نجدة سياحية سعودية خليجية... فتطْمئِن النفوس

نجدة سياحية سعودية خليجية... فتطْمئِن النفوس

الأحد - 19 ذو القعدة 1443 هـ - 19 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15909]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

يعيش اللبنانيون ظروفاً معيشية بالغة القساوة، بينما رموز الحكم في القصرين والسراي الواحدة، ومعهم رموز الحكم غير المعلَن رسمياً وسائر الأطياف المرفرفة زعاماتها في فضاءات خارجية على أنواع مشاربها وتؤدي فروض الولاء لأصحاب الأجندات، غير متحسسةٍ ما الذي أصاب الناس من مفاعيل هذه الأجندات، ينعمون بأطايب مغانم السُّلطة وودائع المغلوب على أمرهم من الشعب المستولى على حقوقه.
ولكم يبعث الأسى في النفس إلى درجة الحزن حتى الشعور باليأس هذا الذي تكابده ألوف العائلات التي كانت حتى قبل خمس عشرة سنة مضت على درجة من الطمأنينة تحققت بفعل وقفة تتسم بالنخوة والقلق الصادق على وطن له في أولويات أهل الحُكْم السعودي حيز رسم معالمه الملك عبد العزيز، وقرأه أولياء الأمر من بعد رحيله بكثير من الحرص، مضافاً إلى ذلك أن نعمة الله على المملكة التي كرَّمها الله بالحرميْن الشريفيْن، قبل نعمة ثروة النفط، رفعت نسبة الاهتمام من جانب الملوك الأبناء، وتعزز بفعل ذلك الدور الذي أوصى المؤسس باعتماده، وعناوينه الرئيسية توجزها عبارة «امح زلتهم وأقِل عثرتهم وانصح لهم واقضِ لوازمهم بقدْر إمكانك».
في سنوات السبعينات والثمانينات السالفة التي عاشها لبنان، الذي غاب فيه الوعي عن العقول وحلّت الغرائز الشريرة بامتياز، وإلى درجة أن الوطن الذي له في نفوس أولياء الأمور في المملكة مكانة تتجاوز الغرض السياسي، كاد يتلاشى كصيغة هي عملياً حافظة وجوده، نجد القيادة السعودية تبتكر مسعى غير مسبوق في مدار الصراعات السياسية العربية. وهذا المسعى اكتسب الترحيب منذ اللحظة الأُولى على طريق اعتماده أن المملكة لم تكن طرفاً عربياً كما أطراف أنظمة ثورية عربية تواصل ضخ المال والسلاح في الأتون لكي تتواصل الحرب الأهلية فلا ينطفئ اللهب. ثم جاء المسعى السعودي بمثابة الماء الذي يطفئ، والذي كان الترحيب الشعبي الرحب بمثابة استفتاء عليه مقرون بالأدعية أن يبلغ مداه، وبذلك تطمئن النفوس وتلتئم الجراح وتبدأ حقبة الهداية تطوي حقبة أقرب إلى الكفر منها إلى الضرورة الوطنية، على نحو ما كانت عليه الآيديولوجيات من جانب أطراف الاقتتال تتطاير في سماء وطن يعيش حالات من الاحتراق.
وعندما انتهى المسعى السعودي الخيِّر إلى «اتفاق الطائف» بعد شهر من الحوار الرحب الذي تم في ظل رعاية أخوية لا ضغوط فيها ولا شروط، ولخص الملك فهد باسم المملكة القيادة والشعب جوهر الإنجاز بعبارة «إذا كان الشعب اللبناني في خير وبحبوحة انعكس ذلك على المملكة، كما العكس صحيح»، فإن الجموع اللبنانية التي كانت ترنو إلى سماع النبأ الذي يثلج الصدور ويطفئ بشكل نهائي جمرات الحرب، حمدت رب العالمين، وشكرت أريحية المملكة ونخوتها، فليس هنالك إنجاز بمستوى إنقاذ وطن ونجاة شعب من شرور ألاعيب آخرين خارج الحدود بمقاديره.
ما كان يُخشى على لبنان في حقبة النصف الثاني من السبعينات، وما تلا ذلك من سنوات الثمانينات، وإلى حين إنجاز «اتفاق الطائف» (أكتوبر «تشرين الأول» 1989)، يُخشى عليه في الزمن الحاضر أكثر، ذلك أن ألاعيب ومشاريع الأغراب راهناً أشد وطأة من ألاعيب السبعينات. وبعدما كانت خشية اللبنانيين المعيشية في مستوى التحمل، ها هي بدأت تتساوى مع الخشية على وقوع الوطن الكيان بعد الصيغة في براثن لا قدرة له من دون السند العربي الذي ينجد كما نجدة الماضي في الثمانينات علاجاً لمحنة الحرب فيه بفعل تنشيط خارجي للخوارج فيه على أن يزدادوا تعصباً، ويضيفوا المزيد من الأعمال والعمليات المكروهة، خلافاً للإرادة الإلهية، حول أنفس حرّم الله قتْلها.
ما يعيشه الوطن الصغير والمستصغَر والمستضعَف يفوق الوصف. ما كان بالأمس غير ما هي عليه الحال منذ خمس سنوات وعلى مدى أيام. ذبول ما بعده ذبول. ويأس لا يشبهه يأس. ولا أمل يرتجى من الذين يمسكون بمقاليد السُّلطة. لا الكهرباء متوفرة ولا المياه نظيفة ولا الإدارات تعمل. ولا مَن يجد سبيلاً إلى عمل. والأهل على درجة من القلق؛ إذ كيف ومن أين سيسددون أقساط الأولاد للمدارس. وأما ظاهرة الدواء المفقود والرغيف المنشود، فإنها سطور متكررة في صفحات كتاب المحنة اللبنانية.
وأما الذين خطفوا الوطن الطبيعي ويستمرون في احتجازه كرهينة، فإنهم في عالم مشاريعهم التي تدخل في بند مستحيلة التنفيذ، ولا ينهي هذا الاحتجاز ما دام لبنان في غربة عربية يوظفها الراهن الطامع، عِلْماً بأنه توظيف على حساب الناس ولمصلحة أطراف تفترض أن المرح في الأرض يحقق لها بلوغ قمة الجبال طولاً.
قد تكون صيغة نجدة عربية للبنان المتقطع الأنفاس بمستوى نجدة أكتوبر عام 1989 (اتفاق الطائف) غير متوافرة المقومات، بسبب حالة التخبط الذي تعيشه الدول الكبرى. ولكن النجدة الآن، وإن كانت صغرى تمهيداً للكبرى التي لا نجدة غيرها، وإن طال المدى، ربما تُبعد عن لبنان ما يمكن أن يخشاه من أن يأخذ التطلع الإيراني طريقه إلى التنفيذ، وهو أمر لم يتكتم عليه النظام الثوري الإيراني عندما ردد مكنونه الجغرافي، حول أن لبنان آخر حدوده لجهة الأبيض المتوسط، وصولاً إليه من العراق المرحّب إيرانياً (المركز والأذرع) بدور أميركا في إسقاط نظامه الصدَّامي، وبذلك يسهُل وضع اليد عليه، وصولاً إلى سوريا التي تم نسبياً وضع اليد على قرارها، وإن كان الرئيس بشَّار الأسد افترض أنه باليد الروسية يمكنه كبح تطلعات إيران، وبهذا بات أسير اليدين اللتيْن تشعلان الأزمات على أنواعها: يد الرئيس بوتين ويد إيران التي لا موقف حاسماً لديها، عدا التنديد بالضربات الجوية المتكررة من جانب إسرائيل عبْر المجال الجوي اللبناني على مواقع في سوريا، فلا ترف بذلك عين بوتين، عدا التنديد الذي لا يوقف تحرشاً، ولا يثلج النظام، كما الروس، ولو مرة واحدة، صدور مريديهما بعملية تنهي التعرض الإسرائيلي في سورياهما. معادلة عصية على التفهم الموضوعي لها. كما العصية المماثلة بأن الأمين العام لـ«حزب الله»، في لبنان، هدد اليونان بأعظم