فرصة ضاعت على لبنان المجلَّل بالشدائد

فرصة ضاعت على لبنان المجلَّل بالشدائد

السبت - 10 ذو الحجة 1443 هـ - 09 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15929]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

منذ أن بدأت صيغة الاجتماعات العربية وفق الترتيب الأبجدي وذلك كي لا يبقى الانطباع السائد بأن الانعقاد حكر على مصر بحكم أن مقر الجامعة العربية في القاهرة، باتت كل دولة عضو تنتظر بلهفة وصول دور الانعقاد إليها فتتأهب للحدث المستضاف وتجري لهذا الغرض عمليات تأهيل لمقرات الاستضافة وتجميل للشوارع. والتأكد من أن كمية أعلام الدول الأعضاء متوفرة لديها. ولهذه الورشة كثير من الفعاليات وكل ذلك بغرض التباهي بأن استضافة هذه الدولة للاجتماع العربي كانت الأفضل وأن المضيف اكتسب سمعة طيبة تجد صداها في نفوس الأشقاء العرب. وهذا الصدى ينعكس على الارتياح تعزيزاً للمصالح على أنواعها.
والأهم من هذا التبرج، أن يتأمل المضيف في طبيعة علاقات الدولة مع الأشقاء المستضافين الذين يشاركون في المؤتمر الذي ينعقد بموجب الصيغة الأبجدية، والذي في حال لم يأتِ الانعقاد على أكمل وجه، فهذا يعني أنه سينتظر سنوات لكي يكون من حقه أبجدياً استضافة المؤتمر. وبالنسبة إلى ما يخص العلاقات فإن واجب المضيف تصحيح مواقف عاتية أو خلافية واستباق يوم الانعقاد ببضعة أسابيع بزيارات وتصريحات وخطوات ترتاح لها هذه الدول الشقيقة العاتبة أو تلك. كما تكون على هامش الزيارات والتصريحات التفافة على مواقف حافلة بالمفردات غير المستحبة والتي من شأنها إلحاق الأذى بالسمعة، وإطلاق أوصاف على ممثلي دول شقيقة أو صديقة لا تليق بقائلها، علاوة على أنها تتساوى مع قذيفة تطلق على روح حرَّم الله قتلها. ونحن لو أحصينا عشرات العبارات التي تندرج في هذا المنحى المتجني، لرأينا أنها ألحقت الأذى المتعمد بالوطن الكيان والشعب على حد سواء، وأضرت بشخص مطْلقها خصوصاً إذا هو من المعمَّمين.
مثل هذا السعي لتصحيح الصفحة اللبنانية الحافلة بالتجني على دول الاقتدار العربي بالذات لم يحدث. وبذلك بدا انعقاد الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب في بيروت يوم السبت 2 يوليو (تموز) 2022 خالي الحيوية، فلا التجنيات التي تنطلق من لبنان عولجت ولا العائد من التصريحات الشكلية والمرتجفة كان مثمراً، وبدا المأمول من الاجتماع لا يتجاوز عبارات منقوصة الدفء عكس ما هو المأمول من اجتماع يعقده رموز الدبلوماسية العربية الذين هم في العادة يعكسون مواقف أهل الحكم كل في دولته. وكان من شأن مشاركة وزراء خارجية كل الدول الأعضاء وليس الاستعاضة عن التمثيل الرفيع بتمثيل يعكس طبيعة التحفظ على لبنان الرسمي، أن يشكل الاجتماع دعماً كثير الفاعلية للبنان الذي يعيش منذ خمس سنوات أكثر سنوات الحكم خروجاً عن الأصول والواجبات مع تفريط ممنهج في العلاقة ذات العائد الإنقاذي سياسياً وإغاثياً. لكن الاجتماع تنطبق عليه تسمية اللقاء الموسّع وذلك لأن نسبة عدم مشاركة وزراء خارجية بعض الدول تفوق نسبة المشاركين. وهكذا بدا الذين حطوا رحالهم في بيروت يوم السبت 2 يوليو 2022 كما لو أنهم مثل الذين يشاركون في مأتم أو سياح خمس نجوم وبضع هلالات ليومين في بيروت المكلومة. ومن الجائز القول إن وزراء الخارجية الذين شاركوا لو كانوا على إحاطة بأن تمثيل دول مثل مصر والسعودية والإمارات والبحرين لن يكون على مستوى وزراء الخارجية لكانوا ربما آثروا المشاركة بالمستوى التمثيلي نفسه. وهنا وفي السياق نفسه يجد المرء نفسه يتصور أي مردود معنوي وعملي كان سيجنيه لبنان لو أن الدول المشار إليها تمثلت في المؤتمر على مستوى وزراء الخارجية وتحميل كل وزير من الخطوات والنوايا ما تجعل اللبناني الغارق في جحيم إدارة للحكم غير مسبوقة يتفاءل بأطياف الطمأنينة تبدد سوء حياته ومساوئ حاكمين بجناحيهم؛ جناح القابض الحليف المقاوم وجناح المقبوض على قراره في انتظار تسديد آخر استحقاق عليه بعد شهرين. مع ملاحظة أن هذا الجناح يتطلع حالماً إلى تجديد صيغة تقاسم الحكم. ومن شأن القمة العربية الدورية التي تتأهب الجزائر لاستضافتها أن تكون طبيعة مصير الحكم في لبنان إما موضوع تشاور وإما من البنود في جدول الأعمال التي تتطلب الحسم كي لا ينتهي الأمر بلبنان خارج الجمع العربي كما حال سوريا التي كان أمراً لافتاً أن الاجتماع التشاوري الدبلوماسي العربي ينعقد في بيروت التي كانت ذات يوم «هونغ كونغها» على مسافة سبعين كيلومتراً من عاصمة الأمويين سابقاً.
كما يبقى ما هو الألفت ونعني بذلك أنه في الوقت الذي كانت فيه الدولة الرسمية للبنان حائرة في أمرها وماذا ستقول للأشقاء الوافدين إلى الاجتماع في بيروت، كانت الدولة غير الرسمية تنجز انعقاداً وتوصيات ولقاءات وزيارات بروتوكولية إطلالة على مستوى القمة الثورية الفلسطينية متمثلة بزعيم «حماس» إسماعيل هنية وطاقم قيادة التنظيم الثوري ويقول الضيف ومضيفه «حزب الله» من التعابير التي ذكَّرت بعض اللبنانيين بما كان يقوله الرئيس ياسر عرفات. وفيما كان الاجتماع الدبلوماسي العربي باهتاً بدءاً وختاماً فإن القمة الثورية («حزب الله» - «حماس») كانت على درجة من التحدي الذي لا رفْض ولا تحفُّظ ولا اعتراض عليه من رئيس الدولة الذي لو أحيط مسبقاً بطبيعة إطلالة إسماعيل هنية ورفاق حركتهم الثورية على لبنان، لكان تمنى على شريكه في حكم لبنان بحاله الحاضرة، إرجاء زيارة الأشقاء الفلسطينيين وفعاليات زيارتهم إلى ما بعد انقضاء الاجتماع العربي. ولكن سبق السيف الثوري العذل العوني - الباسيلي. في هذا يجاز التساؤل: هل لو أن مرجعية سياسية لبنانية حزبية وجهت الدعوة إلى زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي كي تزور بيروت وتعقد فيها، باعتبارها عاصمة مباحة أو مستباحة أو ذات خصوصية ديمقراطية، مؤتمراً صحافياً كان سيتم استقبالها في صالة الشرف في المطار وتزور بحكم شأنها الإيراني المهم الرؤساء ميشال عون، ونبيه بري، ونجيب ميقاتي؟
في أي حال ليست جديدة فرصة أن لبنان يضيِّع فرصة عربية فضية، هذا اللبنان المجلل بالأوزار والأحزان والشدائد على أنواعها والفاقد بالتدرج ملامح خصوصيته ورونق معالمه كدولة كانت حجزت كرسياً لها في المشهد المتنامي والمتطور، فقد ضيَّعت الفرصة تلك طبيعة الإمساك بالدولة من طرفين غير مقتنع كل منهما بمفهوم الآخر ومشروعه، لكن التحالف كان رفقة طريق دفع المواطن اللبناني أثماناً لا حصر لها وربما لن يكون هناك علاج للنوائب على أنواعها في المدى المنظور. ولن يغيِّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وبولاءاتهم. والله الشاهد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو