أناستاسيا إديل
TT

أنا روسية وعائلتي أوكرانية... ماذا سيحدث لنا حال اندلعت حرب؟

بالنسبة لروسي بلغ سن الرشد في فجر الاتحاد السوفياتي، لا يوجد شيء أكثر عبثية من فكرة الحرب بين روسيا وأوكرانيا. قد يكون هذا أمراً شخصياً، لكن في جنوب روسيا حيث نشأتُ كان نصف الأشخاص الذين أعرفهم يحملون أسماء عائلات أوكرانية. فقد كان لقب ابن عمي الأصغر هو «ليتيل هين»، وهي إشارة إلى فرخ الدجاجة، ذلك لأن لقب العائلة هو «بايفين»، ويعني «الديك» في اللغة الأوكرانية (عائلة والدها يتحدر من شمال أوكرانيا). فعندمنا كنا نغوص لصيد سرطانات البحر في البحر الأسود الدافئ أو نلعب لعبة «قطاع الطرق»، لم أكن أفكر أبداً في أبناء عمومتي الذين كنت أناديهم بـ«الأخ» و«الأخت» كأوكرانيين. كانوا فقط عائلتي.
لم نكن في جنوب روسيا فقط قريبين جسدياً من أوكرانيا، بل وُلدت جدتي أيضاً في مدينة «ماريوبول» الأوكرانية التي تبعد 70 ميلاً فقط عنّا. كنا مرتبطين ثقافياً ولغوياً، حيث كانت الكلمات الأوكرانية تتخلل لهجتنا الجنوبية، ولا يزال بإمكاني غناء بعض الأغاني الشعبية الأوكرانية. نحن نتشارك أيضاً في نفس التربة الزراعية السوداء الخصبة: إذا كانت أوكرانيا هي سلة خبز الاتحاد السوفياتي، فإن كوبان، الاسم غير الرسمي لمنطقتنا، كانت مخزن الغلال في روسيا.
لنا أيضاً تاريخ متشابك بشكل لا ينفصم. فكل من الروس والأوكرانيين جاءوا من نسل واحد، من الأسلاف المزارعين المحاصَرين بين أوروبا والسهوب. كلاهما عانى من نير المغول والنير القيصري والنير البلشفي. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تباعدت الدول، ورغم ذلك، كان الإحساس بالماضي المشترك قوياً لدرجة أنه حتى الصراع المدعوم من روسيا في شرق أوكرانيا لم يستطع إضعافه.
لكن العلاقة بين البلدين الآن على حافة الانهيار حيث يتمركز نحو 130 ألف جندي روسي على الحدود، والحرب باتت احتمالاً حقيقياً. ومن شأن الصراع بين أوكرانيا وروسيا أن يضع حداً لقرون من الاختلاط بين ملايين من الروس مثلي لديهم أقارب أوكرانيون والعكس باتوا على مقربة من نهاية تلك الثقافة المشتركة. النهاية ستكون بكل بساطة مأساة.
كان لأوكرانيا حضور دائم في طفولتي ومراهقتي. ففي أثناء إقامتي مع أجدادي في الصيف، كنت أشاهد الأفلام في المبنى الأبيض الكلاسيكي الجديد لسينما أوكرانيا في وسط المدينة. وفي المنزل، غالباً ما تناولنا شطائر «سيرنيكي» الأوكرانية، وفطائر الجبن الحلوة على الإفطار، والحساء الأوكراني على العشاء. خلال عروض الرقص الشعبي المتلفزة، التي تهدف إلى إظهار الوحدة بين الجمهوريات السوفياتية الشقيقة، كنت أنتظر الراقصين الأوكرانيين، وكانت أغطية الرأس النسائية ذات الأزهار الملونة والتنانير المنسوجة تجسيداً للجرأة والذوق، وكنت مفتوناً بها.
في المدرسة، بدأت دراسة التاريخ بـ«كييفان روس»، اتحاد الإمارات السلافية من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر الذي امتد إلى أجزاء كبيرة من روسيا البيضاء وأوكرانيا وروسيا الأوروبية الحديثة. وكانت كييف، وفق كتبنا المدرسية «أم المدن الروسية». في حصة الأدب حفظنا وصف نهر «دنيبر» من خلال «تاراس بولبا»، وهي رواية كتبها العملاق الأوكراني المولد نيكولاي غوغول باللغة الروسية.
لاحقاً، وبعد رفع حظر طويل الأمد، اطَّلعتُ، أو بالأحرى التهمتُ روايات ميخائيل بولغاكوف، وهو مواطن من كييف، حيث كان الخيط النابض بالحياة للفولكلور الأوكراني ملموساً. كان هناك أيضاً إيليا إيلف ويفغيني بيتروف، مؤلفا الرواية الساخرة «الكراسي الاثنا عشر»، وكلا المؤلفين يتحدر من مدينة «أوديسا» الساحلية على البحر الأسود في أوكرانيا.
أنْ أكون أوكرانياً وأن يكون ذلك حاضراً في ذهني خلال فترة مراهقتي، ثاني أكبر جمهورية في الاتحاد السوفياتي من حيث عدد السكان، فهذه قصة مختلفة. كان الاتحاد السوفياتي، الذي وُصف بأنه اتحاد بين أنداد، مشروعاً روسياً حقيقياً. كان غالبية أعضاء المكتب السياسي من الروس، وكان الكرملين في موسكو، حيث حكم الجمهوريات من أعلى إلى أسفل.
في عام 1986 تكشف عدم كفاءة هذه القاعدة بشكل مرعب عندما انفجر مفاعل نووي في محطة «تشيرنوبيل» للطاقة الذي يبعد 80 كم عن شمال «كييف». وبعد الكارثة وتشريد الآلاف، أنهت الكارثة الاتحاد السوفياتي فعلياً، وأطلقت سلسلة من الإصلاحات التي أدت إلى تفككه. ومنذ ذلك الحين، علمنا أن المشاركة في التجربة السوفياتية لم تكن طوعية تماماً -وبالنسبة لأوكرانيا، شملت التكلفة «هولودومور»، وهي مجاعة أوجدتها خطة ستالين الجماعية التي أودت بحياة ما يقرب من أربعة ملايين أوكراني في أوائل الثلاثينات.
لم يكن تفكك الاتحاد السوفياتي، الذي عشتُ فيه، كارثةً على العلاقات بين البلدين. فقد كان الأمر أشبه بالطلاق، حيث يقرر الوالدان البقاء صديقين من أجل الأطفال. أوكرانيا، على سبيل المثال، سمحت لروسيا بالاحتفاظ بقاعدتها البحرية الرئيسية في «سيفاستوبول» في شبه جزيرة القرم وتخلت عن ترسانتها النووية، واستمرت الروابط الثقافية والاجتماعية. خلال فصول الصيف في أوائل التسعينات، عملتُ مستشاراً في معسكر للشباب على البحر الأسود: كانت غالبية الأطفال من «دونيتسك»، منطقة تعدين الفحم الأوكرانية. وكنا نصرخ «أحبك يا أوكرانيا» بأعلى صوتنا خلال مباريات كرة القدم ومسابقات الرقص.
لا يعني ذلك أن العلاقة بين الروس والأوكرانيين كانت متناغمة بالطبع. على الورق، كانت الثقافات الوطنية وكذلك اللغات الوطنية يجري الاحتفال بها. لكن لتحقيق شيء على أعلى مستوى، في الغناء أو الرياضيات أو أي شيء آخر، كان عليك الذهاب إلى إحدى الجامعات الرائدة في موسكو، والتحدث بالروسية، وبصفة عامة، أن تكون روسياً بدرجة كافية. وكان يُخشى التعبير عن المشاعر الوطنية العامة على أنها طائفية.
كان عليك أيضاً أن تتحمل الشوفينية الروسية العظمى الشائعة، وهو مصطلح صاغه لينين لوصف إحدى الطرق المؤسفة التي وجد بها الشعب المضطهد تاريخياً تأكيد الذات. وجدتْ غالبية الجنسيات غير الروسية نفسها موضع النكات. (على سبيل المثال، تم تصوير الأوكرانيين على أنهم قوميون مهووسون بشحم الخنزير). كان ذلك سبباً للاستياء، لا سيما في المناطق التي كانت أقرب تاريخياً وثقافياً إلى أوروبا، مثل غرب أوكرانيا وجمهوريات البلطيق. أتذكر أنني حاولت الحصول على المساعدة بعد أن فاتني قطاري في تالين بإستونيا في أوائل التسعينات، ولم يدلني أحد على أي مكان حتى حوّلتُ لساني مؤقتاً من الروسية إلى الإنجليزية.
لكنّ هذا الاستياء تلاشى بمجرد إزالة أسبابه. ففي أواخر التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت روسيا وأوكرانيا، وهما دولتان ذواتا سيادة، تراقب إحداهما الأخرى من مسافة بعيدة، وهما منشغلتان ببناء مستقبلهما. وكان أداء روسيا، الذي غمرته أموال النفط، أفضل بلا منازع من الناحية الاقتصادية.
ذهب الكثير من الأوكرانيين للبحث عن عمل في موسكو. ومع ذلك، فقد نما الشعور بالاستبداد والانعزالية، بينما بدت أوكرانيا، رغم كل الصعوبات التي واجهتها، ملتزمة مساراً ديمقراطياً موالياً للغرب. عندما احتشد الأوكرانيون في عامي 2013 و2014 ضد رئيس يعارض الاندماج في الاتحاد الأوروبي، كنت أشجعهم من بعيد.
لكنّ ضمَّ الرئيس فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014 أطلق العنان لشبح جديد: الاتحاد السوفياتي، هذه المرة فقط من دون مساواة أو أخوّة دولية، مجرد جشع ملفوف في الاعتقاد القديم بحق روسيا في حكم الدول «الأقل» داخل مدارها. وبين عشية وضحاها، أصبحت الجمهورية الشقيقة المفضلة، على حد تعبير دعاية الكرملين، «الفاشيين» و«الدمى المتحركة للناتو» و«قَتلَة الأطفال». إنها ليست مجرد حرب كلامية. مدينة «دونيتسك»، التي كنت أعتنى بأطفالها في السابق، تحولت إلى منطقة حرب بعد ثماني سنوات من الحرب الهجينة. الأمر نفسه ينطبق على «ماريوبول»، مسقط رأس جدتي.
الآن ليس شرق أوكرانيا فقط مهدداً بالعدوان الروسي ولكن البلد بأكمله. فبعد أشهر من التكهنات والدبلوماسية المكوكية والتهديدات، تقف أوكرانيا على شفا الحرب. لن تكون الضحية الأولى للتوسع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ انجرفت كل من جورجيا ومولدوفا والشيشان في صراع عسكري مع شقيقتها الأكبر السابقة، وكانت النتائج متوقعة: انتصرت روسيا، وخسروا جميعاً.
لكن الحرب مع أوكرانيا ستكون مختلفة، ليس فقط لأنها تشعر بأنها مميتة بين الأشقاء. فالأوكرانيون الذين ضحّوا بملايين الأرواح لإنقاذ الاتحاد السوفياتي من النازيين، هم سادة المقاومة الحزبية. وسوف يطول الصراع، والنصر باهظ الثمن والعواقب بالنسبة إلى روسيا كدولة، كارثية.

* خدمة «نيويورك تايمز»