جيرمي كاميل
TT

«كوفيد ـ 19» ما زال مصدر قلق كبيراً

بدا المتحور أوميكرون وتداعياته كأنه موجة واحدة طويلة للغاية. وفي وسط الجلبة المثارة، ظهر كثير من التساؤلات، من عينة: هل نعاين ظهور متحورات جديدة تماماً من فيروس «كورونا» محصنة في مواجهة المناعة التي يكتسبها الإنسان من اللقاحات والعدوى السابقة؟ وإذا استمرت إصابتنا بالعدوى مرة بعد أخرى، فهل من المحتم أن ينتهي بنا المطاف إلى الإصابة بـ«كوفيد» طويل الأمد؟
باختصار، الجواب لا.
وباعتباري عالم فيروسات، من المهم لي أن يفهم الناس أن «كوفيد ـ 19» لا يزال مصدر قلق كبيراً، إلا أن هذا لا يعفي ولا يجيز التشخيص الخاطئ للوضع الحالي.
ولنبدأ بالمتحور «بي إيه. 5»، أحد أحدث المتحورات من «أوميكرون» التي ظهرت في كل مكان. المؤكد أن هذا المتحور يتمتع بقوة من حيث القابلية للانتقال مقارنة بسلالات «أوميكرون» السابقة، على الأرجح لأنه يتمتع بقدرة أكبر على التهرب من المخزون الحالي داخل أجسادنا من الأجسام المضادة.
ويحتوي «بي إيه. 5»، وقرينه المقرب «بي إيه. 4»، على طفرة رئيسية تمكنهما من التسلل عبر فئة مهمة مما يسمى الأجسام المضادة المعدلة على نطاق واسع. واضطلعت هذه الأجسام المضادة الخاصة بعمل رائع في منع العدوى من مجموعة واسعة من المتحورات السابقة.
إلا أن هذا الوضع تغير من بعض النواحي.
في الأسابيع الأخيرة، شاهدت كثيراً من الأصدقاء وأفراد الأسرة الذين جرى تطعيمهم يصابون بفيروس كورونا لأول مرة. ومن أكثر هذه الحالات إثارة للقلق هي حالات مثل زميل لي أصيب في مايو (أيار) ومرة أخرى في يونيو (حزيران)، ذلك أنه أصبح مريضاً في المرتين.
ولحسن الحظ، فإن الإصابة بالعدوى بعد أسابيع قليلة من التعافي ليست القاعدة. وكشف علماء أن الأشخاص الذين أصيبوا سابقاً بـ«كوفيد ـ 19» أقل عرضة للإصابة بالمتحورات الجديدة عمن لم يصابوا بالفيروس من قبل، وينطبق الأمر على «أوميكرون».
وتظل الأجسام المضادة بمثابة خط دفاع قوي ضد هذا الفيروس التاجي. وتفعل هذه الأجسام الكثير لحمايتنا، في الوقت الذي توجه فيه الفيروس نحو التدمير بواسطة عناصر أخرى من جهاز المناعة. ومع أن بعض الدراسات وجدت أن متحورات «أوميكرون» تحفز استجابات أضعف للأجسام المضادة عن المتحورات السابقة، فإن الاحتمال الأكبر وراء ذلك أن «أوميكرون» يسبب مرضاً أقل حدة، وذلك بفضل المناعة من اللقاحات والعدوى السابقة.
ويعمل جهاز المناعة لدينا مثل المستثمر الحكيم والمقتصد، ذلك أنه يتولى معايرة الاستجابات تبعاً لحجم ومدى إشارات الخطر المختلفة التي يجري استشعارها أثناء الإصابة. بشكل عام، كلما زادت الأعراض والمرض من عدوى مثل كوفيد أو الإنفلونزا، زادت استجابة الجسم المضاد. وعندما تكون الأجسام المضادة الموجودة جيدة بما يكفي لإبقاء المرض عند الحد الأدنى (لأن عدداً أقل من جزيئات الفيروس تنجح في التكاثر داخل الجسم)، فإننا نميل إلى رؤية كميات أقل بكثير من الأجسام المضادة مقارنةً بالوقت الذي يدخل فيه شخص ما إلى المستشفى بسبب فيروس كورونا. وتعد اللقاحات طريقة رائعة للتغلب على هذه المشكلة: فهي تحفز جهاز المناعة لدينا لصنع الأجسام المضادة، وغيرها من الدفاعات المخصصة، حتى في حالة عدم وجود مرض.
في الوقت الحالي، يعد التركيب المناعي للسكان مزيجاً. ربما أصيب الآن الأشخاص الذين أصيبوا بمتحورات سابقة، بأوميكرون، حتى لو كانوا قد تلقوا اللقاح. صحيح أن بعض الأشخاص الذين أصيبوا من أحد متحورات «أوميكرون» السابقة في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني) أو حتى في وقت أقرب من ذلك، يصابون بـ«بي إيه. 5» وأصبحوا مرضى بسببه.
للأسف، هذا الوضع الحالي، حيث أصبح البعض عرضة للعدوى حديثاً بينما يظل البعض الآخر قيد الحماية، مثير للارتباك. وعليه، يبقى من الصعب التعميم على نطاق واسع وتقديم تنبؤات جريئة، فيما يخص بمدى قدرة الفرد أو السكان على مقاومة العدوى الآن أو في وقت لاحق. إلا أنه رغم مهارة «أوميكرون» في تفادي الأجسام المضادة، من الواضح أن المناعة السابقة، سواء كانت من اللقاحات أو الالتهابات السابقة، تحمي من التداعيات الخطيرة مثل الموت أو الحاجة للبقاء داخل مستشفى. ومع ذلك، يبقى هناك متحور يقاوم فوائد اللقاحات.
في الآونة الأخيرة، أفادت دراسة، لم تجرِ مراجعتها من قبل الأقران، بأن إعادة العدوى لا تقل خطورة عن العدوى الأولية، إلا أنه لا يوجد إجماع على هذا بأي حال من الأحوال بين العلماء والخبراء بالمجال الطبي. ويساور القلق علماء آخرين بشأن المخاطر طويلة المدى للإصابة بالعدوى المتعددة.
ومع ذلك، لا يوجد نقاش حول مسألة ما إذا كانت المناعة المكتسبة سابقاً، في معظم الحالات، تقلل من شدة العدوى اللاحقة. والواضح أن الإصابة بفيروس كورونا أكثر من مرة أو بعد التطعيم لا تؤدي بالضرورة إلى تعريض الشخص لخطر الإصابة بأخطر أشكال مرض كوفيد الطويلة المدمرة والمزمنة، رغم أن ثمة حاجة إلى مزيد من البحث لفهم ما قد يهيئ شخصاً لذلك.
ويجب أن تتحرك إدارة الغذاء والدواء بسرعة للسماح بجرعات معززة جديدة تستهدف متحورات أوميكرون. وتشير البيانات الحالية إلى أن الجرعات المحدثة، حتى فيما يخص متحورات «أوميكرون» السابقة، ستكون أكثر فاعلية في منع العدوى عن الاستمرار في الاعتماد على جرعات اللقاح المعززة الحالية، المعتمدة على فترة التفشي للفيروس الأصلي في 2019.
في غضون ذلك، إذا كنت مؤهلاً، تستدعي الحكمة حصولك على تعزيز بالجرعات المتاحة في الوقت الراهن، والتي لا تزال رائعة في الحيلولة دون البقاء داخل المستشفى والوفاة. (وهذا أمر يحمل أهمية خاصة لكبار السن)، كما أننا ننصح وبشدة بضرورة ارتداء قناع لحماية الوجه عند الاختلاط مع آخرين داخل أماكن مغلقة، وتجنب تناول الطعام في الأماكن المغلقة عندما تكون أعداد حالات الإصابة مرتفعة. لحسن الحظ، تتوافر كوكتيلات الأجسام المضادة أحادية النسيلة التي تظل فعالة ضد «بي إيه. 5».
من ناحية أخرى، يشعر معظم علماء المناعة الذين أعرفهم بتفاؤل حذر بشأن آفاقنا على المدى الطويل. لا نعرف بالضبط ما الذي سيفعله هذا الفيروس بعد ذلك، لكن غالبيتنا تثق بأنظمتنا المناعية، خصوصاً عندما نستعين باللقاحات والجرعات المعززة.
* عالم فيروسات وأستاذ مساعد في علم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة في جامعة ولاية لويزيانا هيلث شريفيبورت
* خدمة «نيويورك تايمز»