دين العقلاء... أي دين نتحدث عنه؟

دين العقلاء... أي دين نتحدث عنه؟

الأربعاء - 14 ذو الحجة 1443 هـ - 13 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15933]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

دعوت في مقال الأسبوع الماضي للاعتراف بالعقل مرجعاً مستقلاً، في وضع الأحكام الشرعية، موازياً للكتاب والسنة. وقلت يومها إنَّ هذا نقاش قديم في الفكر الإسلامي.
سوف أعرض اليوم ما أحسبه أموراً بديهية، تجيب عن السؤال الذي زعمت أنَّه مركز الجدل في دور العقل، سؤال: هل الفعل بذاته ينطوي على قيمة (صحيح/ خطأ، حسن/ قبيح). وهل العقل قادر على تشخيص تلك القيمة في الأفعال؟
أعتقد أنَّ كلَّ عاقل «في هذا الزمان» يعرف الجواب. ويطبقه فعلياً: تخرج من بيتك صباحاً فترى آلاف الناس قاصدين أعمالهم مثلك. تراهم يقودون سياراتهم في الاتجاه الصحيح وليس العكس. وحين يصلون أعمالهم، سينجزونها بالصورة المتفق عليها. وفي نهاية الدوام سيقصدون بيوتهم، وسيأكلون ما يعرفون أنَّه صحي. خلال هذا اليوم نقابل عشرات الناس، ونراهم يحدّدون مصالحهم ويتبادلونها، فيحصل معظمهم على بعض ما أراد. في اليوم نفسه نكتشف أشياءَ نعدّها خاطئة، مثل شخص يسوق سيارته بتهور، أو موظف يتلاعب في معاملة، أو ربما نذهب للبقالة فنجد الحليب فاسداً، أو نقرأ خبراً في جريدة فنقبله أو نرفضه.
نحن نقوم بهذه الأفعال اليومية لأنَّنا نظنُّها صحيحة. ونعترض على أخرى نراها خاطئة. فهل قرأنا في أي نص ديني وصفاً لهذه الأفعال وحكماً عليها، أم أنَّ عقولنا هي التي عرفتها فحكمت بصحتها أو خطئها، وبأنَّها تستحق الشكر أو التنديد؟
هذا ببساطة ما نسميه ذاتية الحسن والقبح في الأفعال، وقدرة العقل على إدراكها. ترى هل يختلف الناس في الموقف من السائق المتهور، أو تحديد قيمة الموظف المتلاعب، أو وصف الطالب المجتهد في دراسته؟
دعنا الآن نضرب أمثلة من تاريخ البشرية القريب. ونبدأ باتفاقيات جنيف (1949) التي وضعت ضوابط إلزامية لتصرفات المقاتلين في الحرب، غرضها حماية المدنيين ومنع الإبادة، وتخفيف الخسائر في البشر والعمران. خذ أيضاً المواثيق الدولية لحماية البيئة الكونية، مثل اتفاقية باريس للمناخ (2015) التي غرضها تنظيم الجهد الإنساني الطويل الأمد، لتلافي الكوارث البيئية. وخذ أيضاً المبادرات الكبرى، مثل منظمة «أطباء بلا حدود» ومنظمات السلام الأخضر، ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية، وغيرها. ثمة أمثلة كثيرة جداً من التاريخ القديم والحديث، تخبرنا عن قدرة الانسان على تحديد ما يصلح حياته وما يفسدها. إنَّ المسيرة التصاعدية في التاريخ البشري دليل قاطع على هذه القابلية.
تلك الأمثلة تحقق من دون شك غايات يريدها الدين، كالتراحم بين الناس وتنظيم مجتمعهم وتطوير معارفهم وحماية بيئتهم ومصادر عيشهم، وكبح انزلاق النزاعات إلى فجائع. هذه الأمثلة وكثير غيرها تبلورت ونضجت خارج إطار الدين، أقامها عقلاء البشر حين رأوها مصلحة راجحة أو دفعاً لفساد جسيم.
لاحظ أنَّنا نتحدث عن اتفاقات تنظم العلاقات بين دول، ويشارك في تنفيذها ملايين الأفراد، جميعهم يسعى نحو هدف واحد. ترى... إذا كان العقل البشري مؤهلاً لإنجاز مهام كهذه، فما هي المهام التي يعجز عنها في إطار الدين؟ وإذا كان العقلاء قادرين على إدارة الاختلاف بين عقولهم، على نحو يقيم اتفاقات بالحجم الذي أشرنا إليه، فلماذا تعجز العقول المختلفة عن فعل الشيء نفسه في الإطار الديني؟
أليس موضوع الدين هو سلوك البشر وأفعالهم. أليس مقصود الفقه هو تنظيم هذا السلوك، كي يؤدي أغراضاً محددة... فما هي الصعوبة الهائلة التي تسمح لعقل الإنسان بوضع اتفاقية تنظم العمل المشترك في 194 دولة، لكنه يعجز عن وضع حكم شرعي ينظم العلاقة بين شخصين؟
هل نريد الحديث عن دين في واقع الحياة، وقد عرضنا بعض جوانب هذا الواقع، أم نتحدَّث عن دين أسطوري يحلّق في أجواء الخيال وبين الكتب؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو