تراجع حاد للاقتصاد الصيني... والآمال معقودة على يوليو

سجلت الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين وفق أرقام رسمية نشرت الاثنين (رويترز)
سجلت الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين وفق أرقام رسمية نشرت الاثنين (رويترز)
TT

تراجع حاد للاقتصاد الصيني... والآمال معقودة على يوليو

سجلت الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين وفق أرقام رسمية نشرت الاثنين (رويترز)
سجلت الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين وفق أرقام رسمية نشرت الاثنين (رويترز)

سجلت الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين، وفق ما أظهرت أرقام رسمية نشرت الاثنين، فيما تواجه البلاد أكبر تفشٍ وبائي منذ ظهور جائحة «كورونا». ويؤثر تكثيف فحوص كشف الإصابات والإجراءات الصحية بشكل كبير على التنقل والاستهلاك، في حين أن إغلاق شنغهاي منذ أبريل (نيسان) يشل سلاسل التوريد.
وما زال سكان العاصمة الاقتصادية للصين، البالغ عددهم 25 مليوناً، يخضعون لقيود صارمة، فيما تعزز مدينة بكين إجراءاتها لمكافحة «كوفيد» بعد الارتفاع في عدد الإصابات بالوباء.
وأعلن المكتب الوطني للإحصاء، أن مبيعات التجزئة، المؤشر الرئيسي لإنفاق الأسر، تراجع بنسبة 11.1 في المائة على أساس سنوي الشهر الماضي. وكان ذلك الشهر الثاني على التوالي الذي يسجل فيه هذا المؤشر انخفاضاً بعد - 3.5 في المائة في مارس (آذار) الماضي.
وقال مكتب الإحصاء الصيني، إنه يتوقع تحسن الاقتصاد الصيني في مايو (أيار)، وتسارع التعافي في الاستهلاك، موضحاً أن الصين تمضي قدماً بشكل مطرد في استئناف الإنتاج في المناطق المتضررة من فيروس كورونا، مضيفاً أن الاقتصاد الصيني سيحافظ على توجه قوي نسبياً في الربع الثاني.
من جهة ثانية، ارتفع معدل البطالة الذي تراقبه السلطات بشكل خاص، من 5.8 في المائة في مارس إلى 6.1 في المائة في أبريل. وهذه النسبة قريبة من أعلى نسبة سجلتها البطالة عند 6.2 في المائة في فبراير (شباط) 2020، في ذروة موجة الوباء الأولى. لكن المؤشر يرسم صورة غير كاملة للوضع، ففي الصين تحتسب البطالة لسكان المدن فقط، فيما يستثنى ملايين العمال المهاجرين.
وأعلنت السلطات، الجمعة، إجراءات لتشجيع الشركات على توظيف المزيد من الشبان، في حين يتوقع أن يدخل عدد قياسي من المتخرجين سوق العمل هذا العام. وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أنه طلب من الشركات التابعة للدولة أن تساهم أيضاً في ذلك.
وحددت بكين هدفاً يتمثل في توفير 11 مليون وظيفة هذا العام، وهو رقم أقل من عام 2021 (12.69 مليون). لكن هذا المعيار لا يقدم معلومات حول عدد الوظائف التي قضي عليها بسبب الأزمة الصحية.
من جانبه، سجل الإنتاج الصناعي في أبريل انخفاضاً بنسبة 2.9 في المائة خلال عام مقارنة بزيادة بنسبة 5 في المائة في مارس. وكان المحللون يتوقعون تباطؤاً حاداً (+0.5 في المائة)، فيما أدى إغلاق شنغهاي إلى تعطيل سلاسل التوريد.
وتعد مدينة شنغهاي نقطة دخول وخروج رئيسية للبضائع في الصين. وحذر الخبير الاقتصادي ريموند يونغ، من بنك «إي إن زي»، من أن إغلاقها لديه «تأثير كبير يهدد» التجارة العالمية.
بدوره، قال تومي وو الخبير الاقتصادي الصيني من مجموعة «أكسفورد إيكونوميكس»، إن «إغلاق شنغهاي المطول وتأثيره المتواصل عبر الصين، بالإضافة إلى التأخيرات اللوجيستية الناتجة عن التدابير الصحية... أثرت بشدة على سلاسل التوريد المحلية». وأشار وو إلى أن استهلاك الأسر «تأثر بشكل أكبر بعد» بالإجراءات الصحية، فيما اعتمدت بكين منذ فترة طويلة على الطلب المحلي لتحفيز اقتصادها.
أما بالنسبة إلى استثمار رأس المال الثابت، فقد تباطأ نموه خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام إلى 6.8 في المائة، مقابل 9.3 في المائة نهاية مارس، وفقاً لبنك «بي إن إس».
وسيكون تأثير «كوفيد» على النشاط «قصير الأجل»، كما قال الناطق باسم «بي إن إس» فو لينغوي، معتبراً أن تعافياً يلوح في الأفق.
ومع ذلك، فإن الإجراءات المفروضة لمكافحة «كوفيد» تهدد هدف النمو البالغ 5.5 في المائة الذي حددته بكين، في عام حساس سياسياً يتوقع أن يشهد إعادة تعيين شي جينبينغ على رأس ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
ويشك العديد من الاقتصاديين في أن تتمكن الصين من تحديد هدفها الذي سيكون بمثابة أضعف نمو في الصين منذ عام 1990 باستثناء عام 2020، العام الذي اكتشفت فيه الجائحة.
وقال رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ، في خطاب تناقلته وسائل الإعلام على نطاق واسع، السبت، «إن استقرار الاقتصاد ليس فقط مسألة اقتصادية، بل هو أيضاً مسألة استقرار اجتماعي»... لذلك، فإن السلطة ستضطر إلى «تسريع الإجراءات اللازمة للانتعاش» الاقتصادي، وفق شركة «غافيكال دراغونومكس».
وبهدف دعم النمو، خفضت بكين سعر الفائدة على الرهن العقاري لمشتري المنازل للمرة الأولى الأحد. وقد أدت العقارات وعمليات البناء التي تشكل أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي للصين، دوراً رئيسياً في الانتعاش عام 2020، بعد الموجة الأولى من الوباء. لكن هذين القطاعين ما زالا منهارين: في أبريل، انخفضت مبيعات المنازل بنسبة 39 في المائة على أساس سنوي وفق «بي إن إس».


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

صافي أصول مصر الأجنبية يرتفع لمستوى قياسي عند 29.5 مليار دولار في يناير

بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

صافي أصول مصر الأجنبية يرتفع لمستوى قياسي عند 29.5 مليار دولار في يناير

بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة التي جذبت أعداداً كبيرة من السياحة خلال العام الماضي (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أظهرت بيانات البنك المركزي المصري، الاثنين، أن صافي أصول مصر الأجنبية ارتفع 4.02 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) ليصل إلى مستوى قياسي عند 29.54 مليار دولار، بدعم من تدفقات الدولار بفضل الاستثمارات الخليجية وتحويلات العاملين في الخارج القوية وقطاع السياحة.

وارتفعت تحويلات العاملين في الخارج إلى مستوى قياسي بلغ أربعة مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول)، ليصل مجموعها في 2025 إلى 41.5 مليار، ارتفاعاً من 29.6 مليار في 2024.

وأظهرت بيانات البنك المركزي أن الأصول الأجنبية للبنوك التجارية قفزت بنحو 1.67 مليار دولار، في حين لم تشهد أصول البنك المركزي تغييراً تقريباً. وانخفض صافي الالتزامات الأجنبية لدى كل من البنوك التجارية والبنك المركزي.

وكان صافي الأصول الأجنبية في مصر، الذي يشمل الأصول لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، قد تحول إلى السالب في فبراير (شباط) 2022 بعدما تدخل البنك المركزي لدعم العملة في مواجهة الدولار. ولم يعد إلى المنطقة الإيجابية إلا في مايو (أيار) 2024 عقب خفض حاد لقيمة العملة في مارس (آذار) 2024.


ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 50 % بعد وقف قطر للإنتاج

ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
TT

ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 50 % بعد وقف قطر للإنتاج

ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)
ارتفع الغاز في أوروبا بأكثر من 48 % ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة بعد إعلان قطر توقفها عن الإنتاج (قطر للطاقة)

ارتفع سعر الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المائة، خلال تعاملات النصف الثاني من جلسة يوم الاثنين، بعد أن أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في أعقاب هجوم إيراني على مرافقها الإنتاجية.

وقرابة الساعة 12:55 بتوقيت غرينتش، ارتفع عقد «تي تي إف» الآجل، وهو يمثل المرجع الأوروبي، بأكثر من 48 في المائة ليصل إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة، وهذا أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط) 2025 عندما بلغ 47.70 يورو للميغاواط/ساعة.

لكن هذا السعر لا يزال أقل بكثير من المستويات التي بلغها عام 2022 مع بداية الحرب في أوكرانيا، عندما تجاوز 300 يورو.


«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تعيش أسواق الطاقة حالة من الاستنفار القصوى في أعقاب التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط. فقد أدى اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى شل حركة الملاحة فعلياً في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ أكثر من 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما أثار مخاوف من «صدمة إمدادات».

يُعدُّ مدى سرعة عودة حركة ناقلات النفط إلى وضعها الطبيعي في مضيق هرمز أمراً بالغ الأهمية لأسواق الطاقة، إذ ينقل هذا المضيق خُمس إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات «جي بي مورغان» إلى أن توقف حركة الناقلات لمدة 25 يوماً سيؤدي إلى امتلاء خزانات التخزين لدى الدول المنتجة، مما سيجبرها على خفض الإنتاج.

وشهد يوم الاثنين قفزات سعرية حادة في أول جلسة تداول منذ شن الهجوم يوم السبت، ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة تصل إلى 13 في المائة ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وفي الوقت ذاته، أعلنت شركات التأمين عن إلغاء بعض وثائق التأمين لتغطية السفن في المنطقة. بينما أعلنت وكالة «إس آند بي غلوبال بلاتس»، المتخصصة في تقارير أسعار النفط، تعليق عروض الشراء والبيع لتقييمات أسعار المنتجات المكررة في الشرق الأوسط التي تعبر مضيق هرمز؛ بسبب اضطرابات الشحن الناجمة عن النزاع الأميركي الإيراني. وأضافت الوكالة، التي تُعدّ من أكبر مزوِّدي معلومات الأسعار والمعاملات في أسواق النفط والوقود، أنها تُجري مراجعةً لآلية تسعير النفط الخام بالشرق الأوسط.

وعلى صعيد التوقعات، حذَّر محللو «سيتي غروب» من استقرار الأسعار في نطاق 80-90 دولاراً، بينما رفع «مورغان ستانلي» توقعاته للربع الثاني إلى 80 دولاراً للبرميل. وفي حال استمر إغلاق المضيق، حذَّرت «وود ماكنزي» من أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ«أوبك بلس» ستصبح غير متاحة، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز 100 دولار للبرميل.

أزمة الغاز

لم تتوقف الأزمة عند النفط، بل انتقلت إلى الغاز الطبيعي، حيث سادت حالة من الذعر في الأسواق الأوروبية مع قفزة تجاوزت 30 في المائة في أسعار الغاز، عقب إعلان «قطر للطاقة» تعليق عمليات الإنتاج والتصدير. وأكَّدت وزارة الدفاع القطرية أن طائرة مسيَّرة إيرانية استهدفت منشأة معالجة الغاز البرية في مدينة «رأس لفان» الصناعية، مما أدى إلى توقف العمليات.

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)

وتُعد هذه الضربة قوية لأوروبا التي تعتمد على قطر كبديل استراتيجي للغاز الروسي. وأشار أولي هفالباي، محلل السلع في بنك «إس إي بي»، إلى أن اضطراب تدفقات هرمز -التي تمر عبرها 20 في المائة من إمدادات الغاز المسال عالمياً - سيؤدي إلى تنافس شرس بين المشترين الآسيويين والأوروبيين على شحنات الغاز الأميركية، مما سيؤدي لارتفاع الأسعار بشكل حاد في حوض الأطلسي.

وتتوقف بوصلة الأسعار على مدى استمرار هذه الحرب. ويرى محللون أن السيناريو الأساسي يعتمد على تطورات المشهد السياسي في طهران؛ حيث يأمل المجتمع الدولي في تغيير جوهري في القيادة أو تدخل دبلوماسي أميركي لخفض التصعيد خلال أسبوع إلى أسبوعين. ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة يهدد بإشعال موجة تضخمية عالمية تضع البنوك المركزية في مأزق تاريخي بين مكافحة التضخم ودعم النمو.

الشمس تغرب خلف مضخة نفط بحقول النفط الصحراوية في الصخير - البحرين (أ.ب)

آسيا الأكثر انكشافاً

وفي السياق نفسه، تجد القارة الآسيوية، التي تعد «محرك النمو العالمي»، نفسها اليوم في قلب العاصفة؛ فهي الطرف الأكثر انكشافاً على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، نظراً لكونها المعتمد الأول والأكبر على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. إن ما يحدث ليس مجرد اضطراب تجاري، بل هو تهديد مباشر لـ«الأمن القومي للطاقة» في عواصم القارة.

وتعتمد دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والهند بشكل شبه كلي على ممرات الشحن في الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها الأساسية. ففي اليابان، يمر حوالي 70 في المائة من النفط المستورد عبر مضيق هرمز، مما يجعلها «رهينة» لأي توتر جيوسياسي في هذا الممر. أما الصين، رغم تنوع مصادرها، فإنها تظل المشتري الأكبر للنفط الإيراني والغاز المسال القطري، مما يجعل من أمن هذه التدفقات مسألة حياة أو موت لصناعاتها الكبرى.

ولهذا الغرض، تسارع الحكومات الآسيوية حالياً إلى تقييم مخزوناتها الاستراتيجية. فبينما تمتلك اليابان مخزونات تكفي لقرابة 250 يوماً، وتتمتع كوريا الجنوبية بوضع مشابه بفضل احتياطيات القطاعين العام والخاص، غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها «قلقاً استراتيجياً». فالمخزونات ليست أداة لتعويض الإنتاج على المدى الطويل، بل هي «صمام أمان» لمواجهة صدمات قصيرة الأجل. وفي حال تحول الصراع إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف مخزوناتها التي قد لا تعوض بالسرعة الكافية، أو الرضوخ لأسعار السوق الفورية المشتعلة.

ومع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، بدأت آسيا تدخل في منافسة شرسة مع أوروبا على شحنات الغاز الأميركية والأسترالية. هذا التهافت على المصادر البديلة يؤدي إلى تضييق الخناق على المعروض العالمي، وهو ما يرفع الفواتير الطاقوية للأسواق الناشئة في آسيا بشكل جنوني. وبالنسبة للهند وبعض دول جنوب شرق آسيا، يعني ارتفاع الأسعار زيادة فورية في فاتورة الاستيراد، مما يضع ضغوطاً هائلة على موازين المدفوعات ويؤدي إلى تضخم مستورد قد ينهي طموحات النمو الاقتصادي للعام الحالي.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط الخام؛ فالمصافي الآسيوية - التي تُعد الأضخم في العالم - تعتمد في عملياتها على خامات الشرق الأوسط الثقيلة والمتوسطة. ومن شأن تعطل تدفق هذه الخامات أن يدفع المصافي الآسيوية إلى خفض معدلات التكرير، مما سيؤدي إلى نقص حاد في الوقود المكرر (الديزل، والبنزين، ووقود الطائرات) داخل القارة نفسها، وهو ما يضرب قطاع النقل والخدمات اللوجيستية.