كان يمكن أن نطلق على هذا الحدث دراسة تشريحية لما شهدته بالتيمور من أحداث، لولا أنه وقع قبل 10 أيام من فقدان المدينة التي لطالما عرفت بـ«المدينة الساحرة» لسحرها. وتمثل هذا الحدث في ندوة استضافتها جامعة هوارد في 26 أبريل (نيسان) بعنوان «من الاعتراض إلى السياسة: توجه من كلا الحزبين نحو إصلاح العدالة الجنائية»، التي تولى النائب الديمقراطي إليجاه كمنغز إدارتها.
بدأ النائب المنتمي لمدينة بالتيمور المناقشة بعبارته المجلجلة: «نمر الآن بلحظة غير مسبوقة. الآن، تنصت الأمة لنا»، وفي حديثه أمام 150 طالبًا وضيوف من داخل الجامعة وخارجها، أشار كمنغز لحوادث مقتل شبان غير مسلحين من أبناء البشرة السمراء في مواجهات مع الشرطة في ساوث كارولينا ونيويورك وميسوري وأوهايو.
بعد أيام قلائل، وجد كمنغز نفسه يلقي حديثًا آخر، لكن هذه المرة في جنازة فريدي غراي، شاب أميركي من أصول أفريقية يقطن بالدائرة التي يمثلها كمنغز. وجاءت وفاة غراي جراء إصابة بالعمود الفقري تعرض لها أثناء احتجازه من قبل شرطة بالتيمور.
وبذلك اتضح أن الندوة التي عقدتها جامعة هوارد كانت بمثابة دراسة تشريحية مسبقة للأحداث، حيث عمدت إلى تفحص العوامل التي أسهمت في اندلاع المظاهرات وأعمال التخريب التي اشتعلت بعد أيام قلائل.
الملاحظ أن المتحدثين الذين اختارهم كمنغز مثلوا تيارات آيديولوجية متنوعة، حيث ضموا النائب الجمهوري راؤول لابرادور، الذي يصف نفسه بالمحافظ، والسيناتور الديمقراطي كوري بوكر، عمدة نيوآرك السابق صاحب التوجهات التقدمية، والسيناتور الجمهوري راند بول، المرشح الرئاسي اليميني صاحب التوجهات الليبرتارية، والنائب الديمقراطي حكيم جيفريز، أحد كبار مناصري العدالة الجنائية والحقوق المدنية، وستيسي بلاسكي، المساعدة السابقة للنائب العام بضاحية برونكس. وقد ركزوا جميعًا على بيت الداء: الحرب المُضَللة على المخدرات والإفراط في جهود التجريم، والتفاوتات في العقوبات داخل منظومة العدالة الجنائية.
وتألفت هيئة متحدثين أخرى من ناشط ومدان سابق بجريمة ترتبط بالمخدرات وأستاذ قانون وأحد القيادات الطلابية ومحلل للسياسات الاجتماعية يتسم بتوجهات محافظة ومدير أحد المراكز الفكرية. وتناول المتحدثون تفاعلات الشرطة مع المجتمع والآثار السلبية التي تصيب المجتمعات جراء غياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
والتساؤلات التي تطرح نفسها الآن: هل كانت وفاة غراي هي التي أثارت كل هذا؟ وهل تستحق ذلك؟ نعم، تستحق، مثلما تستحق وفاة كل من والتر سكوت وإريك غارنر ومايكل براون وتامير رايس. ومن الأنباء المهمة أن مدعي عام الولاية، مارلين موسبي، وجدت سببًا محتملاً لتوجيه اتهامات لستة من ضباط الشرطة فيما يخص مقتل غراي. ومع ذلك، لا يزال الوجه المشوه لغرب بالتيمور من دون تغيير، ولا يزال تحت سيطرة الحكومة والمجتمع اللذين قاداها لما آلت إليه الآن.
وعند النظر إلى الغضب المجتمعي والمظاهرات والاضطرابات المدنية، فإن تلك الوفيات لم تكن سوى الشرارات التي أشعلت الموقف.
إذن، لماذا الصدمة والخوف مما حدث في بالتيمور؟ لقد مررنا في أميركا بمثل هذا الموقف من قبل.. هل تتذكرون سلسلة الاضطرابات المدنية التي حدثت عام 1967؟
وقد وردت الفقرة التالية بتقرير لجنة كيرنر عام 1968 حول الاضطرابات المدنية التي شهدها صيف 1967، والتي بدأت بأعمال شغب اعتراضًا على حالة معاملة وحشية اقترفتها الشرطة في نيوارك: «لقد تقرر توجيه طاقات الناس نحو مظاهرة غير عنيفة.. وشرعت قيادات أصحاب البشرة السمراء في حث المشاركين في المشهد الراهن على تشكيل مسيرة نحو قاعة المدينة».
وقد انضم البعض للمسيرة، بينما تحرك البعض في أحد الشوارع الضيقة. ومن داخل مشروع سكني كان يعمه الظلام، انهار سيل من الحجارة. وقد سقط بعضها بين الحشود المشاركة بالمسيرة، بينما أصاب بعضها أفرادا مشاركين بها. وقد أقدم الكثيرون على تحطيم نوافذ مركز الشرطة. ومن المعتقد أن إلقاء الحجارة قام به عدد من الشباب الصغير (قرابة 2500 صبي يعيشون داخل المشروع السكني). وفي الوقت ذاته تقريبًا، اشتعلت النيران في سيارة قديمة داخل باحة انتظار السيارات. ولا تزال ملحوظات اللجنة بخصوص الاضطرابات التي ضربت البلاد عام 1967 قابلة لتطبيقها على ما يجري اليوم: الاضطرابات.. نشأت عن مناخ اجتماعي مضطرب على نحو متزايد، حيث أصبحت سلسلة من الحوادث المثيرة للتوتر على امتداد أسابيع أو شهور مرتبطة داخل أذهان الكثيرين من مجتمع أصحاب البشرة السمراء بمخزون من المظالم الكامنة تحت السطح.
وبعد مرور قرابة 50 عامًا، نجد أنه بالنظر إلى غرب بالتيمور وعدد من المدن الأميركية الأخرى، سنجد أزمة في حالة كمون ناجمة عن بطالة مزمنة، وأطفال ينشأون من دون آباء ويعيشون في أحضان الفقر والجريمة داخل مناطق سكنية متكدسة أو دون المستوى المناسب، وتسرب من المدارس الثانوية، ومشاعر اغتراب وكراهية تجاه مؤسسات القانون والحكومة، بما فيها الشرطة، وهي جميع الظروف التي جرى تسجيلها منذ عقود مضت.
* خدمة «واشنطن بوست»
9:11 دقيقه
TT
صدمة وخوف في بالتيمور
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
