«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

أفلام جديدة تُنعش السينما في السعودية بعد ركود رمضان… و«شباب البومب3» يراهن على شعبيته

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.



أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.