أمور، مستنداً في ذلك إلى عشرات الألوف من ترسانته الصاروخية الإيرانية الموزعة على أرجاء من الوطن المستصغَر المستضعَف (لبنان). ومع أن التهديد لليونان ليس فقط لدواعي ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل مقدمة لاكتشاف هائل من الغاز، وإنما مساندة واجبة من جانب «لبنان الإيراني الهوى»، ممثلاً بـ«حزب الله وسيده» للنظام الإيراني ولمرشده الغاضب أشد الغضب على اليونان المتشابك معها، بعد مصادرة ناقلة نفط إيراني وتسليم المحتوى للولايات المتحدة. واللافت أن المرشد خامنئي الذي شخصياً برر في خطاب يوم السبت 4 يونيو (حزيران) عند ضريح الإمام الخميني، الاستيلاء على ناقلتيْن يونانيتيْن، حفَّز نصر الله على أن يرفد تهديد المرشد لليونان بتهديد بالمستوى نفسه، من دون أن يستوقفه أن تهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من قبل لليونان لم يحقق له مردوداً عملياً، لكي يتحقق للتهديد من جانب نصر الله ما يفيد في إرباك عملية تداخلت فيها القوى الكبرى.
في أي حال، تندرج مفردات تحذير اليونان مرفقة بمواقف أكثر حدة، كمحصلة نهائية في بند إبقاء يوسف، أي الشعب اللبناني بأكثريته، في الجبّ، على أمل أن ينتظره مارَّة يخرجونه منه، وتعكس جانباً من حالات التخبط في المواقف.
في انتظار أن تتبدل خريطة طريق على أهبة رسم معالمها في ضوء استضافة المملكة للقمة السعودية - الأميركية - الخليجية - العربية التي طالما يتمناها الرئيس بايدن كإنجاز يحقق له ما يرنو إليه، وهو تجديد الولاية الرئاسية، وينهي حسده لما حظي به سلفه الرئيس ترمب. ولا بد سيكون مصير لبنان الدولة والكيان وارداً في مضمون تلك الخريطة، لجهة استدراك وقوع لبنان الكيان والإنسان في الهاوية. هذا إلى جانب تحريك جمود حالات معلَّقة، وبالذات موضوع اعتماد الرؤية المتعلقة والعادلة للقضية الفلسطينية، وبما يحقق قيام الدولتيْن المتسالمتيْن المتعاونتيْن المرحب بهما عربياً.
ما يرنو إليه اللبنانيون في انتظار الآمال المنشودة نجدة سياحية صيفية؛ كأن يوحى من أُولي الأمر لأبناء الشعب السعودي بأن قضاء بعض الأيام سياحة في لبنان هو أمر مستحب، فضلاً عن أنه يثلج الصدور اللبنانية التي تكاد الخشية تتقطع الأنفاس فيها. ومن شأن تقاطر الأشقاء السعوديين والخليجيين إلى الربوع اللبنانية التي طالما أحبها أجدادهم وآباؤهم، ولا بد سيحبونها بمثل شغفهم بالسياحات الأوروبية والتركية والمصرية، تزامناً مع تقاطر أفواج اللبنانيين الآتين من الاغتراب الأجنبي والخليجي، ليس فقط إنقاذ مصالح ومشاريع وإبعاد كوابيس من القلق تصل أحياناً إلى درجة الخوف. فما هو أهم من ذلك أن الأمل يتجدد في عودة أيام من الزمن اللبناني - السعودي - الخليجي لا يريد الشعب اللبناني بأكثريته أن يكون مجرد ذكريات جميلة، وإنما حالة تتجدد.
وبالنجدة السياحية بعد الأضحى المبارك، يتمهد الطريق إلى ما يعزز العلاقة، وبحيث يحاسب البعض من ذوي تعكير الصفو أنفسهم على ما فعلوه وقالوه.
... وربك الغفور ذو الرحمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو