أسرار في علاقة مهرجانات السينما والأوسكار

تشمل تبادل منافع فنية وتجارية

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
TT

أسرار في علاقة مهرجانات السينما والأوسكار

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)
لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)

قبل زمن غير بعيد، لنقل نحو 23 سنة، لم تكن العلاقة بين المهرجانات السينمائية الدولية وحفل الأوسكار بمثل هذه المتانة التي تتجلى اليوم.

كانت جوائز الأوسكار المخصصة للأفلام ومخرجيها تبدو أكثر استقلالاً عما هي عليه الآن. كانت حفلاً أميركياً منفصلاً إلى حد كبير عن جوائز المهرجانات والمناسبات الأخرى.

على سبيل المثال، لم يمر الفيلم الفائز بالأوسكار سنة 1996 «قلب شجاع» (Braveheart) على أي من المهرجانات الأوروبية الثلاث برلين، وكان وڤينيسيا. كذلك حال الأفلام الأربعة التي نافسته وهي «أبوللو 13» و«بايبي» و«ساعي البريد» و«العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility). رغم أن بعض هذه الأفلام عرضت في مهرجانات أميركية محدودة الشهرة والإقبال مثل «لوس أنجليس فيلم فستيڤال» و«سياتل فيلم فستيڤال».

في 1998 تم اختيار خمسة أفلام للتنافس على جائزة «أفضل فيلم أجنبي» لم يكن من بينها ما عرضه مهرجان أوروبي كبير بما في ذلك الفيلم الفائز حينها «كاركتر» (Character) الآتي من هولندا. بقية أفلام تلك الدورة في هذا القسم كانت الفيلم الروسي «اللص» والفيلم البرازيلي «أربع أيام من سبتمبر» والإسباني «أسرار القلب» والألماني «ما بعد الصمت». هذه كلها انتقلت من بلدانها على نحو مباشر باستثناء ما عُرض منها في مهرجانات صغيرة.

هذا المنوال استمر حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي. بعض الأفلام المتسابقة في الفئتين، «أفضل فيلم» و«أفضل فيلم أجنبي» (تغيير اسمها إلى أفضل فيلم عالمي) شهدت عروضها الأولى في «ڤينيسيا» أو «كان» لكن على نحو محدود.

لقطة من فيلم «فلسطين 36» (آي إم دي بي)

تغيير اسم مسابقة «أفضل فيلم أجنبي» كشف عن محاولة أكاديمية العلوم والفنون السينمائية الإعلان بأنها أكثر عالمية مما كانت عليه، وتبع ذلك الإكثار من الأفلام الأجنبية في المسابقة الأساسية لأفضل فيلم.

أربع مزايا

ما نشهده حالياً هو أن النسبة الغالبة من الأفلام التي تدخل سباقات الأوسكار تم عرضها المهرجانات الدولية خصوصاً «كان» الفرنسي و«ڤينيسيا» الإيطالي. المنافسة بين هذين المهرجانين لتبوأ المركز الأول في عدد الأفلام التي أطلقها كل منهما وحطّت في سباق الأوسكار، حاضرة بزخم غريب كما لو أن الأوسكار هو ذراع لهما وأن ما يعرضه أي من هذين المهرجانين (وإلى حد أقل برلين) هو بالضرورة ما يجب على أكاديمية العلوم والفنون السينمائية قبوله.

إليهما (كان وڤينيسيا) ينضم مهرجانا صندانس الأميركي وتورنتو الكندي و-نظرياً- أي مهرجان آخر اختارته الأكاديمية لقبول أفلامه حين إرسالها إليه.

هناك أربعة شروط لانتخاب المهرجان- الشريك:

* أن يكون ذا تاريخ بالغ النجاح حجماً وإقبالاً.

* أن يكون مهرجاناً مُقاماً في عاصمة أو مدينة كبيرة في بلد معروف بوفرة إنتاجه وتعدد ثقافاته.

* أن يتم عرض الفيلم في صالات المهرجان المتاحة للجمهور.

* أن يتمتع المهرجان بالقدرة على جذب محترفي العمل السينمائي من مخرجين ومنتجين ونقاد سينما.

بذلك، لا عجب أن المهرجانات العربية ليست في هذا النطاق. وهي ليست وحدها، فمن بين أكثر من 5 آلاف مهرجان وتظاهرة ثانوية هناك 50 أساسية لبلدانها وأقاليمها ومن بين هذه هناك 10 أكثر أهمية من سواها، ومن هذه لدينا تلك المهرجانات التي باتت تؤلف الشريان الرئيسي لما يختاره الأوسكار لدخول مسابقاته وهي ڤينيسيا وكان وتورنتو وصندانس وبرلين (أحياناً لوكارنو ونيويورك).

مسافة زمنية فقط

في تصريح للمدير الفني لمهرجان مراكش، ريمي بونوم، على أعتاب دورته الجديدة التي انطلقت في الثامن والعشرين من هذا الشهر ذكر أن موعد إقامة المهرجان في نهاية كل عام يجعله على مسافة قريبة من سباق الأوسكار وأن دورة المهرجان الثانية والعشرين الحالية التي تستمر حتى السادس من ديسمبر (كانون الأول)، تحتوي على العديد من الأفلام التي دخلت سباق الأوسكار المقبل في فئة الأفلام العالمية.

«زنقة مالقا» (فيلمز بوتيك)

بالفعل، هناك، مثلاً، «فلسطين 36» لماري آن جاسر و«كعكة الرئيس» لحسن هادي و«زنقة مالقة» (Calle Malaga) لمريم توزاني التي دخلت المرحلة الأولى من الترشيحات. لكن المسافة القريبة بين مهرجان مراكش والأوسكار هي فقط زمنية وهذا حال كل المهرجانات العربية التي تعني باختيار أفلام يتم الإعلان عنها مسبقاً كاحتمالات دخول مسابقة «أفضل فيلم عالمي» وقد لا تدخل. في هذا النطاق فإن مهرجانات السينما كافّة تنتظر إعلان القائمة الكاملة للدول التي أرسلت ترشيحاتها من الأفلام وتم قبولها. عند هذه النقطة يبدأ شغل مهرجانات الأشهر الأخيرة من السنة لعرض ما تم قبوله عند تلك المرحلة الأولى.

من ڤينيسيا إلى الأوسكار: «فرنكنستاين» (نتفلكس)

في أفضل الأحوال فإن عرض أفلام من هذه القائمة الأوّلية أقرب لتحية تلويح باليد من المهرجان العربي، أياً كان، للأوسكار. هذا، بدوره، لن يلحظ هذه التحية ولن ير إلا تلك المهرجانات الغربية الرئيسية المعتمدة لديه.

ما يستفيده المهرجان العربي المنشغل بعروض أفلام عربية أو أجنبية قد تصل إلى الشوط الثاني من السباق الأميركي هو إتاحة الفرصة أمام الجمهور المحلي للتعرّف على هذه الأفلام وتسجيل دعاية إعلامية لا تُغادر المنصّات العربية.

حلقات

المقارنة بين هذا المنوال المتواضع من العلاقة بين المهرجان العربي والأوسكار، وبين ما يحدث في إطار العلاقة بين هذا الأخير والمهرجانات الدولية موضوع لا بد من طرحه.

مهرجانات السينما ذات الحجم والأهمية الدولية تمتلك، تلقائياً، عدة مقوّمات تساعدها على تبوؤ هذه المكانة.

على سبيل المثال، استقبال عشرات المنتجين والموزّعين والفنانين والمخرجين يشكّل عملياً اللقاء الأول بين أصحاب المشروعات ومنفّذيها المحتملين. هذا ينعكس، لدى الأكاديمية، حين تنظر إلى أهمية هذا المهرجان أو ذاك بالنسبة إليها.

هناك أيضاً حقيقة أن المهرجانات الكبيرة تكتسب مكانتها بقدر ما تعرضه من أفلام تنتقل بعد ذلك إلى مهرجانات أخرى وصولاً إلى موسم الجوائز في الأشهر الثلاثة المقبلة مثل جائزة الاتحاد الأوروبي وجائزة بافتا البريطانية وجائزة غولدن غلوبز الأميركية انتهاءً بالأوسكار.

بذلك يجد المخرج وصانعو الفيلم أنفسهم في بؤرة اهتمام ونشاط متواصل وثري. هذا يتم بإسهام من الصحافة العالمية ونقادها الذين يواكبون تلك الأفلام بدءاً من عروضها الأولى.

في حين كانت صناعة مخرج ما تتم بفضل الفيلم الذي حققه أساساً، بات ذلك يتحقق بفضل ذلك الإعلام الواسع الذي يضعه على السدّة ويمنحه ما يبحث عنه من تنافس شركات التمويل والإنتاج على أعماله اللاحقة خصوصاً إذا ما فاز هو أو فيلمه بجائزة أولى من مهرجان أو بجائزة الأوسكار.

شكل الأوسكار المقبل

ما يستفيد منه المهرجان كذلك هو التموضع على رأس تلك المناسبات التي تستطيع دفع الأفلام المشتركة فيها إلى سباق الأوسكار. بالنسبة لصانعي الأفلام المشاركة في المهرجانات الكبرى ذلك يعني وضع الفيلم على سكّة الأوسكار على نحو مضمون النتائج أكثر مما كان الوضع عليه سابقاً. وهو ما يفسّر التنافس القائم بين مهرجاني ڤينيسيا و«كان» على تأكيد أهميتهما كسبيل لإيصال الأفلام إلى السباق الأكبر المتمثل في جوائز الأوسكار.

هذا العام نجد أن المهرجان الإيطالي (الأكثر اهتماماً بفن الفيلم من فن تجارته) يدفع بأفلام عرضها في دورته الأخيرة سبتمبر (أيلول) باتجاه الأوسكار. في المقدّمة «فرانكنستاين» لغييرمو دل تورو و«صوت هند رجب» لكوثر بن هنية و«منزل الديناميت» لكاثلين بيغيلو و«بوغونيا» ليورغوس لانتيموس والفيلم الذي خطف جائزته الذهبية هذا العام وهو «أب أم أخت أخ» لجيم جارموش.

في المقابل، نجد حفنة أخرى من الأفلام دفعها المهرجان الفرنسي صوب الأوسكار بينها فيلم جعفر بناهي الفائز بالذهبية في «كان» وهو «مجرد حادث» لجانب «قيمة عاطفية» ليواكيم تراير و«تاريخ الصوت» لأوليڤييه هرمانوس و«صِراط» لأوليڤر لاكس و«العميل السرّي» لكايبر مندوزا فيلو.

في خضم المصالح المتبادلة بين كل هذه الأطراف، فإن الناتج هو تحويل جزء كبير من أفلام الأوسكار إلى استكمال لعروض المهرجانات التي سبقته.

إنه صراع لا ينتهي وتنافس على الأفضل ومصالح مشتركة تجعل الأوسكار يبدو اليوم عالمياً أكثر مما قد يتمناه البعض منا.


مقالات ذات صلة

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

يوميات الشرق أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

ينطلق العرض التجاري لفيلم «القصص» في القاهرة يوم 17 يونيو (حزيران)، على أن يبدأ عرضه عربياً في 18 من الشهر نفسه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)

«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

قال المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري إن فيلمه الوثائقي الجديد «Vanishing Tracks» (مسارات متلاشية) نبع من علاقة شخصية وحميمية جداً بعالم قبائل «القشقاي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

استطاعت السينما المصرية على مدى سنوات اجتذاب جماهير لعبة «كرة القدم» بشكل بارز، عبر تقديم عروض سينمائية مختلفة سلَّطت الضوء على جوانب عدة من تفاصيل اللعبة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)

توموهيكو إيتو: «حارس شجرة الكافور» رحلة من العزلة إلى الأمل

رحلة البطل «رايتو» تعكس رحلة جيل كامل من الشباب الياباني، بل ربما من شباب العالم كلّه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثل الأميركي دواين جونسون الملقب بـ«ذا روك» (رويترز)

خشى إصابته بالسرطان... دواين جونسون يتحدث عن مرضه ومخاوفه الصحية

في تجربة شخصية، كشف النجم العالمي دواين جونسون عن فترة من القلق عاشها مؤخراً بعد ملاحظة تغيّر مقلق في حالته الصحية، ما دفعه إلى مواجهة احتمال لم يكن سهلاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.


شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
TT

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

BACKROOMS

★★☆

• إخراج: كين بارسونز

الولايات المتحدة (2026) | رعب

عروض تجارية

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه. وتقوم الفكرة على وجود شبكة من الغرف تقع فوق متجر كبير للأثاث وتحته، من دون أن يعرف الموظف كلارك (شيويتل إيجيوفور) شيئاً عنها. ووفقاً لوصف الفيلم، فإن هذه الغرف تمتد على مساحة لا نهائية تقريباً، وتتشعب على نحو يشبه أنفاق المترو.

كلارك، الذي يشعر بالاكتئاب بعدما تركته زوجته ولم تفهم الطبيبة النفسية ماري (رينايت رايسف) حقيقة أزمته، يكتشف جداراً يمكن اختراقه بمجرد ولوجه ليظهر على الجانب الآخر منه. حال يفعل ذلك يجد نفسه في غرفة أخرى ومنها - عبر باب أو نفق أو جدار آخر - ينتقل من غرفة إلى غرفة إلى ما لا نهاية. تتنوّع هذه الغرف مساحات ومكوّنات. بعضها ضيق. بعضها منزلق. بعضها الثالث فسيح وعارٍ من كل شيء. لا نوافذ تطل على الخارج لأن الخارج لم يعد موجوداً.

في نصف الساعة الأولى هناك تأسيس لما سيلي، وتقديم لشخصية كلارك المضطربة، وتصوير يوظِّف إضاءات جيدة وألواناً. كما يتميز العمل بتصاميم فنية لافتة للنظر. لكن ما إن يبدأ المشاهد بالتدقيق في التفاصيل حتى تنهال عليه أسئلة لا يمنحها الفيلم اهتماماً يُذكر. فمثلاً، يبقى من الغامض كيف يعثر كلارك في كل مرة على طريق العودة إلى الجدار الذي يفصل هذه الغرف عن متجر الأثاث.

وعندما تشك الطبيبة في روايته، يرافقه موظفان، شاب وفتاة في رحلة استكشافية مزودة بكاميرا للتوثيق. هنا يتحول السرد إلى وجهة نظر المصور الشاب الذي يسعى إلى تسجيل ما يراه بنفسه، قبل أن يختفي مع الفتاة، ثم يختفي كلارك لاحقاً. وبعد ذلك تتعرض الطبيبة بدورها لتجربة مرعبة عندما تقرر البحث عنه.

غير أن الرعب في هذا الجزء يختلف عما سبقه. فهو يعتمد على المطاردات الطويلة أكثر مما يعتمد على الغموض والاستكشاف اللذين ميزا النصف الأول. والفكرة في جوهرها سوريالية، والفيلم نفسه متاهة تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً أن مشهده الأخير لا يوفر خاتمة واضحة.

وسط كل ذلك لا يقدم الفيلم معنىً أو بعداً درامياً يفسر ما يحدث أو يمنحه مغزىً أعمق. ومع ذلك يبقى التنفيذ البصري مثيراً للاهتمام خلال معظم مدة العرض، ويوفر قدراً جيداً من التشويق، خصوصاً في الخمسين دقيقة الأولى. أما بعد ذلك، فلا يقدم السرد مفاجآت حقيقية بقدر ما يكرر الحالة نفسها بصيغ مختلفة.

BEING EDDIE

★★★

إخراج: ‫أنغوس وول

• الولايات المتحدة (2026) | تسجيلي

إيدي مورفي يتحدّث عن نفسهمن بين ما يكشفه فيلم «كونه إيدي» الكيفية التي صعد بها إيدي مورفي إلى موقع الصدارة في الكوميديا الأميركية منذ أول دور رئيسي له في السينما عندما شارك نيك نولتي بطولة فيلم 48 ساعة. (إخراج وولتر هيل، 1982). وكان مورفي قد خرج لتوه من عباءة البرنامج التلفزيوني الكوميدي الأسبوعي «ساترداي نايت لايف»، بعد استحواذه على إعجاب غفير من قِبل مشاهدي هذا البرنامج الساخر.

إيدي مورفي في «كونه إيدي» (نتفلdكس)

لم يكن مورفي الخيار الأول لشركة إنتاج 48 ساعة (باراماونت)، لكن حضوره خلال التصوير أقنع الجميع بأنه كان الاختيار الصحيح.

يرد ذلك من خلال مقابلة مطولة مع مورفي داخل قصره الفسيح في إحدى هضاب لوس أنجليس. يتحدث خلالها عن نشأته ووالديه وبدايات اهتمامه بالتمثيل، وكيف قرر وهو لا يزال ولداً صغيراً أن يصبح ممثلاً. ثم ينتقل إلى الحديث عن مسيرته المهنية وعلاقاته بزملائه، ومن بينهم الكوميدي الراحل ريتشارد بريور.

ويتخلل المقابلة الرئيسية عدد من المقابلات مع ممثلين ومنتجين وأصدقاء، من بينهم أرسينيو هول، وديف تشابيل، وكريس روك، وجيمي فوكس.

بداية الفيلم واعدة؛ فموضوعه أحد أبرز نجوم الكوميديا الأميركية منذ الثمانينات وحتى اليوم، وهو ممثل ذاع صيته عالمياً بفضل خفة أدائه وسرعة بديهته وحضوره المميز. وإلى جانب ذلك، يستفيد الفيلم من خبرة مخرجه أنغوس وول، الذي فاز بجائزتي أوسكار متتاليتين في المونتاج: الأولى عن «The Social Network» عام 2011، والثانية عن «The Girl with the Dragon Tattoo» عام 2012.

يمنح المخرج الفيلم سرعة إيقاع وسهولة الانتقال ما بين المقابلات وما بين الوثائقيات المستخدمة. من يريد معرفة من هو إيدي مورفي فإن هذا الفيلم يساعده.

لا يوفر الفيلم نظرة حيادية ونقدية عن مسيرة الممثل. لا شيء يُذكر عن مستويات أفلامه (بعضها، مثل «48Hrs» و«Beverly Hills Cop» من أفضل كوميديات الفترة)، ولا صفحات مفتوحة عن علاقته مع مخرجيها. هذا لأن الفيلم مُدار باتفاق ما بين الممثل ومنتجي هذا الفيلم ينص على أن يتولى مورفي سرد ما يهمّه هو فقط من مسائل تُدرج تحت بند الدعاية الذاتية. هو متحدّث لبق والفيلم مسلٍّ، ومثير للمتابعة لمعظم الوقت. يحدد هذا التحكم ما يُروى وما يبقى طي الكتمان.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.