ماذا أيضاً يمكن أن يلحقه «كوفيد» بنا؟

ماذا أيضاً يمكن أن يلحقه «كوفيد» بنا؟

الثلاثاء - 11 شهر رمضان 1443 هـ - 12 أبريل 2022 مـ رقم العدد [15841]

الأمر المهم هنا هو أن العلماء يظلون يقظين تجاه ظهور أي متحورات وجيوب جديدة للأشكال غير العادية من المرض وأن نتقبل أن الفيروس يمكن أن يظل غير مستقر وقابلاً للتحور لشهور مقبلة
كانت الأرانب ضحايا الوباء الأشد فتكاً في التاريخ الحديث، في الواقع، كان الأمر أشبه بحرب جرثومية، عندما قضى فيروس على أكثر من 99 في المائة من إجمالي 100 مليون أرنب كانت تعيش في أستراليا خلال خمسينات القرن الماضي. ومع ذلك، لم «ينتصر» الفيروس، فما زال كل من الفيروس والأرانب على قيد الحياة حتى يومنا هذا ويؤثر كل منهما في تطور الآخر.
في الواقع، هناك الكثير الذي بمقدور العلماء تعلمه من الأرانب الأسترالية حول المستقبل طويل الأمد لفيروس «كوفيد – 19». ويعتمد هذا المستقبل على كيفية تطور الفيروس. ورغم أن علم الأحياء التطوري لا يمكنه التنبؤ بدقة بكيفية تطور الفيروس، فإنه يمكنه وضع بعض الاحتمالات. لا يمكن للفيروسات أن تتغير في قابليتها للانتقال ومستوى الحدة فحسب، بل يمكنها كذلك تغيير طريقة دخولها إلى الخلايا، أو البدء في إصابة أجزاء مختلفة من الجسم، أو إيجاد طرق جديدة للالتفاف على جهاز المناعة.
وتعد حالة الأرانب الأسترالية مفيدة على نحو خاص، فقد اجتاحت الأرانب الأوروبية، التي جلبها البشر إلى أستراليا، البلاد والتهمت الأراضي الزراعية. وفي محاولة يائسة لمعالجة المشكلة، أطلق العلماء الذين يعملون مع الحكومة الأسترالية فيروسياً يسمى الورم المخاطي، الذي يستوطن في عدد من الحيوانات الأخرى وكان يُعتقد أنه من غير المحتمل أن يتمكن من الانتقال إلى البشر.
وعن هذا الأمر، قال أندرو ريد، عالم الأحياء التطوري بجامعة ولاية بنسلفانيا الذي يدرس مسببات الأمراض ومضيفيها: «كان ذلك التفشي الفيروسي الأكبر والأكثر تدميراً الذي يتعرض له أي حيوان فقاري نعرفه. كان الفيروس شديد الضراوة... قتل 99.9 من الأرانب».
ومع ذلك، حمل عدد ضئيل من الأرانب تركيبة متميزة من الجينات سمحت لها بالبقاء على قيد الحياة والنجاة من الهجوم. ونجح أحفادها، المسلحة بمقاومة أفضل، في تمهيد الطريق أمام هذا النوع من الكائنات الحية بالتعافي من هذه الأزمة، وإن كانت الأرانب لم تصل قط إلى أعدادها الغزيرة السابقة.
جدير بالذكر هنا أن فيروس الورم المخاطي باستمرار متحورات جديدة، الأمر الذي جعل العدوى في البداية تبدو أكثر اعتدالاً. إلا أنه بعد ذلك أصبح المرض أشد فتكاً، وبدأ في القتل بطريقة مختلفة عن طريق قمع أجهزة المناعة لدى الحيوانات. في نهاية الأمر، وصلت الأرانب والفيروس إلى طريق مسدود.
خلال جائحة «كوفيد – 19»، كان من الصعب تحديد مدى تحور الصور الجديدة من «سارس - كوف – 2» من حيث مستوى الضراوة والقدرة على الانتقال، وذلك لأن أشياء متعددة تتغير في الوقت ذاته، يتطور الفيروس في الوقت الذي نكتسب درجات مختلفة من المناعة من خلال اللقاحات والعدوى السابقة.
مع الأرانب، كان من الممكن التمييز بين التغيرات في الفيروس والتغيرات في مقاومة المضيف عن طريق إخضاع أرانب المختبر، التي لم تتح لها الفرصة لتطوير المقاومة، لأحدث متحورات الفيروس. وكان التأثير وحشياً، فقد كان من الواضح أن الفيروس أصبح أكثر فتكاً من نسخة الخمسينات، ذلك أنه قتل أرانب المختبر عن طريق التسبب في كبت مناعي ضخم وعدوى بكتيرية غير منضبطة. كما تمكن العلماء كذلك من إصابة الأرانب البرية بالمتحورات الأقدم من الفيروس، ما يدل على أنها ستصبح أكثر مقاومة بكثير مما كان عليه أسلافها عام 1950.
تكمن واحدة من الاختلافات الرئيسية بين هذا الوباء والوباء الذي نواجهه اليوم، في أن الأرانب تتغير من خلال التطور، لأنها تتكاثر بسرعة كبيرة، والتغيرات في المقام الأول في أحد مكونات جهاز المناعة يسمى المناعة الفطرية. ويمثل هذا خط الدفاع الأول، الذي يقاوم جميع مسببات الأمراض، على عكس خط الدفاع الثاني الأكثر استهدافاً الذي يسمى نظام المناعة التكيفي، والذي يستخدم الأجسام المضادة والخلايا المناعية لمحاربة فيروس معين أو مسببات الأمراض الأخرى.
ولهذا السبب نفقت أرانب المختبر، التي لم تطور مقاومتها، من عدوى بكتيرية بعد إصابتها بالورم المخاطي بعد التسعينات. كان الفيروس يعطل المناعة الفطرية التي تحتاج إليها لمحاربة العدوى الأخرى. وطوّرت الأرانب البرية مناعة فطرية معززة، بشكل أساسي من خلال إنتاج مركبات تسمى الإنترفيرون، لكن الفيروس يستمر حتى يومنا هذا في أن يصبح أكثر فتكاً، وقد تكيّفت الأرانب عن طريق أن تصبح أكثر مقاومة من أي وقت مضى.
وعلى عكس الأرانب، فإننا نحارب جائحة «سارس - كوف – 2»، في المقام الأول، بخط الدفاع الثاني لدينا، أي المناعة التكيفية. ومن أجل أن نظل متقدمين على الفيروس، يحاول العلماء اكتشاف الحيل الجديدة التي ربما يستخدمها المتحور التالي من «سارس - كوف – 2». وعن هذا، قال ريد: «إذا ألقيت نظرة على القائمة الطويلة من الحيل التي يتعين على الفيروسات أن تتجنبها من المناعة، فهناك الكثير من المجال، بعيداً عن مجرد تغيير شكل بروتين سبايك».
لقد فتح «أوميكرون» عيون العلماء على احتمالية نجاح «سارس - كوف – 2» في طرح متحورات مختلفة على نحو راديكالي تتصرف بشكل جديد تماماً بمجرد دخولها جسم الإنسان. ويبدو أن «أوميكرون» يؤثر في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، وليس السفلي. وقد غير النظام الذي يستخدمه للدخول إلى الخلايا.
اليوم، هناك ضغوط تطورية قوية على أي متحور جديد لتفادي الأجسام المضادة الناتجة عن اللقاحات أو الإصابة بمتحورات سابقة. من ناحيته، أعرب ريد عن شعوره بالقلق كذلك إزاء إمكانية ظهور متحور جديد يمكن أن يعطل جهاز المناعة الفطري لدينا على النحو الذي فعله فيروس الورم المخاطي في الأرانب.
إلا أن هذا يشكل هذا السيناريو الأسوأ. وبطبيعة الحال، فإن الأرانب ليست لديها لقاحات أو ترسانة أدوية مضادة للفيروسات في تحسن مستمر. كما أن هناك الكثير من الاحتمالات الأكثر تفاؤلاً، بما في ذلك متحورات جديدة من «سارس - كوف – 2» أقل فتكاً، مثل فيروسات كورونا التي تسبب نزلات البرد.
الأمر المهم هنا أن العلماء والسلطات المعنية بالصحة العامة يظلون يقظين تجاه ظهور أي متحورات والجيوب الجديدة للأشكال غير العادية من المرض، وأن نتقبل أن الفيروس يمكن أن يظل غير مستقر وقابلاً للتحور لشهور مقبلة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو