أسرار في علاقة مهرجانات السينما والأوسكار

تشمل تبادل منافع فنية وتجارية

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
TT

أسرار في علاقة مهرجانات السينما والأوسكار

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)

قبل زمن غير بعيد، لنقل نحو 23 سنة، لم تكن العلاقة بين المهرجانات السينمائية الدولية وحفل الأوسكار بمثل هذه المتانة التي تتجلى اليوم.

كانت جوائز الأوسكار المخصصة للأفلام ومخرجيها تبدو أكثر استقلالاً عما هي عليه الآن. كانت حفلاً أميركياً منفصلاً إلى حد كبير عن جوائز المهرجانات والمناسبات الأخرى.

على سبيل المثال، لم يمر الفيلم الفائز بالأوسكار سنة 1996 «قلب شجاع» (Braveheart) على أي من المهرجانات الأوروبية الثلاث برلين، وكان وڤينيسيا. كذلك حال الأفلام الأربعة التي نافسته وهي «أبوللو 13» و«بايبي» و«ساعي البريد» و«العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility). رغم أن بعض هذه الأفلام عرضت في مهرجانات أميركية محدودة الشهرة والإقبال مثل «لوس أنجليس فيلم فستيڤال» و«سياتل فيلم فستيڤال».

في 1998 تم اختيار خمسة أفلام للتنافس على جائزة «أفضل فيلم أجنبي» لم يكن من بينها ما عرضه مهرجان أوروبي كبير بما في ذلك الفيلم الفائز حينها «كاركتر» (Character) الآتي من هولندا. بقية أفلام تلك الدورة في هذا القسم كانت الفيلم الروسي «اللص» والفيلم البرازيلي «أربع أيام من سبتمبر» والإسباني «أسرار القلب» والألماني «ما بعد الصمت». هذه كلها انتقلت من بلدانها على نحو مباشر باستثناء ما عُرض منها في مهرجانات صغيرة.

هذا المنوال استمر حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي. بعض الأفلام المتسابقة في الفئتين، «أفضل فيلم» و«أفضل فيلم أجنبي» (تغيير اسمها إلى أفضل فيلم عالمي) شهدت عروضها الأولى في «ڤينيسيا» أو «كان» لكن على نحو محدود.

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)

تغيير اسم مسابقة «أفضل فيلم أجنبي» كشف عن محاولة أكاديمية العلوم والفنون السينمائية الإعلان بأنها أكثر عالمية مما كانت عليه، وتبع ذلك الإكثار من الأفلام الأجنبية في المسابقة الأساسية لأفضل فيلم.

أربع مزايا

ما نشهده حالياً هو أن النسبة الغالبة من الأفلام التي تدخل سباقات الأوسكار تم عرضها المهرجانات الدولية خصوصاً «كان» الفرنسي و«ڤينيسيا» الإيطالي. المنافسة بين هذين المهرجانين لتبوأ المركز الأول في عدد الأفلام التي أطلقها كل منهما وحطّت في سباق الأوسكار، حاضرة بزخم غريب كما لو أن الأوسكار هو ذراع لهما وأن ما يعرضه أي من هذين المهرجانين (وإلى حد أقل برلين) هو بالضرورة ما يجب على أكاديمية العلوم والفنون السينمائية قبوله.

إليهما (كان وڤينيسيا) ينضم مهرجانا صندانس الأميركي وتورنتو الكندي و-نظرياً- أي مهرجان آخر اختارته الأكاديمية لقبول أفلامه حين إرسالها إليه.

هناك أربعة شروط لانتخاب المهرجان- الشريك:

* أن يكون ذا تاريخ بالغ النجاح حجماً وإقبالاً.

* أن يكون مهرجاناً مُقاماً في عاصمة أو مدينة كبيرة في بلد معروف بوفرة إنتاجه وتعدد ثقافاته.

* أن يتم عرض الفيلم في صالات المهرجان المتاحة للجمهور.

* أن يتمتع المهرجان بالقدرة على جذب محترفي العمل السينمائي من مخرجين ومنتجين ونقاد سينما.

بذلك، لا عجب أن المهرجانات العربية ليست في هذا النطاق. وهي ليست وحدها، فمن بين أكثر من 5 آلاف مهرجان وتظاهرة ثانوية هناك 50 أساسية لبلدانها وأقاليمها ومن بين هذه هناك 10 أكثر أهمية من سواها، ومن هذه لدينا تلك المهرجانات التي باتت تؤلف الشريان الرئيسي لما يختاره الأوسكار لدخول مسابقاته وهي ڤينيسيا وكان وتورنتو وصندانس وبرلين (أحياناً لوكارنو ونيويورك).

مسافة زمنية فقط

في تصريح للمدير الفني لمهرجان مراكش، ريمي بونوم، على أعتاب دورته الجديدة التي انطلقت في الثامن والعشرين من هذا الشهر ذكر أن موعد إقامة المهرجان في نهاية كل عام يجعله على مسافة قريبة من سباق الأوسكار وأن دورة المهرجان الثانية والعشرين الحالية التي تستمر حتى السادس من ديسمبر (كانون الأول)، تحتوي على العديد من الأفلام التي دخلت سباق الأوسكار المقبل في فئة الأفلام العالمية.

«زنقة مالقا» (فيلمز بوتيك)

بالفعل، هناك، مثلاً، «فلسطين 36» لماري آن جاسر و«كعكة الرئيس» لحسن هادي و«زنقة مالقة» (Calle Malaga) لمريم توزاني التي دخلت المرحلة الأولى من الترشيحات. لكن المسافة القريبة بين مهرجان مراكش والأوسكار هي فقط زمنية وهذا حال كل المهرجانات العربية التي تعني باختيار أفلام يتم الإعلان عنها مسبقاً كاحتمالات دخول مسابقة «أفضل فيلم عالمي» وقد لا تدخل. في هذا النطاق فإن مهرجانات السينما كافّة تنتظر إعلان القائمة الكاملة للدول التي أرسلت ترشيحاتها من الأفلام وتم قبولها. عند هذه النقطة يبدأ شغل مهرجانات الأشهر الأخيرة من السنة لعرض ما تم قبوله عند تلك المرحلة الأولى.

من ڤينيسيا إلى الأوسكار: «فرنكنستاين» (نتفلكس)

في أفضل الأحوال فإن عرض أفلام من هذه القائمة الأوّلية أقرب لتحية تلويح باليد من المهرجان العربي، أياً كان، للأوسكار. هذا، بدوره، لن يلحظ هذه التحية ولن ير إلا تلك المهرجانات الغربية الرئيسية المعتمدة لديه.

ما يستفيده المهرجان العربي المنشغل بعروض أفلام عربية أو أجنبية قد تصل إلى الشوط الثاني من السباق الأميركي هو إتاحة الفرصة أمام الجمهور المحلي للتعرّف على هذه الأفلام وتسجيل دعاية إعلامية لا تُغادر المنصّات العربية.

حلقات

المقارنة بين هذا المنوال المتواضع من العلاقة بين المهرجان العربي والأوسكار، وبين ما يحدث في إطار العلاقة بين هذا الأخير والمهرجانات الدولية موضوع لا بد من طرحه.

مهرجانات السينما ذات الحجم والأهمية الدولية تمتلك، تلقائياً، عدة مقوّمات تساعدها على تبوؤ هذه المكانة.

على سبيل المثال، استقبال عشرات المنتجين والموزّعين والفنانين والمخرجين يشكّل عملياً اللقاء الأول بين أصحاب المشروعات ومنفّذيها المحتملين. هذا ينعكس، لدى الأكاديمية، حين تنظر إلى أهمية هذا المهرجان أو ذاك بالنسبة إليها.

هناك أيضاً حقيقة أن المهرجانات الكبيرة تكتسب مكانتها بقدر ما تعرضه من أفلام تنتقل بعد ذلك إلى مهرجانات أخرى وصولاً إلى موسم الجوائز في الأشهر الثلاثة المقبلة مثل جائزة الاتحاد الأوروبي وجائزة بافتا البريطانية وجائزة غولدن غلوبز الأميركية انتهاءً بالأوسكار.

بذلك يجد المخرج وصانعو الفيلم أنفسهم في بؤرة اهتمام ونشاط متواصل وثري. هذا يتم بإسهام من الصحافة العالمية ونقادها الذين يواكبون تلك الأفلام بدءاً من عروضها الأولى.

في حين كانت صناعة مخرج ما تتم بفضل الفيلم الذي حققه أساساً، بات ذلك يتحقق بفضل ذلك الإعلام الواسع الذي يضعه على السدّة ويمنحه ما يبحث عنه من تنافس شركات التمويل والإنتاج على أعماله اللاحقة خصوصاً إذا ما فاز هو أو فيلمه بجائزة أولى من مهرجان أو بجائزة الأوسكار.

شكل الأوسكار المقبل

ما يستفيد منه المهرجان كذلك هو التموضع على رأس تلك المناسبات التي تستطيع دفع الأفلام المشتركة فيها إلى سباق الأوسكار. بالنسبة لصانعي الأفلام المشاركة في المهرجانات الكبرى ذلك يعني وضع الفيلم على سكّة الأوسكار على نحو مضمون النتائج أكثر مما كان الوضع عليه سابقاً. وهو ما يفسّر التنافس القائم بين مهرجاني ڤينيسيا و«كان» على تأكيد أهميتهما كسبيل لإيصال الأفلام إلى السباق الأكبر المتمثل في جوائز الأوسكار.

هذا العام نجد أن المهرجان الإيطالي (الأكثر اهتماماً بفن الفيلم من فن تجارته) يدفع بأفلام عرضها في دورته الأخيرة سبتمبر (أيلول) باتجاه الأوسكار. في المقدّمة «فرانكنستاين» لغييرمو دل تورو و«صوت هند رجب» لكوثر بن هنية و«منزل الديناميت» لكاثلين بيغيلو و«بوغونيا» ليورغوس لانتيموس والفيلم الذي خطف جائزته الذهبية هذا العام وهو «أب أم أخت أخ» لجيم جارموش.

في المقابل، نجد حفنة أخرى من الأفلام دفعها المهرجان الفرنسي صوب الأوسكار بينها فيلم جعفر بناهي الفائز بالذهبية في «كان» وهو «مجرد حادث» لجانب «قيمة عاطفية» ليواكيم تراير و«تاريخ الصوت» لأوليڤييه هرمانوس و«صِراط» لأوليڤر لاكس و«العميل السرّي» لكايبر مندوزا فيلو.

في خضم المصالح المتبادلة بين كل هذه الأطراف، فإن الناتج هو تحويل جزء كبير من أفلام الأوسكار إلى استكمال لعروض المهرجانات التي سبقته.

إنه صراع لا ينتهي وتنافس على الأفضل ومصالح مشتركة تجعل الأوسكار يبدو اليوم عالمياً أكثر مما قد يتمناه البعض منا.


مقالات ذات صلة

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

يوميات الشرق مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم.

محمد رُضا (تورنتو)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.