اللواتي دفعن فاتورة الحرب وما زلن!

اللواتي دفعن فاتورة الحرب وما زلن!

الأربعاء - 13 شعبان 1443 هـ - 16 مارس 2022 مـ رقم العدد [15814]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ

تبين نظرة سريعة إلى تطورات الأحد عشر عاماً من الأحداث السورية، أن السوريات بين أكثر الفئات التي دفعت في فاتورة الحرب. والأمر في هذا يتجاوز قائمة الأرقام الصماء، التي يمكن متابعتها للدلالة على أهمية الفاتورة، ليس لأن الأرقام ليست مكتملة، وبالتالي ليست حقيقية، ولا لأن ما نشر وتسرب يعجز من بيان ما تعرضت له النساء وما زلن من ممارسات، يصنف بعض منها تحت بند المسكوت عنه حتى من بين بعض الضحايا، ويمثل ما تقدم إلى جانب غيره من أسباب بعضاً من ظروف واجهتها السوريات في سنوات الحرب شكلت الأساس في معاناتهن، ليس في ظل نظام الأسد الأكثر وحشية، إنما أيضاً على يد جماعات التطرف الديني والعرقي، التي تقارب سابقتها وحشية، وفي ظل سلطة أمر واقع لجماعات مسلحة وصفها البعض بأنها معتدلة، رغم أن من الصعب الجمع بين حالتي الاعتدال والسلاح وسط غياب القانون أو تغيبه.
عندما أشعل السوريون الثورة في مواجهة نظام الأسد طلباً للحرية والعدالة والمساواة في مارس (آذار) عام 2011، كانت السوريات في مقدمة الحضور، والأمر في هذا لم يقتصر على الناشطات والمبادرات، اللواتي ظهرن في الأنشطة التمهيدية للثورة من اعتصامات أمام السفارات لتأييد ثورات الربيع العربي، أو اعتصام المطالبة بإطلاق المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي أمام وزارة الداخلية، وفي مظاهرات مبكرة طالبت بالحرية على نحو ما كانت تظاهرة العرائس في سوق الحميدية وسط دمشق وغيرها من فعاليات سبقت انفجار الثورة في مواجهة النظام.
وإذ مهدت الفعاليات لانطلاق الثورة، فإن السوريات انخرطن في أنشطة الأخيرة، مشاركات إلى جانب الرجال في المظاهرات والاعتصامات، وفي الأنشطة التنظيمية والإعلامية، كما في أعمال الإغاثة والدعم المادي والصحي والنفسي، التي انطلقت لمساعدة ضحايا النظام، خصوصاً في قرى وبلدات ومدن شكلت حواضن الثورة، الأمر الذي شكل فارقاً في حضور النساء في حركة وأنشطة المجتمع السوري، كان في عداد الظواهر، التي فاجأت النظام، وأستطيع القول إنها فاجأت المجتمع ذاته ونخبته، وكلاهما لم يكن يعيش في أوضاع طبيعية، تسمح له بمعرفة وتدقيق وتفسير كثير من الحالات والوقائع والظواهر.
ولئن ذهب المجتمع ونخبته في الموقف من نشاطات النساء ومساهمتهم في الثورة ما بين التأييد والحماس لهذا الدور في الأوساط المنفتحة والسياسية، والسكون عنها بفعل الحاجة والظروف الجديدة في الأوساط المحافظة والمتشددة، فإن مواقف النظام وأجهزته ومؤيديه، اتخذت طابعاً شديد العداء، ليس بسبب الزيادة العددية، التي أضافها انخراط النساء في حجم الثائرين على النظام فحسب، وإنما بسبب ما شكلته مشاركة النساء من تميز نوعي في نشاطات الثورة بإعطائها بعداً اجتماعياً، إضافة إلى بعدها السياسي والأخلاقي، لقد نظر النظام ومحيطه إلى الظاهرة باعتبارها تحولاً في مسار الثورة ومضمونها.
وبدا من الطبيعي، أن تكون ردة فعل النظام إزاء مشاركة النساء في الثورة ذات مضامين مختلفة في ردها الثائرين من الرجال، فتم استهداف النساء باعتبارهن بعضاً من الثائرين من خلال عمليات الملاحقة والاعتقال والموت تحت التعذيب، إضافة إلى عمليات القتل المباشر أثناء المظاهرات والهجمات المسلحة لقوات النظام وأجهزته، وتعرضن للانتهاكات الجنسية، لا سيما في السجون والمعتقلات، كما تم استخدام النساء بوصفهن رهائن وأدوات ضغط على أقاربهن من الناشطين الأزواج والآباء والإخوة في خطوة أظهرت مقدار الوحشية المطلقة لنظام لا يتجاوز القيم الوطنية والأخلاقية الشائعة، إنما يتجاوز ويخرق أيضاً نصوصاً دستورية وقانونية أصدرها، واعتبرها أساس وجوده ومبرر استمراره في سدة السلطة.
ومما لا شك فيه، أن سياسات النظام المتوحشة في تعامله مع النساء، عززت ميول القوى المحافظة والمتشددة، التي ركبت موجة الثورة، وشرعت في أخذها نحو العسكرة والتسليح من جهة، ونحو «التعريب» و«الأسلمة» و«التطييف»، فنزعت طابعها السلمي، وسعت إلى تدمير طابعها الوطني، بالتوازي مع سعيها لتأكيد ذكورية الثورة، باستبعاد النساء أو غالبيتهن من المشاركة في الثورة، وبالتالي انحسارها وخسارة كثير من مواقعها وحواضنها، وقدمت في كل ما سبق خدمات لا تقدر بثمن لنظام، ادعت بعض مجموعات بينها «داعش» والنصرة»، وغيرهما أنها تعاديه وتعارضه.
وسط تحولات السنوات الإحدى عشرة الماضية، دفعت السوريات أثماناً باهظة لطموحاتهن في التغيير، وسعيهن من أجل تحسين حياتهن في سياق تحسين الحياة السورية ووضعها في مسار.. إلخ، روج مما تركه العهد الأسدي من ترديات وكوارث، ودفع البلاد والسوريين في مسار التقدم والتطور والعصرنة في نظام جديد، يوفر الحرية والمشاركة والعدالة والمساواة لكل السوريين.
وإذا كان قسم من السوريات، قد حقق إنجازات فردية أو قطاعية في مواقع متعددة من بلدان اللجوء والشتات السوري بفعل جهودهن وتوفر البيئات المحلية المساعدة، فإن أكثرية المقيمات في الداخل تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع، تردت أوضاعهن، وازدادت صعوبات حياتهن أكثر مما كانت في السابق، ويكفي القول إنه إضافة لما تعانيه النساء من سياسات اضطهادية في ملاحقة نشاطاتهن، فإنهن واقعات اليوم تحت تأثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتداعياتها وسط حقيقة أن قسماً كبيراً منهن تحول إلى مسؤولات عن إعالة وتربية أطفال والعناية بالآباء والأمهات والإخوة الأصغر بعد غياب المعيل سجناً أو قتلاً أو مصاباً أو مهاجراً، وللحق فإن هذه المسؤولية قائمة أيضاً في أوضاع كثير من النساء في تجمعات اللاجئين السوريين في بعض بلدان الشتات، وبينها تركيا ولبنان والأردن والعراق بسبب غياب أنظمة المساعدة الاجتماعية هناك ومحدودية ما تقدمه منظمات رعاية اللاجئين المحلية والدولية.
وثمة جانب آخر في معاناة السوريات تسببه جماعات التطرف، خصوصاً في مناطق النفوذ التركي شمال غربي البلاد، حيث يفرض متطرفون باسم الإسلام مظاهر وسلوكيات كرستها «القاعدة» وأخواتها، أو جرى نقلها من التجربة الأفغانية، مما يساهم في زيادة معاناة السوريات.
لقد دفعت السوريات الكثير في سنوات العقد الماضي في المواجهة مع نظام الأسد، واستمرت لاحقاً معاناتها في ظل سلطات الأمر الواقع في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، وفي تجمعات اللاجئين في بعض بلدان الشتات، وزاد على المعاناة اضطهادات بسبب النوع الاجتماعي، وتنمر ومعاملة سيئة وسياسات عنصرية، وتحملت أعباء الإعالة والتربية والعناية بالآخرين إلى درجة يمكن القول معها إنها كانت الضحية الأمثل فيما وقع على السوريين من اضطهادات وانتهاكات للحقوق، والأسوأ أن الأمر مستمر ومتصاعد في ظل الظروف المحيطة بالسوريين، وأن ذلك لن يتغير إلا عبر تغيير شامل، يصيب السوريين جميعاً، ويركز على النساء بشكل خاص. ولعله لن يتأخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو