إدوارد نيديرمير
TT

إيلون ماسك وصناعة الأسطورة الشخصية

أثار تردد إيلون ماسك المتكرر على صفقته لشراء «تويتر»، الكثير من التساؤلات حول جديته. إن وعوده بالحفاظ على حرية التعبير وحظر الروبوتات غير المرغوب فيها، وزيادة الإيرادات بشكل كبير، قد تكون قد حازت مباركة مؤسس الشركة جاك دورسي، لكن مع هبوط أسهم «تويتر» إلى مستوى أقل بكثير من سعر عرضه، يبدو أن السيد ماسك يتراجع عن الاتفاق الذي جعل حتى وول ستريت يزداد تشككاً.
بالنسبة لنا، نحن الذين اتبعنا سلوكيات السيد ماسك لبعض الوقت، فإن آخر تطور في مسعاه من أجل منصة الوسائط الاجتماعية له طابعه الخاص. الطريقة التي أدار بها أعماله وتسويقها منذ أيام «تسلا» الأولى تكشف عن خلل وراء المظهر الخارجي لصناعة السيارات بالتقنيات المستقبلية والنجاحات السابقة لسوق الأوراق المالية. وكثيراً ما يعلن عن ملامح جديدة دون التشاور مع فريقه، ويجبر موظفيه على سد الفجوة الهائلة بين أحلامه والواقع التكنولوجي. ويؤدي هذا الانقطاع إلى جعل مكان العمل مهملاً وقاسياً في بعض الأحيان؛ مما يؤدي إلى عواقب وخيمة.
في عام 2016، وعد السيد ماسك بأن سيارات «تسلا» الجديدة ستكون قادرة على القيادة الذاتية من خلال لا شيء أكثر من تحديث البرمجيات في المستقبل، حتى يمكن لأصحاب السيارة «تسلا» شراؤها مقدماً بآلاف الدولارات.
ذلك الإعلان عن القيادة الذاتية الذي أسعد معجبيه جاء كإلهام أكثر إثارة لمهندسي المشروع، الذين اكتشفوا مهمتهم الجديدة المدهشة عندما نشر السيد ماسك تغريدة حول ذلك. لم يحصل مشترو «تسلا» على تحديث البرمجيات الموعود به. فالسيارات لا تزال عاجزة عن القيادة الذاتية من دون بشر. لكن منذ ذلك الحين، كان يكرر في كل عام روايات مختلفة لهذه المزاعم. إن قدرته على بيع أوهام الخيال العلمي على نحو متكرر لجمهوره الساذج تُشكل الأساس لإمبراطورية هائلة وثروة ضخمة.
أصيب مهندسو تصنيع السيارة «تسلا» بالذعر عندما التزم السيد ماسك علناً سنة 2016 بتطوير مصنع يعمل آلياً بالكامل ولا يتطلب أي عمال بشريين. وقد أنشأت الشركة خطين للتجميع حاولا أتمتة المهام التي تتطلب مستويات من البراعة والمرونة لا تزال الروبوتات الحديثة بعيداً عن تحقيقها في الواقع. وفي نهاية المطاف، تراجع السيد ماسك وعكف على خط إنتاج وتجميع بشري كثيف العمالة، في خيمة في الهواء الطلق.
وقد استغل السيد ماسك هذه الفرصة الجديدة لبناء أسطورته، وذكر أنه قد نام في مصانع «تسلا» خلال هذه الفترة، والتي أطلق عليها اسم «جحيم الإنتاج». وما تركه من تعظيم الذات كان واقعاً مزرياً بالنسبة لموظفيه. لم يجلب حضوره أي خبرة تصنيعية حقيقية، بل مجرد ضغط زائد من جانب مدير امتزج خزيه العلني بتصريحات بالغة الفجاجة مثل «أستطيع أن أكون على جزيرتي الخاصة مع عارضات جميلات، وأحتسي شرابي المفضل — لكنني لم أفعل ذلك».
في تقريري عن «تسلا»، شعرت في بعض الأحيان أثناء مقابلاتي مع الموظفين وكأنني معالج نفسي أكثر من كوني صحافياً، حيث سعوا إلى تفكيك الشعور بالفخر والرضا عن عملهم عن صدمات العمل لدى السيد ماسك. يُعتبر البقاء على قيد الحياة لمدة 10 سنوات من العمل القاسي المستمر في «تسلا» إنجازاً نادراً، ومن الشائع أن يتم تجفيف المواهب أو التخلص منها قبل نهاية فترة إسناد أسهم للشركة البالغة 4 سنوات.
تتبدى هذه البيئة القاتمة أكثر وضوحاً بالنسبة للنساء والأقليات العرقية. وتزعم الدعاوى القضائية التي أقامها العمال وإدارة التوظيف المنصف والإسكان في ولاية كاليفورنيا، أن العمال السود كُلفوا أشغالاً بدنية وضيعة في أجزاء من المصنع الملقب بـ«المزرعة»، حيث تعرضوا لإساءات عنصرية وكتابات عرقية على الجدران. ورفعت بعض العاملات دعوى قضائية، زاعمات أن ثقافة التحرش الجنسي «اللفظي والبدني» منتشرة في جميع أنحاء المصنع من قِبل المشرفين. وكان السيد ماسك غير مبالٍ، فبعث رسائل بالبريد الإلكتروني إلى العمال الذين تعرضوا للإساءة يقول «من المهم أن يكون المرء سميك البشرة - أي بليد المشاعر بلا أحاسيس».
تكمن مصلحة السيد ماسك في الإشراف على مشاريع الأعمال الريادية، التي تدفع إلى الأسواق بعناصر جديدة ومثيرة وبراقة. وفي المجالات الأكثر تعقيداً من العمل مثل الصناعات التحويلية والخدمات والمبيعات، فإنه يميل إلى التدخل فقط من أجل إطفاء الحرائق المهنية التي تهدد المستقبل القريب للشركة بصفة منتظمة (ولا نقصد الحرائق الفعلية التي دمرت مراراً مصنع (فريمونت) في كاليفورنيا، على مر السنين).
وهذه نقطة الضعف الجوهرية التي تعاني منها كل مؤسسة تعمل ضمن منظومة عبادة شخص المدير: فالقائد العزيز لا يستطيع أن يكون في كل مكان، أو أن يتخذ كل قرار، ولكنه كثيراً ما يفشل في تقديم رمز واضح للقيم يسمح للمديرين بتشكيل قراراتهم بصورة مستقلة، بحيث تتمحور حول الأهداف المشتركة للمؤسسة. وعندما يكون نجاح الشركة مرتبطاً بنزوات رجل واحد، فإنك ترى ظواهر عجيبة للغاية، مثل المديرين الذين يقررون ما إذا كانوا سيعرضون على السيد ماسك مشكلات الشركة من عدمه.
عندما يقوم صاحب العمل بإدارة شركات الأنفاق، والصواريخ النفاثة، وزراعة الدماغ، بالإضافة إلى شركة سيارات عالية المستوى، فإن أكثر العقول ذكاءً سوف تنفصل أحياناً عن حقائق القرارات التي يجب اتخاذها. وبعد انهيار شركتي «ثيرانوس» و«وي وورك» - وهما من شركات المؤسسين الواثقين الذين أصروا على اعتزامهم تحقيق طموحاتهم المتزايدة، شريطة حصولهم على المزيد من الوقت والمال - فإن اعتماد السيد ماسك على الضجيج والحملات الإعلامية الصاخبة، هو أمر مثير للمزيد من الإزعاج بصورة فجة.
والواقع، أن الفرق الرئيسي بين أبطال السيد ماسك وأبطال وادي السيليكون المنهارين سالفاً، هو مجرد تمكنه من الوفاء ببعض الوعود: «تسلا» تصنع السيارات، و«سبيس إكس» تصنع الصواريخ. لكن مع ظهور عدد من الوعود القديمة - مثل السيارات ذاتية القيادة بالكامل أكثر طموحاً وأقل معقولية، فإن التمييز بينه وبين هؤلاء الأبطال الذين سقطوا بدأ يفقد معناه. وقائمة الالتزامات الطويلة التي لم يفِ بها - من شبكة شحن مركبة الطاقة الشمسية بالكامل، ونظام التصنيع المؤتمت بالكامل، والحافلة الصغيرة ذاتية القيادة، وحتى السيارة العاملة بالطاقة الصاروخية - تتجاوز إنجازاته الواقعية على نحو صارخ.
لم يُضف السيد ماسك، من خلال انتقاله لشراء «تويتر»، تشتيتاً جديداً إلى قائمته الطويلة فحسب، وإنما أظهر أيضاً الدافع نفسه للإعلان عن قراراته الكاسحة علناً. وعلى الرغم من أنه حقق بعض النجاحات في تحقيق بعض ميزات المستخدمين في «تسلا»، فإن أهدافه المتناقضة المتمثلة في زيادة شفافية اللوغاريتمات، والقضاء على الروبوتات غير المرغوب فيها على «تويتر»، هي أكثر الإشارات وضوحاً على اعتزامه فرض إرادته على الخدمة، من دون الاستفادة من خبرة العمال الذين يصارعون مع تحديات «تويتر» الأشد صعوبة.
في نهاية المطاف، فإن أهداف السيد ماسك لـ«تويتر»، كما هي لـ«تسلا»، ليست اتخاذ القرارات الصحيحة لشركاته أو الأشخاص الذين يجعلونها ممكنة. إنهم على وشك اللعب مع الجمهور مباشرة وصقل وتلميع الأساطير التي تبقي الأجساد والعقول تتحرك، خلال الأعمال والشركات التي تمضغهم ثم تبصقهم. والآن، إذا وقعت شركة «تويتر» في قبضته، سيكون السيد ماسك قد استولى على أداة صناعة المنتج، الذي كان دائم الاهتمام به للغاية: صناعة الأسطورة الشخصية.

* خدمة «نيويورك تايمز»