هل أوروبا في انتظار حرب طاحنة؟!

هل أوروبا في انتظار حرب طاحنة؟!

الخميس - 30 رجب 1443 هـ - 03 مارس 2022 مـ رقم العدد [15801]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق

كل الدول الاشتراكية السابقة التي بلغ عددها خمس عشرة دولة باتت ترتجف خوفاً وعلى أساس أنها ستلحق بأوكرانيا، فروسيا فلاديمير بوتين من الواضح، لا بل من المؤكد، أنها ستسترد كل ما كان جزءاً منها وتابعاً لها، وهذا كان قد «لمّح» إليه الرئيس الروسي المصمم على استعادة ما كان تابعاً للاتحاد السوفياتي عندما كان في ذروة تألقه وكان يتبعه العديد من الدول التي كانت توصف بأنها جزء مما كان يعتبر المجموعة الشرقية.
الآن أخذ الرئيس فلاديمير بوتين مكانة قادة الاتحاد السوفياتي وعلى رأسهم جوزيف ستالين، وهو كما هو مؤكد لن يتوقف بعد اجتياح أوكرانيا فعينه كرئيس لروسيا «الاتحادية» على استعادة هذه الدول كاستعادته للدولة الأوكرانية وهذه قضية لا شك فيها وهذا ما جعل هذه الدول المشار إليها غير واثقة لا بالولايات المتحدة ولا بالعديد من الدول الأوروبية.
وهكذا فإن من حق الدول الاشتراكية الأوروبية السابقة أن ترتجف خوفاً، فهي كلها كانت فعلياً وعملياً جزءاً من الاتحاد السوفياتي.. ولعل ما أصاب هذه الدول بالرعب والخوف هو أن هذا الوضع قد عاد إلى ما كان عليه ولكن باسم أكثر بريقاً وجاذبية وهو روسيا التي كانت في فترة تاريخية قد لعبت أدواراً رئيسية إنْ في أوروبا وإنْ حتى فيما هو شرق البحر الأبيض المتوسط.
وهنا فإنه يسود اعتقاد، وهو اعتقاد، إنْ ليس مؤكداً فشبه مؤكد، أنه ستكون هناك عودة، وهناك من يقول إنها ستكون عاجلة، لصراع المعسكرات وعلى غرار ما كانت عليه الأمور في عهد الاتحاد السوفياتي عندما كان في ذروة تألقه وكانت تتبع إليه تبعيةً إلحاقيةً إنْ ليس كل فمعظم دول أوروبا الشرقية ومعها بالطبع العديد من دول أميركا اللاتينية وحتى بعض الدول العربية!!
إنه لا يمكن أن يسكت لا الروس ولا الأوروبيون على ما ستقرره مستجدات هذه المرحلة الشديدة التوتر، فهناك صراع تاريخي بقي كجذوة جمر متقد ولكن تحت رماد كانت ولا تزال تذروه الرياح بين فينة وأخرى وهذا يعني أنه ورغم كل هذا الكلام الجميل الذي يصدر من الشرق والغرب فإنه ستكون هناك لحظة تاريخية ستتصادم خلالها المصالح وهذا ما كان سائداً في معظم حقب التاريخ وأدى إلى حروب طاحنة دموية ومدمرة لا تزال ولم ينتهِ تأثيرها بين بعض الدول الأوروبية... ولا تزال هناك إمكانية لتجدد الصراع بين هذه الدول إنْ على أساس المجالات الحيوية إنْ في أوروبا أو حتى في الشرق القريب والبعيد وغير المستقر وأيضاً وإنْ حتى في القارة الأفريقية.
والسؤال هنا هو: هل من الممكن يا ترى أن تسكت الدول الأوروبية، دول الاتحاد الأوروبي، الرئيسية، مثل بريطانيا «العظمى» وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا... وأيضاً اليونان وباقي ما تبقى، عن أن تنتزع منها خمس عشرة دولة أوروبية؟ وهل فعلاً أن هذه الدول التي من الواضح أن روسيا تسعى جدياً لاستعادتها سترفع أيديها تسليماً بالمشيئة الروسية؟
إن هذه مسألة إن لم تتم معالجتها بالأساليب والوسائل السلمية فإنها ستؤدي إلى حرب عالمية جديدة لا محالة والمعروف أن الحربين العالميتين، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، كانت دوافعهما وأسبابهما أقل كثيراً من دوافع هذه الحرب المتوقعة بين الغرب والشرق وعلى أساس أنه لا يمكن الصمت على هذا التمدد الروسي الزاحف ولا على أي تمدد آخر أيضاً، فالمثل يقول إن أعتى الحروب وأشرسها قد تبدأ بخطوة صغيرة وإن أكثر النيران اشتعالاً والتهاباً قد تبدأ بشرارة واحدة وإن النفس أمارة بالسوء... وإن الكرة الأرضية كما هو معروف تطفح في هذه المرحلة المتأرجحة بالنفوس والنوايا السيئة.
ثم وأكثر من هذا... كيف يا ترى لا يمكن أن نتوقع حرباً... أو حروباً مدمرة في هذه المنطقة وواقع الحال هو هذا الواقع، الذي لا يسر الصديق ولا يغيظ العدا، فإيران التي من المفترض أنها دولة شقيقة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، لا في هذا العهد غير الميمون ولا في غيره ولا حتى في مرحلة الفترة الشاهنشاهية، ها هي تفعل الآن كل هذا الذي تفعله في هذه المنطقة وهي قد باتت تتدخل تدخلاً احتلالياً ليس في دولة عربية واحدة وإنما في معظم دول هذه المنطقة.
والأخطر هنا هو أن إيران هذه، الدولة التي من المفترض أنها دولة شقيقة، لم تكتفِ بمجرد انتزاع عدد من دول الخليج من إطارها العربي وتحويله إلى دويلات مذهبية وذلك بالإضافة إلى كل هذا التدخل العسكري والأمني وكل شيء إن ليس في كل ففي معظم الدول العربية... ومن بينها اثنتان من الدول الرئيسية التاريخية أي سوريا والعراق وحيث كانت هناك «الدولة الأموية» و«الدولة العباسية».
وهذا يعني أن إيران تحديداً هي فعلياً وعملياً أخطر من دولة إسرائيل التي باستثناء مجموعة نفتالي بنيت المعروفة، تتصرف على أساس أنها جزء من هذه المنطقة وأن هناك من باتوا يعتبرون أنه لا علاقة لهم لا بهذه الحكومة الإسرائيلية ولا بالمتطرفين الإسرائيليين الذين لا يزال بعضهم يرفع شعاراً سخيفاً هو: «أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات»!!
وعليه وفي النهاية وبالعودة إلى البدايات فإنه ليس سهلاً أن تسترد روسيا فلاديمير بوتين خمس عشرة دولة باتت دولاً أوروبية، حتى النخاع كما يقال، فهذه الدول أصبحت بعيدة كل البعد كله عن فلاديمير بوتين ودولته التي يصفها البعض بأنها شيوعية، وأغلب الظن أنها ليست كذلك، ويبقى هنا أن أوروبا في ضوء هذا كله قد أصبحت مقبلة على صراع تاريخي... اللهم إلا إذا كان الرئيس الروسي سيكتفي من الغنيمة بالإياب ويكتفي بأوكرانيا هذه التي كانت ولا تزال دولة غنية وجميلة!!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو