إعلان ترشيحات جمعية المصورين الأميركية

مصورون تحدثوا عن تجاربهم في 5 أفلام

TT

إعلان ترشيحات جمعية المصورين الأميركية

أعلنت «جمعية المصورين الأميركية» قبل ثلاثة أيام ترشيحاتها لجوائزها السنوية لهذا العام. ستكون المناسبة السادسة والثلاثين التي توزع فيها هذه الجمعية المتخصصة جوائزها هذه. وتنطلق المناسبة في العشرين من شهر مارس (آذار) في حفلة فعلية (بحضور ضيوف) وأثيرية على النت في وقت واحد.
لطالما شغلت جوائز «جمعية المصورين الأميركية» الاهتمام لكونها من بين تلك الأكثر تخصصاً ومدعاة للاحترام. ليست الجمعية المتخصصة الوحيدة، لكن مجال تخصصها، وهو التصوير السينمائي، يجعلها من بين الأبرز في ميدان السينما، خصوصا أن معظم من فيها من المصورين لهم وزنهم في ترشيحات الأوسكار، وبالتالي معظم ترشيحاتها تصب في ترشيحات أكاديمية العلوم والفنون السينمائية، وكذلك الفيلم الفائز بينها.
ولا يُقبل انضمام عضو لهذه الجمعية إلا إذا كان مدير تصوير فعليا. العروض تنطلق للأعضاء البالغ عددهم 433 كامل العضوية، قبل نهاية العام. والاقتراح بحسب النقاط التي يفوز بها كل فيلم.
هناك خمسة أفلام في سباق جائزة تصوير أفضل فيلم روائي وأربعة في ميدان الفيلم التسجيلي. لجانب هاتين المجموعتين هناك جوائز للتصوير التلفزيوني مخصصة للأفلام المصنوعة لحساب التلفزيون (ستة أفلام) وللحلقات التلفزيونية التي يبلغ مداها ساعة واحدة وهذه منقسمة لاثنتين: تلك المعروضة على محطات تجارية والأخرى المعروضة على محطات غير تجارية (ستة أفلام لكل قسم).
بطبيعة الحال، ولأسباب تتعلق بالعلاقة الجوهرية بين التصوير وصناعة السينما، تستأثر المسابقة المخصصة للتصوير السينمائي بالاهتمام الأول. ليس فقط لأن أصحابها مرشحون للترشيحات وللجوائز اللاحقة فقط، بل أيضاً لكون فن التصوير السينمائي واحدا من أرقى فنون السينما والمضمار الذي عليه أن يتبع كل تفصيل لكل عنصر رئيسي آخر. هو ما يمنح الفيلم صورته وبصرياته والممثل وجهه والديكور مكانته والنوع الذي ينتمي إليه الفيلم جوه.
طبعاً، هذا إذا ما كان مدير التصوير متمكنا من فنه كحال المرشحين الخمسة الذين يقودون أفلامهم صوب احتمالات الفور وهم: برونو دلبونل وكريغ فرايزر ودان لاوستن، وآري وغنر وهاريس زامبارلوكوس عن «بلفاست».
هذا يعني غياب المجموعة المركزية التي يتردد اسمها في معظم المناسبات السابقة أمثال روبي رايان (المفضل لدى المخرجين سالي بوتر وكينيث لوتش)، روبرت رتشردسون (يعمل كثيراً مع مارتن سكورسيزي وكونتن تارنتينو من بين آخرين) وروجر ديكنز (عادة مع الأخوين جووَل وإيتان كووَن) وسواهم. التالي ملاحظاتنا على هذه النخبة من مديري التصوير ومقتطفات مما أعلنوه في جلسات جمعتني بهم، من بين آخرين، قبل إعلان النتائج ببضعة أسابيع.

> برونو دلبونل: «مأساة ماكبث»
(The Tragedy of Macbeth)
لفيلمه الأول منفصلاً عن شقيقه إيتان، قام المخرج جووَل كووَن بالاستعانة بمدير التصوير برونو دلبونل الذي كان صور للأخوين سابقاً «داخل ليووين ديڤيز» (2013) و«أنشودة بستر سكروغز» (2018) والذي سبق له أن صور للفرنسي جان - جاك جونيه «إميلي» وللراحل بيتر بوغدانوفيتش «مواء القطة» (كلاهما سنة 2001).
الفيلم تجربة خاصة على أكثر من صعيد: مصور بالأبيض والأسود والكادر ضيق والديكورات بسيطة ما أتاح لمدير التصوير الفرنسي تتويج كل ذلك بملامح بصرية كلاسيكية وشعرية. يقول: «كنت قرأت شكسبير خلال دراستي لكني لا أدعي أنني فهمته. من الصعب ترجمة اللغة الفترة الإليزابيتية إلى الفرنسية. لذلك عمدت لسؤال جو عن فحوى «ماكبث»، وهنا حدد لي المخرج ما يريده تماماً. قال لي إنه لا يريد التصوير في اسكوتلندا ولا تصوير الفيلم كمسرحية. ما كان مهماً بالنسبة إليه هو الإيقاع.
الأمر الثالث الذي أصر عليه المخرج هو التصوير بالأبيض والأسود: «رأى إنه إذا كان الفيلم ملوناً فإن ذلك يعني تلوين الجدران والأبواب وغيرهما من الديكورات وهو لم يرغب في ذلك. ووافقته فوراً. في الفيلم لا تعرف الليل من النهار. كلاهما مصور بلون واحد تقريباً، ومع مطلع الفيلم تعتقد أنك تتطلع إلى السماء الرمادية بينما الكاميرا تصور لك الأرض الرمادية. وهناك وحدة إيقاع فعلية من خلال أسلوب التصوير وأسلوب جو في الإخراج».

> كريغ فرايزر: «دون» (Dune)
هذا هو الفيلم الخيالي - العلمي الأول لمدير التصوير (الأسترالي) كريغ فرايزر. أكثر من ذلك، لم يكن لديه هوس إنجاز رواية فرنك هربرت فيلماً كما كان حال المخرج الكندي دنيس فيللنييف «هذا كان هاجس المخرج منذ 40 سنة. أما أنا فكنت غريباً عن روح الرواية. لكننا جلسنا طويلاً خلال التحضير وأعطاني رأيه في الشكل الذي يتوخاه». ولم يفاجأ فرايزر برغبة المخرج تحقيق فيلم كبير بشاشة عريضة: «ذكرنا (لورنس العرب)، وتحدثنا عن أن الفيلم سيعرض في صالات آيماكس، لكن كان علينا أن نختار وسيطاً في نظم التصوير يصلح لتلك الشاشة الضخمة وللشاشات التقليدية أيضاً».
أحد الأمور المهمة التي تباحث فرايزر وفلنييف حولها طويلاً كيفية التعامل مع المشاهد الخارجية والداخلية والرأي استقر، كما يقول فرايزر، على الحل التالي: «قررنا أن نمنح كل المشاهد النظام ذاته من التصوير مع منح المشاهد الداخلية ألفة ودفئاً. بعض الكاميرات لديها خاصية تحقيق ذلك حتى ولو حافظت على نظام الصورة الكبيرة».

> دان لاوستن: «زقاق الكابوس» (Nightmare Alley)
هو الفيلم الجديد لغويلرمو دل تورو («شكل الماء»، «كريسمون بيك»... الخ) والمخرج يؤكد أنه ليس إعادة صنع لفيلم سابق قام إدموند غولدينغ بتحقيقه سنة 1947 من بطولة تايرون باور وجوان بلوندل، بل هو اقتباس من الرواية ذاتها كما كتبها ويليام لندساي غريشوم. بناء على ذلك قرر مدير التصوير دان لاوستن عدم مشاهدة ذلك الفيلم: «لم أشاهد الفيلم الأول، واكتفيت بتريلر فقط. تحدث معي عن هذا الفيلم قبل نحو سنة من بدء التصوير (الذي تم في كندا) والتقينا عندما قرر أن يكون «زقاق الكابوس» فيلمه التالي بالفعل، وتباحثنا في تفاصيل تصويره من كل الجوانب». ومن بين ما تحدثا بشأنه إذا ما كان من الأفضل تصويره بنظام سينما سكوب أو بنظام 65 مم. واستقر الرأي على النظام الثاني. عمد دان إلى عدة كاميرات من نوع Arri Alexa وبؤراتها المتنوعة: «لهذا الفيلم قررنا أن نصور من زاوية عريضة ومنخفضة عن المعتاد».
الزاوية المنخفضة لا تشمل مشاهد الفيلم إلا بنسبة الثلث تقريباً. إنها غالباً في المشاهد القريبة ومشاهدة ملاحقة سير شخصيات الفيلم أو في بعض تلك الداخلية. ما هو أكثر فاعلية اللعب بالإضاءة لإنجاز «لوك» متميز بعناصر إنتاجية ما زالت ترنو إلى الماضي.

> آري وَغنر: «قوة الكلب»
(The Power of the Dog)
كنا تناولنا هنا بتوسع فيلما «مأساة ماكبث» و«قوة الكلب»، كلاهما ينتمي إلى فترة تاريخية وأصول أدبية مختلفة. «قوة الكلب» هو وسترن معاصر (كون أحداثه تقع سنة 1925) حول صاحب مزرعة يبدأ الفيلم به قوياً وينتهي به ضعيفاً. بالنسبة لمديرة التصوير آري وَغنر كانت الرغبة الأولى تحقيق فيلم «يدعوك لمشاهدته مرة ثانية أو تبقى مشاهده عالقة في البال».
التحضير لتصوير الفيلم كان مهماً من حيث إن رغبة المخرجة جين كامبيون التصوير في نيوزيلاند وليس في ولاية مونتانا (حيث تقع الحكاية): «اتصلت بي كامبيون قبل سنة وشهر من بدء التصوير وحدثتني عن المشروع. كان واضحاً لدي أن الانتقال من مونتانا إلى نيوزيلاند يفرض علينا تفاصيل تتعلق بالفصول الطبيعية والألوان كما بالمواقع. انطلقنا لمواقع تعرفها المخرجة كما تعرف كفها وحاولنا الإحاطة بكل العراقيل المحتملة بحيث لا نتعرض خلال التصوير لأي منها».
وتضيف «للتصوير الداخلي اعتمدنا أساساً على الإضاءة الطبيعية ما عدا الحالات التي كان علينا توزيع مصادر الإضاءة تبعاً لضرورات المشهد».

> هاريس زامبارلوكوس:
«بلفاست» Belfast
«بلفاست» هو الفيلم الوحيد بين هذه الأفلام الذي يتداول سيرة ذاتية. لكنه الثاني بينها المصور (في معظمه) بالأبيض والأسود، كما حال «مأساة ماكبث» والثاني الذي استخدم نظام 65 مم. يقول مدير تصويره (من أصل قبرصي): «عملت مع كينيث برانا ثماني مرات حتى الآن (بدأ تعاونهما معاً في فيلم Sleuth سنة 2007) ولهذا المشروع قررت أن أستمع إليه أساساً؛ لأن المشروع يخص مرحلة من حياته. كنت أريد أن أعرف منه كيف ينظر إلى ذكرياته صبياً وذكريات المدينة التي وُلد فيها، بلفاست قبل أن أبدي رأيي. هذا ساعدني على تكوين فكرة فنية عن كيف سنقوم بمعالجة الموضوع».
لمثل هذا الفيلم متطلبات كثيرة كونه يُعود لمرحلة سابقة من مدينة بلفاست وعماراتها وملامح شوارعها آنذاك، لكن هاريس يتولى القول بأن التصوير خلال وباء كوفيد لم يكن أقل صعوبة: «بدأنا المشروع على الهاتف بعد أن أرسل لي السيناريو. تبادلنا الاتصال عن بعد. عندما انتقلت إلى بلفاست كنت سعيداً كون العديد من الأماكن ما زالت كما كانت حين كان برانا ما زال ولداً. الواقع أن الأماكن التي اخترناها للتصوير تساعدنا على إيجاد دفء العلاقة بين الفيلم وبطله وبينهما والمشاهد».
اعتمد زامبارلوكوس على نظام بانافيجين (Large Format System 65 Lenses) وهذا نظام قديم نوعاً ما تم استنباطه في مطلع التسعينات: «أفضل هذا النظام ودائماً ما أصور به. ولم يكن هناك داع للتصوير بكاميرا ثانية. في معظم الفيلم اكتفيت بكاميرا واحدة».


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز