مها محمد الشريف
كاتبة سعودية مختصة بقضايا الشرق الأوسط والعالم، كتبت في العديد من الصحف الرسمية السعودية وصحيفة «الرؤية» الإماراتية، وتكتب بشكل دائم في صحيفتَي «الجزيرة» و«الشرق الأوسط». لها اهتمامات بالرسم والتصميم الاحترافي.
TT

الصين تتوعد فهل ترضخ أميركا؟

يعد التغيير في الساحة الدولية صعباً للغاية، لأنه يؤثر في القوة الأحادية العالمية، ويصور بوضوح كيف يمكن أن يكون واسع النطاق، ليخلق رؤية ملزمة تناسب تطوير استراتيجيات جسورة تحول الرؤى الجريئة إلى واقع ملموس، ولغة واضحة تخاطب العالم الذي يموج بالاضطرابات، بأنه قد آن الأوان للحد من تصدير الأخطاء التي تؤدي إلى عواقب وخيمة.
وهذا يعني أنَّ الصين كقوة دولية تتوعد أميركا في حال قيام رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، بزيارة إلى تايوان، فيما عبّر مسؤولون في البيت الأبيض والبنتاغون عن قلقهم من الزيارة التي تشكل «استفزازاً لا داعي له»، وتمهد لأزمة واسعة بين البلدين، التي تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها، متوعدة بضمّها بالقوة إذا لزم الأمر، فالأمر أكثر عمقاً من هذا، صوت الصين العالي جذب الانتباه، ويصعب تجاهله، حيث قالت الصين إنها مستعدة لإشعال حرب إذا أعلنت الجزيرة استقلالها، بمعنى أن الفجوة بينها وبين أميركا من حيث القوة والتأثير تقلصت، وأنَّها لا تقبل المساس بسيادتها.
فبعد أن غادرت بيلوسي، في رحلة آسيوية من المحتمل أن تكون تايوان ضمن وجهاتها، ولكنَّها استبعدت مؤخراً من جدول الزيارة، إذ أتى ذلك بعد التحذيرات الشديدة التي أطلقتها الصين على مدار الأسبوع الماضي، حيث ذكرت التقارير الأميركية أنَّ الزيارة إلى تايوان ألغيت ومعها التكتم على تفاصيل الرحلة، بعد معارضة صينية شرسة، فهل قدرة أميركا على الاستفزاز ليست كما كانت قبل عقود؟
يدرك القادة الصينيون جيداً أن طرق التجارة البحرية لبلادهم محاطة بقوى معادية من اليابان، تدعمها قوة عسكرية أميركية جبارة، ومع ذلك، فإن الصين ماضية في تمددها غرباً باستثمارات مكثفة وتحركات مدروسة نحو التكامل من ناحية وتطورات تندرج ضمن إطار منظمة تعاون شنغهايا التي تشمل دول آسيا الوسطى وروسيا، حيث تقوم الصين ببناء نسخة عصرية معدلة عن طريق الحرير القديم.
وغالباً ما تظهر جدية تلك التحديات لاحقاً، عندما تتفاقم الانفعالات وتعوق الحلول وتتسق مع التغيير المطلوب، أو تعديل أوجه القصور في الأدوات المستخدمة، فاليوم شرق آسيا والتحركات العسكرية الأميركية تمثل قلقاً بالغ الأهمية، وذلك يترجم تحولات مدهشة لا تحتفظ بطابعها ومظهرها التقليدي.
فهل ترغب رئيسة مجلس النواب في إظهار القوة، وطمأنة حلفاء الولايات المتحدة فقط، وأن لها موطئ قدم على ساحة الأزمة، خاصة أنها تخطط لاستخدام طائرة عسكرية في رحلتها، التي يعتقد البنتاغون أنها قد تؤدي إلى تفاقم التوترات، وتُفسر من قبل بكين على أنه استفزاز أو عمل عدواني بخلاف استخدام طائرة مدنية؟ ما من شك أن أموراً كثيرة تعتبرها بيلوسي في مهب الريح، ولكنها ستقابل بتحامل صيني خطير وهو في اعتقادي اختبار لقوة الصين أكثر من أنه استفزاز مؤقت.
هناك أسباب وجيهة تدفع للاعتقاد بأن تنظيم تدريبات عسكرية «بالذخيرة الحية» في مضيق تايوان، وهي مبادرة تسبق الزيارة تخبر بأنَّ الصين على استعداد لأي طارئ، حيث تعتبر تايوان، الجزيرة البالغ عدد سكانها 24 مليون نسمة، جزءاً من أراضيها وتعتزم إعادة توحيدها مع البر الصيني، من غير أن تستبعد استخدام القوة من أجل ذلك، فهناك شعور بالغضب.
من الملاحظ أن كثيراً من الرسائل يتم تبادلها في الآونة الأخيرة بين القوى الثلاثة أميركا والصين وروسيا، علماً بأن الكرملين «متضامن» مع الصين في خلافاتها مع أميركا.
الخلاصة بعد هذا الشد والجذب وصل الأمر إلى نهاية مسدودة، اضطرت أميركا إلى التوقف والتراجع والبدء من منفذ آخر، ومنحها فرصة لاتخاذ خيارات مصيرية بعدم التدخلات في الشؤون الداخلية لسيادة الدول، ورفع تكاليف العنف إذا أخلت بالعهود والمواثيق.