مهرجان «أفلام السعودية» بعضها عن الوحدة والخوف

أفلام سعودية وعربية متنوّعة الحكايات والأساليب

المكان المهجور  (مهرجان أفلام السعودية)
المكان المهجور (مهرجان أفلام السعودية)
TT

مهرجان «أفلام السعودية» بعضها عن الوحدة والخوف

المكان المهجور  (مهرجان أفلام السعودية)
المكان المهجور (مهرجان أفلام السعودية)

لا يتضمن مهرجان «أفلام السعودية» أفلاماً سعودية فقط، حتى في مسابقتيه الروائية والقصيرة. نعم، هناك العديد من الأفلام السعودية إنتاجاً وإخراجاً، أو أفلام من إخراج سعوديين إنما من إنتاج يتبع دولة أخرى، لكن القاسم المشترك لها جميعها ذلك الخط العريض من حرية الاشتراك الذي يسمح لأفلام عربية مختارة بأن تكون لها مساحة لا بأس بحجمها ضمن إطار المهرجان بالكامل.

 

جوائز محورية

تشير بعض الأسباب إلى أن عدد الأفلام الروائية الطويلة، على الأخص، ليس كافياً بعد لأن يملأ الخانة المفترضة له. هذا ليس تقصيراً لو نظرنا إلى أن صناعة الفيلم الروائي الطويل ليست عملية كبس أزرار، بل تحتاج عجلتها إلى ذلك الوقت الفاصل بين كتابة السيناريوهات وتهيئة إمكانات وعناصر إنتاجها. في بلد يندفع قُدماً في تأمين كل ما من شأنه تغذية السينما بالعناصر والإمكانات وتشجيع المواهب على التقدّم والإبداع، فإن المسألة ليست إلا مسألة وقت قبل أن يرتفع منسوب الإنتاج إلى معدّل يسمح للسينما السعودية تأمين ما يكفي من الأفلام لكي تطرح نفسها على أكثر من مستوى وفي أكثر من مناسبة أو مسابقة.

تقود أفلام المسابقة الروائية العام الحالي، لجنة تحكيم من ثلاثة أشخاص هم المنتج الفرنسي ديفيد سيزكايند، والمنتجة التونسية درّة بو شوشة، والمخرج والممثل السعودي هشام فقيه.

الجوائز التي ستوزّعها هذه اللجنة غداً (الخميس) على أفلام المسابقة هي:

1- النخلة الذهبية لأفضل فيلم

2- النخلة الذهبية للجنة التحكيم

3- النخلة الذهبية لأفضل ممثلة

4 - النخلة الذهبية لأفضل ممثل

5 - النخلة الذهبية لأفضل صوت

6- النخلة الذهبية لأفضل تصوير

7 - النخلة الذهبية لأفضل سيناريو

8 - النخلة الذهبية لأفضل مونتاج

9 - النخلة الذهبية للفيلم الخليجي الروائي القصير

 

هذه الجائزة الأخيرة لا معنى لها في قسم الروائي الطويل، لكنها مُضافة؛ أما الجوائز الأخرى فمطلوبة وضرورية خصوصاً تلك التي تزكّي جهد مصممي الصوت ومديري التصوير وكتّاب السيناريو. الغائب (لسبب غير معروف) جائزة أفضل مخرج، وكان يمكن لها أن تكون الرقم الإضافي أو تحل محل جائزة النخلة للفيلم الخليجي.

 

 

عدد الأفلام المشتركة في هذا القسم ستّة؛ أربعة منها سعودية الإخراج أو الإنتاج وهي «المكان المهجور» لجيجي حزيمة، و«أغنية الغراب» لمحمد السلمان، و«عبد» لمنصور أسد و«طريق الواد» لخالد فهد. الآخران عراقيان وهما «رجل الخشب» لقتيبة الجنابي و«آخر السعادة» لسعد الصبّاغ.

«أغنية الغراب» و«طريق الوادي» سبق لهما الاشتراك في مسابقة «مهرجان البحر الأحمر». لكن حضورهما هنا مهم كون مهرجان «أفلام السعودية» كياناً منفصلاً عن المهرجان الشقيق وهو معني باستقبال الأفلام الصالحة لدخول هذه المسابقة سواء شهدت عرضها الأول في مهرجان «البحر الأحمر» أو لم تفعل كفيلمي «المكان المهجور» و«عبد».

هذا الفيلم الثاني يدخل في إطار فانتازي لكنه يستند إلى دوّامة واقعية تشغل بال المثقفين حول المسموح به والممنوع وما إذا كان صانع فيلم ما يستطيع تجريد نفسه من المسؤوليات والتوابع التي تحيط به. يجد نفسه محاطاً بالنقد لما أقدم وزوجته عليه (فيلم يحذّر من عواقب الشرب لكنه يستخدم الشرب لإيصال رسالته) ما يدفعه للانتقال إلى زمن آخر من دون أن يجد في ذلك الزمن الآخر حلاً لمشكلته.

يحمل الفيلم نواة الرغبة في استحداث فكرة جديدة تُضاف إلى المطروح، بالإضافة إلى الرغبة في ولوج نوع سينمائي مغترب ويحقق جزءاً ولو محدوداً في الجانبين.

أما «المكان المهجور» لجيجي حزيمة، فهو النوع المناقض تماماً ليس في فكرته فقط، بل في أسلوبه وخامته. في حين يحاول بطل الفيلم السابق الهرب لا تجد بطلة «المكان المهجور» ما تهرب إليه. بدا لها أن الانتحار هو الحل النموذجي للهروب، لكنها تفشل في تحقيق هذه الغاية فتعيش القلق الذي كانت تحاول التخلص منه.

جزء من أسباب القلق هو وصولها إلى حافة منتصف العمر وجزء آخر هو وحدتها بلا صديق وبلا حياة عاطفية أو جنسية. هذا الهم كبير جداً في فيلم يريد أن يعثر لنفسه على رسالة يطرحها. وحسناً فعلت المخرجة، وهي كاتبة السيناريو كذلك، عندما ترجمت هذه الرسالة لمشاهد تبوح بها لمحيطها المحدود بأسئلتها القلقة.

«المكان المهجور» لا يستعجل إيقاعه. مبني هكذا والمخرجة تطرح الأسئلة ولا تستخدم الآراء كإجابات. ليس هناك من فعل صحيح وآخر خطأ بل استمرار البحث في معنى الحياة بالنسبة لبطلتها.

الصورة التي تختارها المخرجة حزيمة هي مثل تلك التي تتبدّى من خلال دخان. لا تمنع الرؤية لكنها تشي بالمسببات.

أماكن في البال

«المكان المهجور» (العنوان يرمز إلى أكثر من مكان كالقلب وكالبيت إلخ...) هو أنضج ما شوهد من أفلام المسابقة بجانب فيلم «الرجل الخشب» لقتيبة الجنابي.

هذا الثاني، وبطبيعة الحال يختلف عن أي فيلم آخر لكن الاختلاف جذري. ليس فيلماً غرائبياً بالمعنى المتداول ولو أن بطله رجل من خشب. هو فيلم رمزي يواصل فيه المخرج العراقي تجسيد خوف يتعرض له أبطاله في كل فيلم يخرجه. مثلهم خرج قتيبة هارباً من العراق أيام صدّام حسين وحزب البعث الحاكم، ومثلهم ركبه الخوف من الملاحقة والمطاردة وانتقل من بلد لآخر قبل أن يستقر، كعدد منهم في بريطانيا.

هذه الحال معكوسة في «الرحيل من بغداد» (2011) و«قصص العابرين» (2017) و«رجل الخشب». من يتابع الأفلام يدرك لماذا أصبح بطله خشباً على هيئة رجل. لقد مرّ بسلسلة من المخاوف والآلام النفسية بحيث تحوّل إلى كائن من السهل حرقه. شخص يكاد، لولا بقايا روح، أن يصبح جماداً.

يبدأ الفيلم به مُطارداً في بلد ما بارد. الجميع يبحث عنه ويحذّر منه ويريد القبض عليه. هؤلاء ليسوا أتباع النظام السابق، بل هم الآن السلطات الأوروبية. نسمع أصوات إنذارات سياراتهم. نتطلع إلى وجهه الخالي من التعابير، كونه خشبياً، لكنه الموحي بالخوف الذي يركبه.

يلجأ إلى منزل في ريف ما ويدخله. يختبئ في غرفة ويتلصص على المرأة التي تملكه والتي بدورها تريد بيعه لترحل. هي الآن على شفا الرحيل لزيارة طويلة وتشعر بأن من يحذّر البوليس منه موجود في بيتها، لذلك تقدم على تأمين سلامته بالحديث مع الحارس الذي يعيش في بناء صغير ملحق بالمنزل الكبير.

هو أيضاً رجل محجوز يبحث عن الحريّة ويدرك وجود رجل الخشب، بذلك يصبح الفيلم بحثاً متسع الدائرة للخوف وحب الرحيل واللجوء والمتاعب التي تمر في بال كل الشخصيات ووجدانها. في النهاية، سيتسلل الرجل الخشب من البيت ويعاود الركض طالباً لجوءاً جديداً.

عرض قتيبة هذا الفيلم في أكثر من مهرجان (بينها مهرجان طوكيو) وحالياً بدأ التحضير لفيلم جديد. يقول لهذا الناقد: «أصوّر لأجمع مادة الفيلم. لكني بلا تمويل لحد الآن. اتصالاتي مع صناديق التمويل العربية محدودة وهي الآن أقل مما كانت عليه، لكني أحاول».

عرض قتيبة عليّ 12 دقيقة صوّرها في العراق تشي بطيف من الموضوع الذي سيتشكّل: مجنّد شاب يصل إلى مقر عسكري. الضابط يحاول استمالته بالقوّة ويهدده بالبقاء في الغرفة التي تضم جثث قتلى «خانوا الوطن» إذا رفض. قبل المشهد المُدار بإحكام وبلاغة، يطلق المخرج العنان لكاميرا تصوّر جماليات داكنة لعالم جميل ومقلق في الوقت نفسه.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ناقش الفيلم العلاقات الأسرية بمعالجة مغايرة - الشركة المنتجة

«كانتو» فيلم تركي يرصد هشاشة الروابط الأسرية

لا يذهب الفيلم التركي «كانتو» إلى الدراما العائلية من باب الصدام المباشر أو المبالغات العاطفية، بل يختار الاقتراب الهادئ من التفاصيل اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة الأميركية جينيفر لورانس (أ.ف.ب)

جينيفر لورانس تكشف: خسرت دوراً لصالح مارغوت روبي بعد وصفي بـ«القبيحة»

كشفت الممثلة الأميركية جينيفر لورانس أنها خسرت دوراً في أحد الأفلام لصالح زميلتها مارغوت روبي بعد أن وصفها النقاد بالقبح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
TT

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)

في قلب الطبيعة الساحرة بمدينة العلا، حيث يقام معرض «صحراء X العلا 2026» تتيح تجربة بصرية وفلسفية فريدة لجمهور المتطلعين اكتشاف حكايات الفن والفنانين، وذلك من خلال أعمال 3 فنانين سعوديين مشاركين في نسخة هذا العام، نجحوا في مد جسور بين الماضي والحاضر، وتحويل عناصر البيئة المحلية إلى أيقونات فنية ملهمة.

يقول الفنان السعودي محمد الفرج، الذي يشارك بعمله إلى جانب عملين للراحل محمد السليم والفنانة بسمة فلمبان، إن الفن السعودي امتداد رصين يرسخ الارتباط بين جيل الرواد والشباب من الفنانين السعوديين، من خلال تجاور الأعمال في فضاء طبيعي ملهم مثل العلا، وأضاف الفرج أن جيل البدايات ألهم الأجيال التالية وترك تأثيراً لديهم، كما أن أعمالاً مثل عمل الفنان محمد السليم في معرض «صحراء X العلا 2026» لم يفقد قدرته على الإلهام، رغم مرور عقود على إنجازه، ولا يزال ينطوي على طاقة الإبداع والإلهام.

عمل الفنان الرائد محمد السليم (فنون العلا)

إرث محمد السليم: «الأفقية» تنبثق من الرمال إلى السماء

في لفتة وفاء تاريخية، يحتفي المعرض بإرث الرائد الراحل محمد السليم الذي يعرض لأول مرة مجموعة مختارة من منحوتاته التي صممها لبلدية مدينة الرياض في ثمانينات القرن الماضي وهي من بين مشاريعه الأقل شهرة، التي استوحاها من المناظر الطبيعية الصحراوية، وتتجه كل منحوتة منها نحو السماء، مستخدمةً الهندسة بشكل رمزي، وتُشير الأشواك البلورية في الشوكة الخماسية إلى الحماية والصمود، أما الأوجه الملتوية لوحدة «الشرف»، فترمز إلى المعرفة والفهم والتواصل، بينما تُمثل المثلثات، وهي سلسلة متصاعدة من الأشكال المتشابكة، استعارة للقوة المُجتمعة للثقافات المُتنوعة.

وتحتفي بتلات برعم الزهرة المُتفتحة بالجمال الكامن في الإمكانات الشابة، وقد استُلهمت زخارف النجوم والهلال التي تعلو رمز الأهلّة من خيام البدو وسماء الليل.

وبوصفه أول من أقام معرضاً فنياً في الرياض عام 1967، وأسس دار الفنون السعودية عام 1979، أول دار فنية في الرياض، موفراً بذلك منصة حيوية للفنانين للتجمع وعرض أعمالهم والحصول على مواد كانت نادرة آنذاك، في تجسيد لالتزامه الدائم برعاية الفنانين والمصممين والمهندسين المعماريين، يعود السليم اليوم عبر «صحراء X العلا 2026» ليؤكد أن الرؤية الفنية الأصيلة لا تموت، بل تتجدد مع كل «برعم زهرة» يتفتح في قلب الصحراء.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

بسمة فلمبان: صدى الأنهار القديمة في «همس الحصى»

بلمسة تجريدية ضخمة، تعيد الفنانة بسمة فلمبان قراءة الجيولوجيا التاريخية للعلا، من خلال عملها «همس الحصى» المستوحى من تكليف أصلي لمعرض «صحراء X العلا 2024» بتنسيق مايا الخليل ومارسيلو دانتاس.

وحولت فلمبان الحصى الصغيرة إلى منحوتات جيرية عملاقة تستقر على ألواح فولاذية تعكس أشعة الشمس.

ويسلط العمل الضوء على ظاهرة «التافونية» وتكون التجاويف الصخرية التي تشبه خلايا النحل، تقول بسمة فلمبان: «تحمل هذه الحصى معرفة بأنهارنا القديمة، فهذه الحصى، بشكلها الدائري وأطوالها، تخبرنا عن سرعة تدفق المياه وكيف تحركها الأمواج بعيداً أو بالقرب من أقدامنا، إنها تحمل في طياتها صدىً حيوياً لأرضنا، بتقلباتها وتضاريسها».

واشتهرت الفنانة السعودية فلمبان بأعمالها التركيبية المستوحاة من الهندسة الإسلامية، وقد حوّلت عنصراً جيولوجياً صغيراً إلى تحفة فنية ضخمة. فبينما تستقر حصى عملاقة منحوتة من الحجر الجيري على ألواح فولاذية تشبه أشعة الشمس، تتكون منحدرات العلا الرملية من رواسب غنية بالكوارتز، تراكمت بفعل شبكات الأنهار والدلتا القديمة.

وشكلت هذه المجاري المائية القديمة المشهد الصحراوي الحالي، وتشكلت تجاويف صخرية تشبه خلايا النحل على واجهات الجبال المعروفة باسم «التافونية»، بفعل عوامل التعرية.

وتتسبب عوامل التعرية في سقوط الأجزاء المجوفة، كالحصى، لتشتيت ما كان متماسكاً في السابق.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

محمد الفرج: فلسفة التعايش في «متاهة الحكايات»

ويطل الفنان محمد الفرج بعمل فني يتخذ من الطبيعة شريكاً استراتيجياً. فهو الذي استلهم رؤيته من طفولته في واحات الأحساء، ويرى في النخيل وقنوات الري والتربة أوعية للصمود.

ويقدم الفرج نخلة بديعة وهي ليست مجرد مجسم، بل هي نتاج تلاحم مجموعة أشجار، مستحضراً تقنيات «التطعيم» التي كان يمارسها جده لإطالة عمر الأشجار المحتضرة، من خلال عملية تقليدية تُطيل عمر الجذع، فينمو مُتحداً مع جذعٍ آخر.

يقول الفرج: «هذا التلاحم هو مثال حي على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بوصفه فعلاً أساسياً للبقاء»، ويدعو العمل الزوار للدخول في متاهة تسرد حكايات الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبيئته.

وتقود هذه المتاهة إلى نخلة مميزة مؤلَّفة من أشجار عديدة، ويعكس هذا التلاحم البستاني، بالنسبة إلى الفرج، مثالا حياً على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بشكلٍ طبيعي، وكيف يُعدّ الاعتماد المتبادل فعلاً أساسياً للبقاء.

وبين «تعايش» الفرج، و«ذاكرة» فلمبان، و«أفقية» السليم، يثبت الفن السعودي في العلا أنه ليس مجرد عرض جمالي، بل هو حوار ممتد بين الهوية والأرض، ورسالة للعالم بأن الصحراء كانت ولا تزال مهداً للإبداع والابتكار.


جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.