مرة أخرى من التاريخ: «نووية لكنها ليست حرباً»

مرة أخرى من التاريخ: «نووية لكنها ليست حرباً»

الجمعة - 24 رجب 1443 هـ - 25 فبراير 2022 مـ رقم العدد [15795]
فيتالي نعومكين
رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

كنت على وشك التوقف عن العودة إلى التاريخ في مقالاتي، بيد أن الرسائل التي تلقيتها من الكثير من القراء بعد نشر مقال بعنوان «التاريخ يجعلنا نفكر مليّاً» جعلتني أفكر في العودة إلى هذا الموضوع مرة أخرى. أدرك أن الاهتمام بذلك المقال كان، بطريقة أو بأخرى، مرتبطاً بالضجة التي أثارتها وسائل الإعلام الغربية حول التهديد بهجوم وشيك لروسيا على أوكرانيا، حتى إن بعض السياسيين الذين يكنّون الكراهية للروس بشكل خاص، والذين قاموا بتسليح كييف بسخاء ومن دون مسؤولية ويدفعونها لفرض سيطرتها على دونيتسك ولوغانسك بمساعدة القوة العسكرية، بدأوا الحديث عن خطر نشوب حرب نووية، أو بالأحرى حرب عالمية ثالثة نووية، كما لو أنهم نسوا حقيقة الأسلحة النووية المعروفة للجميع في كل من الغرب والشرق، وهي أن «الشخص الذي يضغط فيها على الزر أولاً يموت ثانياً». لقد أصاب رجل الدولة الأميركي الشهير وولتر مونديل حين لاحظ أنه: «لن يكون هناك محاربون قدامى بعد الحرب العالمية الثالثة».
دعونا نعُد إلى الفترة ذاتها التي تحدثتُ عنها في المقالة المذكورة أعلاه حول دروس التاريخ، أي إلى فترة ذروة الحرب الباردة في أواخر الخمسينات من القرن الماضي. إذ بدا كأنه في الماضي القريب، لم تكن تستبعد الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي احتمال الاستخدام الحقيقي للأسلحة النووية في حرب «ساخنة»، نتيجة تطور المواجهة «الباردة» بينهما، بعد أن باتت تتسم بالشراسة على نحو متزايد.
لكن، حتى في تلك الفترة، كانت الواقعية السياسية العسكرية والشعور بالمسؤولية تجاه مصير البشرية يشقان طريقهما بثقة. فقد أظهر اجتماع القيادة السوفياتية مع القيادات العليا للقوات المسلحة في ديسمبر (كانون الأول) 1959 فهماً واضحاً للعواقب المحتومة لاستخدام الأسلحة النووية. لقد انتصر نموذج «الدمار المتبادل المؤكد». فالقيادة السوفياتية لم تكن تؤمن، كما كتب مؤرخ روسي معاصر واسع المعرفة، من دون الكشف عن هويته الآن، بالقوة السحرية لضربة نووية «في الوقت المحدد». بعبارة أخرى، كان من الواضح أنه لا توجد ضربة استباقية مفاجئة يمكن أن تعطل جميع قواعد العدو، وعلى أي حال، سيكون للعدو الوقت لتوجيه ضربة انتقامية ساحقة. في الوقت نفسه، كان الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف مقتنعاً بأن القيادة الأميركية تفكر بالطريقة نفسها، حيث كتب لاحقاً في مذكراته أن وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، توصل إلى مفهوم «على شفا الحرب»، وفي موسكو كانوا يعلمون أنه لن يتجاوز هذا الخط أبداً، لذلك كان الحديث يدور فقط عن سياسة «الخداع النووي».
وزير الدفاع روديون مالينوفسكي صنّف التهديدات الأمنية للاتحاد السوفياتي على النحو التالي:
- التهديد باستخدام الصواريخ الأميركية متوسطة المدى «تور» TOR التي تم نشرها في بريطانيا (في ذلك الوقت، لم يكن لدى الأميركيين صواريخ باليستية عابرة للقارات)، كان يقابلها التهديد باستخدام الصواريخ السوفياتية بأعداد أكبر بكثير وبقوة تدميرية أكبر.
- قُدر عدد القاذفات الاستراتيجية الأميركية الجاهزة للإقلاع الفوري بأنه صغير نسبياً، مع الأخذ في الاعتبار سهولة كشفها بالرادار وإمكانية إسقاطها بنيران أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات.
- لم يكن هناك تهديد مباشر من القوات البرية الأميركية، وقال في هذا الصدد قائد القوات البرية السوفياتية المارشال أندريه غريتشكو، إن عدد الفرق السوفياتية من القوات البرية كان 150 فرقة، أي أكثر مما هو لدى جميع البلدان المحيطة بالاتحاد السوفياتي.
تم التوصل إلى نتيجة ثورية مفادها أن الخطة التي عفّى عليها الزمن لاستخدام موسكو قواتها المسلحة لا تتوافق مع مهام «السياسة المحبة للسلام لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية». فكما يشير المؤرخ الروسي الذي سبق ذكره، بقي هناك مؤيدون لهذه الاستراتيجية القديمة، عارضوا أفكار مالينوفسكي وغريتشكو. ومن بين هؤلاء كان القائد العام لقوات الدفاع الجوي المارشال كيريل موسكالينكو، الذي كتب إلى خروتشوف في سبتمبر (أيلول) 1959، مؤكداً أنه في جميع الظروف يجب أن ننطلق من حقيقة ضرورة «استباق العدو وتوجيه الضربات الأولى إلى قواعد أسلحته النووية، ووسائل نقلها، وأهم تجمعات القوات والمراكز الإدارية والاقتصادية والسياسية الرئيسية في جميع أنحاء عمق أراضيه، من أجل تحييده بسرعة وبأقل الخسائر»، بينما ساد خلال المناقشات حول الاستراتيجية خط مختلف. ففي 4 فبراير (شباط) 1960 وفي اجتماع موسع للجنة الاستشارية السياسية لمعاهدة وارسو، اقترح خروتشوف على الحلفاء «التفكير في تخفيض أو سحب القوات السوفياتية من بولندا والمجر، وكان من المخطط أيضاً تقليص مجموعة القوات السوفياتية في ألمانيا. وفي الشرق الأقصى بدأت القيادة الصينية بالتحضير لانسحاب وحدات جيش التحرير الشعبي الصيني من كوريا الشمالية.
بدأ الإصلاح العسكري لخروتشوف، والذي بموجبه تم تخفيض تعداد القوات المسلحة من 3 ملايين و600 ألف إلى مليون و200 ألف عسكري. وكان الهدف من ذلك، كما أفاد محللون مقربون من القيادة لاحقاً، يكمن في إضفاء الطابع العسكري التقني على المسار نحو إنشاء «وسادة عازلة» بين الاتحاد السوفياتي و«الكتلة الأنغلو أميركية» في أوروبا. وكان من المفترض أيضاً أن يشجع انسحاب جزء كبير من قوات الصف الأول من أوروبا الشرقية الأميركيين على اتخاذ خطوات مماثلة. وبات مركز ثقل دور القوات البرية السوفياتية يكمن في مهمة المشاركة في النزاعات الإقليمية والمحلية وفعاليات الردع الاستراتيجي. وكان ينبغي أن ينمو دور الأسطول البحري السوفياتي، الذي وصفه الأدميرال غورشكوف، القائد العام للقوات البحرية، بأنه «الأداة الرئيسية للسياسة السوفياتية في الحرب الباردة في زمن السلم». وشكل هذا انتقالاً مهماً إلى عقيدة عسكرية دفاعية.
إلا أن فشل خطة عقد قمة لزعماء القوى الأربع في باريس، والتي كان من المقرر عقدها في مايو (أيار) 1960 والتي كانت تهدف إلى تخفيف حدة التوتر بينهم، والتصاعد الحاد في المواجهة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بعد انتخاب جون كيندي رئيساً للولايات المتحدة، أديا إلى منع تحقيق الخطط المصيرية للزعيم السوفياتي. وكما هو معلوم، جاءت فيما بعد الأزمة الكوبية، التي دفعت العالم إلى حافة الحرب، ثم لحقها إقصاء خروتشوف من جميع مناصبه، بعد تعرضه لانتقادات حادة من رفاقه في الحزب.
يُعتقد أن الدروس من هذا الماضي غير البعيد مهمة لعصرنا. للأسف، لا يوجد الكثير من الشخصيات من بين شركائنا الأميركيين المستعدة للاستماع إلى صوت العقل. ربما كان الكاتب النمساوي آرتور شنيتزلر محقاً عندما قال: «تاريخ العالم هو مؤامرة دبلوماسيين ضد الرأي السليم»؟ لا... بل لا يزال هناك مؤيدون للرأي السليم. على سبيل المثال، الدبلوماسي الأميركي اللامع، السفير السابق لدى الاتحاد السوفياتي- روسيا (1987 - 1991) الدكتور جاك ماتلوك، الذي لطالما كان من دواعي سروري التواصل معه. فقد كتب قبل عدة أيام: «القول بأن الموافقة على مطالب بوتين تصب في المصلحة الموضوعية للولايات المتحدة لا يعني أنه من السهل القيام بذلك. فلقد طوّر قادة كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري موقفاً معادياً للروس (هذه القصة تتطلب دراسة منفصلة) بحيث بات يتطلب الأمر مهارة سياسية كبيرة للغاية للسباحة في المياه السياسية الخطرة وتحقيق نتيجة عقلانية». ويضيف: «ربما سيبدأ في نهاية المطاف أعضاء الكونغرس لدينا في التعامل مع المشكلات الداخلية المتزايدة، بدلاً من مفاقمتها!».
* رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية - موسكو
* خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو