شاشة الناقد: حالة اختفاء مكسيكية من بين 100 ألف حالة

«تحويلة رجل ميّت» (مهرجان فريبورغ)
«تحويلة رجل ميّت» (مهرجان فريبورغ)
TT

شاشة الناقد: حالة اختفاء مكسيكية من بين 100 ألف حالة

«تحويلة رجل ميّت» (مهرجان فريبورغ)
«تحويلة رجل ميّت» (مهرجان فريبورغ)

امرأة تبحث وحيدة عن زوجها. وتحرّي يبحث عن القاتل... ومن ثمّ عقرب كبير يبحث عن ضحاياه من البشر

DEAD MAN‪’‬S SWITCH ★★★★

إخراج: أليخاندرو غربر بيكاشي | دراما | المكسيك | 2024

«تحوّلات رجل ميّت» دراما بالأبيض والأسود عن امرأة وقضية. المرأة هي داليا (أدريانا باز) والقضية هي اختفاء زوجها فجأة من دون أثر. تعمل سائقة عربات «مترو» تحت الأرض في ساعات الليل المتأخرة. نتعرّف عليها في حجرة القيادة الصغيرة وعيناها مثبتتان على النفق أمامها. تتوقف عند محطة. تفتح الباب. ترقب. تضغط على زر إشارة التحذير، ثم تغلق الأبواب وتمضي.

حين تصل إلى المحطة الأخيرة لها تخرج من حجرة القيادة وتمشي في نفق تحت الأرض وحيدة. الساعة متأخرة ولدى المخرج رغبة مناسبة في توظيف اللحظة لتصويرها تمشي في شوارع الليل، وهي تنظر حولها كل قليل. الليل يحمل خوفاً وعندما تكون في مدينة مثل مكسيكو سيتي، وعليك أن تمشي مسافة طويلة وحيداً في عتمة الليل، فإن هذا الخوف يوجّهك لإسراع الخطوات والالتفات كل قليل للتأكيد من أن أحداً لا يلاحقك.

في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2023 أصدرت الأمم المتحدة ما يؤكّد أن عدد الأشخاص الذين اختفوا في العام السابق (2022) قارب المائة ألف شخص للمرّة الأولى في تاريخ المكسيك.

فيلم أليخاندرو غربر بيكاشي يتحدّث عن حالة واحدة (وإن كان يتطرّق في بعض حواراته إلى عدد هائل من المختفين بلا أثر). هذه الحالة هي التي تؤلّف موضوع الفيلم، فداليا تبحث، والفيلم ما زال في مطلعه، عن زوجها المختفي. حال وصولها إلى البيت حيث ولديها ووالدتها يعلن الفيلم أن مشكلتها ليست فقط في الخوف من المدينة ليلاً، بل في مسألة اختفاء زوجها منذ 3 أيام من دون أثر.

لا يتحدّث المخرج في الفيلم، أو من خلال تصريحاته القليلة التي أدلى بها، عن حالة مستخلصة من حادثة واقعية. مع وجود مائة ألف حالة مشابهة لا يمكن لحالة واقعية واحدة أن تفي بالتعميم الذي يوفّره نص متحرر من الانتماء لحدث واحد.

داليا في كل مشهد من الفيلم تقريباً؛ امرأة في مطلع الأربعينات من العمر. قوية البنية. معتدلة الجمال وصادقة في اندفاعها للبحث عن فقيدها. لكنها ليست، في الوقت نفسه، ملاكاً. تحب زميلاً لها في العمل (نوا هرنانديز) وكانت تخون زوجها معه. بعد اكتشاف اختفاء زوجها لا تزال تعيل على عشيقها لمساعدتها عاطفياً. يكشف الفيلم المزيد من الأوضاع العائلية. ابنتها المراهقة وابنها المثلي. تعلم حقيقته وتقبل بها. هذه الملامح ستعترض أحداث الفيلم من حين لآخر موفرة البيئة العائلية التي وجدت نفسها فجأة مكشوفة بلا غطاء كان الأب والزوج يوفره.

ما هو جميل في هذا الفيلم، لجانب تصويره بالأبيض والأسود (قام به هاتووِي فيڤروس) الذي يعرف كيف يخلق الجو المناسب لكل لقطة ولا يتكلّف في حركة الكاميرا لتبرز دون سواها، حقيقة أنه يكشف عن عالم غير مترابط. الحبكة ليست معنية فقط بامرأة تبحث عن زوجها، بل - وعلى القدر نفسه من الاهتمام - بحال مجتمع تركبه مصالح وإدارات لا تكترث.

عندما تتقدّم داليا لإدارتها بطلب منحها الوقت اللازم للبحث عن زوجها يرفض المدير ذلك على أساس أن الطلب لا يندرج تحت بند القانون الداخلي: «لا علاقة لنا بمشاكِلك الخاصّة»، هذا ما يؤدي، لاحقاً، إلى استقالتها، لكن من قبل أن يُكشف عن تعنّت الإدارة قد يعود إلى أنها صوّتت في الانتخابات لصالح مرشّح آخر.

يضع المخرج الأحداث في أحد العامين اللذين شهدا انتشار وباء «كورونا». معظم المشاهد الخارجية هي لها ولسواها (ركاب قطار، مشاة عاديون، موظّفون... إلخ) يرتدون القناع الذي قيل إنه ضروري لمنع انتشار الوباء. لكن الأمر أكثر مما تعنيه الحالة. اللقطات العامّة والأمامية لجموع الناس ترمز إلى حالة من الصمت كما لو أن لكل شخص نراه خارجاً من القطار أو سائراً على أرصفة الشوارع قد فقد علاقة ما بدنياه. هناك كتمان وهناك خوف وليس هناك من سعادة.

في أحد المشاهد تدخل داليا غرفة المراقبة الأمنية. مئات الشاشات تلتقط كل ما يدور خارج المكان. عين كاشفة. رقابة لا نحسّ بها ونحن نمشي في الطرقات. في النهاية، يكشف الفيلم عن سرّ آخر. لقد التقطت كاميرا المحطّة الزوج من ظهره يمشي وحيداً من مطلع نفق إلى آخره. يقول لها الشرطي: «بعد ذلك لا أثر له. لقد اختفى حال استدار عند نهاية النفق».

حياة داليا كانت بدورها مثل السير في نفق. عند نهاية الفيلم ستستدير لتواجه نهاية البحث من دون نتيجة ولتكمل حياتها من دون حلّ.

* عروض مهرجان فريبورغ (فرنسا، 2024).

DAMAGED ★★★

إخراج: تَري ماكدونا | تشويق بوليسي | الولايات المتحدة | 2024

«خلّي» عينك على سامويل ل. جاكسن في هذا الفيلم.

هو تحري من شيكاغو يصل إلى أسكوتلندا ليساعد البوليس هناك في القبض على قاتل يمثّل بجثث ضحاياه من النساء ويقطّع أوصالهن ويترك أدلة تشير إلى أنه مهووس ديني يؤمن بالشيطان. التحري الأسكوتلندي الذي سيعمل معه هو غلن (جياني كابالدي) وهناك آخر يصل من فرنسا لمساعدتهما هو براڤو (ڤنسنت كاسل).

سامويل ل. جاكسون في «متضرر» (هاي فايف فيلمز)

أحد هؤلاء الثلاثة هو القاتل... أو هل يمكن أن يكون هناك قاتلان؟ على الأقل هناك اثنان آخران مشتبه بهما أيضاً لكنهما بريئان، وكل ذلك في فيلم بوليسي مشوّق في معظم الوقت يعمل بذكاءٍ على تورية الشخصيات التي تضطلع بالبطولة في هذا الثالوث.

دان (جاكسون) هو الأكثر ميلاً لإثارة الانتباه بوصفه شخصية يحمل جروحه معه منذ 7 سنوات عندما قتل أحدهم المرأة الوحيدة التي أحب بالطريقة نفسها. هو أحد هؤلاء الثلاثة. في أنحاء مختلفة من هذا الفيلم الذي يبذل فيه المخرج ماكدونا جهداً كبيراً لمعالجة يريدها مختلفة عن معالجات الأفلام الشبيهة الأخرى، تتغلب الرغبة في تسويق الفيلم عبر مشاهد مطروقة (المطاردة الأخيرة مثلاً) على العمق المفترض. هناك التحري غلن، المدفوع بالحقد لمقتل زوجته، ورئيسته في جهاز البوليس التي لا ينصاع لأوامرها. كذلك عنصر الشخصيات التي تتصرّف كما لو كانت المذنبة لكنها ليست كذلك.

في بعض مراحله يبدو الفيلم كما لو أنه سيشق طريقه صوب آفاق أبعد، لكنه في الواقع يبقى قريباً مما طفحت به أفلام القتل المتسلسل من أيام تحقيق ديڤيد فينشر فيلمه الشهير «Se7en» قبل 29 سنة.

فيلم جيد في مجمله، يؤكد حنكة مخرجه وإتقانه تنفيذ ما يريد تنفيذه من حركة وأجواء (غالباً تميل إلى الدكانة لكنها لا تلتحق بأسلوب «الفيلم نوار»- إذا كان هذا مقصوداً). كل تلك الحسنات لا تنفع في تحويل العمل لأكثر من فيلم بوليسي جيد التنفيذ، لكنه يبقى عابراً لا يبقى طويلاً في البال.

* عروض: تجارية.

STING ★★

إخراج: كيالا راوشر-تَرنر| رعب | الولايات المتحدة | 2024

الأفلام القديمة التي دارت حول عناكب صغيرة أو كبيرة (أفضلها Tarantula لجاك أرنولد، 1956) استفادت من البراري العريضة والأراضي الشاسعة والفضاء الكبير. مع تفضيل أفلام التخويف حديثة الانتقال إلى مساحات داخلية ضيّقة صارت الشروط المطلوبة لإتقان هذا النوع من الأفلام صعبة كونها باتت ملزمة بممارسة نوع من الكلوستروفوبيا (الخوف من الأماكن المغلقة) التي تتشابه من فيلم لآخر كأماكن وتفتقد لتلك المناظر التي كانت تعكس الخطر المقبل من عمق ما.

«لدغة» (أليان)

لا بديل لتلك الكلاسيكيات عندما تُحيلنا أفلام اليوم إلى رقعة محدودة حتى عندما ينجح المخرج في توظيفٍ ضيق الأماكن ولو إلى حد.

هذا هو منوال فيلم ريدلي سكوت «Alien» ثم مئات الأفلام اللاحقة منذ تاريخ ذلك الفيلم سنة 1979. وهو منوال الفيلم الجديد «لدغة»، الذي تقع كل أحداثه داخل شقّة مسكونة بعقرب أسود (صنع المؤثرات) كان صغيراً عندما بدأت الفتاة شارلوت (أليلا براون) تربيته في برطمان دون أن تعلم أنه سيتحوّل لوحش يعيش على طعام من سيئي الحظ من البشر.

حسنة الفيلم أنه إذ يستند إلى حكاية ذات أحداث متوقعة، يعرف كيف يستخلص من مفارقاتها ما يتبلور صوب معالجة لافتة. يصنع شيئاً ساخراً ومثيراً في حدود نوعه. على الأقل يمشي الفيلم بعكس تيار العديد من أفلام الرعب التي تحوي أطفالاً في الصدارة. هنا الفتاة تدرك سوء تربيتها للعنكبوت (الذي سيكبر ويكبر ليتحوّل إلى ما يشبه الوحش في Alien) فتساهم في محاولة دحره مع أبيها.

المزعج (ولو أنه يترك تأثيراً مواكباً للتأثير المطلوب) هو الكاميرا حين تحاول أن تتصرّف كما لو تريد تلقيم المُشاهد بما سيلي. الجيد الذي يمرّ من دون أثر هو تركيب المؤثرات على نحو يجعل من الفيلم تسلية ناجحة لمن يرغب.

* عروض: تجارية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مقالات ذات صلة

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً