«إلى جميع المحسنين: ساعدونا في اقتناء تحفة فينوس والحب». هذا هو عنوان حملة جمع التبرعات الجارية في باريس. وكلمة مُحسن بالفرنسية مأخوذة من العربية مثل مئات المفردات الأخرى، وتُلفظ «ميسين».
المبلغ المطلوب جمعه لا يتجاوز المليون يورو. وهو «خردة» لدى المتعاملين في مزادات الأعمال الفنية. فهل تعجز الدولة الفرنسية ومتحفها الأشهر في العالم عن توفيره؟
ليس عجزاً بل فرصة تتيح للمواطن عاشق الجمال كي يساهم في الحفاظ على عمل فني نادر. يذهب للتمتع برؤيته حين يشاء ويأخذ معه أبناءه. وسيبقى في مكانه ليطالعه أحفاده. وسبق للمتحف، قبل خمس سنوات، أن دعا أصدقاءه للمساهمة في إعادة تشكيل مصطبة أخيتيتيب، أي المقبرة التي دفن فيها هذا الملك الفرعوني. إن المتحف الباريسي يشارك منذ ثلاثة عقود في أعمال التنقيب عنه الجارية في موقع سقارة في مصر. كان المطلوب نصف مليون يورو لإتمام المصطبة. وأنجزت المهمة.
ولما أرادت المكتبة الوطنية ترميم مبناها القديم، فتحت الباب أمام المواطنين لتبني واحد من عشرات المصابيح الموجودة على مناضد القراءة. يدفع المساهم ألف يورو ويتبنى مصباحاً تجري صيانته ويتم حفر اسمه على قاعدة الصباح.
لكن المليون ليس الثمن الكامل لتحفة فينوس بل ستضع الدولة ما يعادله. ويجري استنفار المؤسسات الفرنسية الكبرى للمساهمة في توفير الثمن المطلوب. إنها الحملة الثانية عشرة التي يعلن عنها المتحف العريق. وكلها تبدأ بنداء: «يا محسنين»!
من أبدع «فينوس والحب» وما حكايتها؟ يبدو أن لكل تحفة مدهشة تاريخاً يماثلها إدهاشاً. إنها من إبداع الإيطالي جيوفاني مسيروني (1551-1616)، أعظم نحاتي ميلانو للحجر الصلب في عصر النهضة. وهي مؤلفة من قطعتين: الأولى تصور فينوس إلهة الحب مستلقية وقد نحّت عنها ملاءتها، منحوتة من قطعة واحدة من العقيق الألماني. وهناك كيوبيد صغير بجانبها، يحرسهما دلفين من الفضية المطلية بالذهب. أما القطعة الثانية فهي كأس مذهبة تحتوي المحارة وتشكل قاعدة لها.
في عام 1661 توفي الكاردينال مازاران رئيس وزراء فرنسا. كان من كبار جامعي التحف، ومنها كأس مسيروني وكأسان للنحات نفسه شبيهتان بها. انتقلت الكؤوس إلى مقتنيات الملك لويس الرابع عشر. ثم قامت الثورة الفرنسية وذهبت ممتلكات القصور الملكية إلى المتاحف. جرى حصر المقتنيات وترقيمها. ومنها هذه التحفة التي نقشوا عليها الرقم 376.
وقعت الجمهورية الجديدة تحت ثقل الديون. ومع خواء الميزانية كان القرار أن تمنح للدائنين أعمالاً من محتويات متاحفها. وفي صيف 1796 أخذ التاجر جاك دو شابوروج كأس فينوس التي قُدّرت وقتها بأربعة آلاف فرنك. وبقيت في المتحف كأسان شبيهتان.
من يومها ضاع أثر التحفة. ولم تعاود الظهور إلا أواخر ستينات القرن الماضي في مزاد باريسي. لكن الكأس ظهرت وحيدة بدون محارة فينوس. واشتراها «اللوفر» بعدما تأكد من أصالتها. كان الترقيم السابق محفوراً عليها. وهي معروضة للزوار في قاعة «أبولون». أما المحارة والإلهة العارية الراقدة فيها فلم تظهر في سوق التحف إلا في عام 2010، في مزاد أقيم في لندن. يومها وقف مسؤولو «اللوفر» يتحسرون وهم يتابعون المزاد، لا يملكون المبلغ المطلوب.
اليوم، بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، تنزل المحارة إلى السوق في لندن من جديد. وها هو «اللوفر» يطرح الصوت ويهيب بالمحسنين أن يمدوا أيديهم إلى جيوبهم لكي تستعيد فرنسا فينوس وتعيدها إلى موضعها، في كأسها.
10:32 دقيقه
TT
إنها فينوس يا محسنين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
