز؛ مما منح الحياة للعديد من الأشخاص الذين واجهوا موتاً محققاً، بدا هذا التفاؤل مُثبَتاً ولقي تأييداً واسعاً، على الأقل من العديد من أصدقائي وزملائي الذين شاهدوا جيلاً يموت بسبب المرض.
بينما يستعد الدكتور فاوتشي للتقاعد في نهاية العام الحالي، على المرء أن يتساءل عما إذا كانت هذه هي نهاية حقبة أيضاً. لا تفهموني خطأ: لا أحد ممن أعرفهم يرى أن المكاسب في مجال الإيدز والتقدم الذي أحرز في مجالات أخرى من مكافحة الأمراض المعدية - لا سيما فيما يتعلق بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات - على أنها إنجازات تافهة.
لكن مع «كوفيد - 19»، تغير شيء ما حيث خضع التوازن الأساسي بين العلوم والصحة العامة والسياسة في أميركا للاختبار. أزعم أن غالبية الإدارات لا تهتم كثيراً بالعلوم والصحة العامة لأنها لا تراها أولوية بالنسبة لهم. فيما يتعلق بالإيدز، تجاهل الرئيس ريغان العلوم والصحة، في حين أشاد بها الرئيس بيل كلينتون. وكان الرئيس جورج دبليو بوش الأقرب إلى جعلها أولوية، وشهدنا خطة الرئيس للطوارئ للإغاثة من الإيدز. لكن بحلول عهد باراك أوباما، عاود النشطاء الاحتجاج مجدداً على إهمال الإدارة.
لكن «كوفيد - 19» لفت انتباه السياسيين، لكن ليس بطريقة جيدة. فلعقود من الزمان، كان بإمكان الدكتور فاوتشي وغيره من العلماء تقديم المشورة للرؤساء، وحتى التأثير عليهم في بعض الأحيان، وكان لبعضهم أهمية كبيرة لدى هؤلاء القادة.
لن أنسى أبداً رسالة بريد إلكتروني أرسلتها إلى الدكتور فاوتشي وغيره من قادة الصحة خلال إدارة ترمب في بداية جائحة «كوفيد - 19»، رجوتهم فيها التحدث وتولي زمام القيادة العلمية وسط حالة الفوضى وسوء الإدارة التي يعيشها العلماء والناس من حولنا. لكن لم يكن هناك الكثير مما يمكن للأطباء الجيدين فعله، حتى فاوتشي اعترف بأن تلك الفترة كانت وضعاً فريداً.
مع انتخاب بايدن، كان الكثير من العاملين في مجال الصحة العامة يأملون في أن يقود أحدهم مسيرة العلم، ولكن سرعان ما حث منظمو استطلاعات الرأي إدارته على ضرورة تحقيق النصر على «كوفيد - 19» وإعلان انتهاء الأزمة، وطالبوهم بالتوقف عن الحديث عن جهود التخفيف وعن إبلاغ الناس بأن «كوفيد - 19» سيبقى معنا لفترة طويلة.
إذا كان عصر الدكتور فاوتشي هو عصر تطلعنا فيه إلى التقدم، حتى لو بشكل جزئي، فإن عصرنا الحالي هو عصر يمكننا أن نعلن فيه أننا «نمتلك الأدوات» نتغلب فيه على التشاؤم الذي أصابنا جراء غطرسة بعض الأطباء ونتيجة للحسابات السياسية للآخرين. ما نسمعه وما نراه هو الاستقالات في مواجهة معاناة الكثيرين على مدار العامين ونصف العام الماضيين، وصيف نضيف فيه مئات الضحايا إلى سجلات الموتى كل يوم في الولايات المتحدة.
في أحلك أيام الإيدز، لم يستسلم الدكتور فاوتشي أبداً. ونحن كذلك لم نجلس وسط تلال الجثث المتزايدة ولم نستسلم لإحساس العجز جراء الأدوية الضعيفة ولم نزعم أن لدينا الأدوات، لكننا قاتلنا وجادلنا وتقدمنا معاً، ولم نكن راضين عن الوضع الراهن. إذا لم يكن فاوتشي ليتقاعد في ديسمبر (كانون الأول)، كنت أتخيله يعمل حتى أنفاسه الأخيرة إلى أن يصل إلى علاج لمرض الإيدز.
لذلك؛ يجب أن نتحلى جميعاً بروح الدكتور فاوتشي وعزيمته والتزامه رغم القيود الشديدة التي فرضها عليه رجال ونساء السياسة، الذين لا يتجاوز سقف أحلامهم الانتخابات القادمة بدلاً من التفكير في الأعباء الحقيقية؛ وهو ما يجعلنا نرى أن الدكتور فاوتشي رجل عظيم.
* أستاذ مشارك لعلم الأوبئة في كلية ييل للصحة العامة وناشط في مجال الإيدز وزميل «معهد ماك آرثر» 2018
* خدمة «نيويورك تايمز»
