أميركا وعقدة إيران والتاريخ

أميركا وعقدة إيران والتاريخ

الثلاثاء - 3 رجب 1436 هـ - 21 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13293]

منذ إعلان إطار الاتفاق النووي، وثمة سؤال يحيرني: لماذا بذلت الولايات المتحدة كل هذه المساعي الحثيثة للوصول إلى هذه النتيجة، وقف المشروع النووي مؤقتًا؟ ولماذا لا يكون رفع العقوبات الاقتصادية متدرجًا لمدة 15 عامًا بعمر الاتفاق ليكون الوضع عادلاً؟ فماذا لو نقض الإيرانيون الاتفاق بعد خمس سنوات وهم في ذلك الحين أغنياء ويبعدون مسافة أقل من عام عن القنبلة النووية؟
يظهر أن واشنطن ومنذ عهد بيل كلينتون تتوق لعلاقة جيدة مع إيران قوية اقتصاديًا ومهيمنة سياسيًا، ولكن دون سلاح نووي.
في رأيي هناك سببان للاتفاق غير حماية إسرائيل؛ الأول هو حمى حسن الخاتمة. الرؤساء الأميركيون لديهم متلازمة دخول التاريخ، لا يريدون عبور بوابة البيت الأبيض، وهي عمليًا تعتبر الباب الرئيسي للتاريخ، دون أن يخلفوا أثرًا من بصمة. أوباما هنا يشابه زميله الأسبق بيل كلينتون، الذي انتابته حالة من الحماس الطفولي وهو يجاهد لإعادة العلاقات مع إيران في نهاية فترته الرئاسية، ومع أنه كان يعمل على أهم ملف في العلاقات الخارجية الأميركية وهو النزاع العربي - الإسرائيلي، وكان قد حقق نجاحًا ملموسًا في كامب ديفيد باجتماعه التاريخي مع إيهود باراك والراحل ياسر عرفات، لكنه كان يطمح في أكثر من ذلك، كان يفكر مثل أوباما اليوم، بأن يظهر صانع سلام، وحانوتيًا يدفن ماضي القطيعة مع إيران الذي بدأ مع انطلاق ثورة الخميني.
من سوء حظ كلينتون أن الطريق ازداد وعورة، فالإيرانيون كانوا قد بدأوا للتو التحضير لبنية تحتية نووية، وهي كانت أولوية سرية، ومع شعورهم بالرغبة الأميركية في التقارب ومبادرة إدارة كلينتون برفع الحظر عن تصدير الأدوية والسلع الغذائية إلى إيران، اعتقلت الحكومة الإيرانية 23 يهوديا في شيراز عشية عيد الفصح، واتهمتهم بالتجسس لصالح إسرائيل. أحرجت الإدارة الأميركية وقررت عقد صفقة سرية مع الرئيس خاتمي، يتم بموجبها إطلاق سراح المعتقلين اليهود، في مقابل عودة العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة دامت عشرين عاما، وكانت الاتفاقية على وشك التحقق، ولكنها فشلت لنفس السبب الذي كان سيفشل الاتفاق النووي الأخير لأوباما، وهو تدخل أعضاء من مجلس الشيوخ. في تلك الفترة، رفض بعض الأعضاء الإفراج عن حسابات بنكية لإيران كانت مرصودة منذ حكم الشاه لتحويلات مالية تخص شراء أسلحة، لاعتقادهم أن إيران ستستخدمها لدعم الإرهاب العالمي، إضافة إلى رفضهم إعادة أصول تدّعي طهران أنها بمليارات الدولارات، وهذه الأصول هي من ضمن حزمة الأموال التي سيفرج عنها أوباما اليوم، بفوائدها. طأطأ بيل كلينتون رأسه كثيرًا للإيرانيين، حتى إنه غض نظره عن علاقتهم بتنظيم القاعدة، وتحفظ على معلومات كانت تؤكد تحركهم باتجاه بناء ترسانة نووية.
بيل كلينتون أراد الفوز بشيئين: التاريخ، والعلاقات التجارية، خصوصًا النفطية. فما الذي يهدف إليه رفيقه باراك أباما؟
أوباما صالح الإيرانيين، والكوبيين، وبوده لو يضع يده بيد مراهق بيونغ يانغ. الحائز نوبل للسلام يريد أن يحقق أكبر قدر من النجاحات الدبلوماسية في رأيه ليثبت للأميركيين الذين لا تزال العنصرية موشومة في صدورهم بأن الرجل الأسود حقق المعجزات. ولكنه قدم تنازلات للإيرانيين، الداعمين للإرهاب، أكثر مما قدمه كلينتون، أرسل رسالة ضمنية لدول المنطقة بأنه لا يمانع من هيمنة فعلية لإيران على العراق، والإبقاء على نظام بشار الأسد التابع لإيران، وإن ضرب شعبه بالكيماوي، ولا يعنيه كثيرًا الوضع الشاذ في لبنان الذي تسبب به حزب الله، حتى البحرين، التي تضم الأسطول الأميركي الخامس تركتها أميركا عرضة للالتهام من عملاء إيران، لولا التدخل السريع من قوات درع الجزيرة.
السبب الثاني أن واشنطن لا تريد أن تستفيق ذات صباح لتجد أن إيران تبرم الصفقات مع الروس والصينيين بالأموال التي كانت مجمدة لديها. العلاقات التجارية النفطية بين واشنطن وإيران أهميتها قائمة إنما ليس كما في السابق، فالاحتياج النفطي الشرق أوسطي لم يعد كما كان مع اكتشاف الزيت الصخري وارتفاع المخزون الاحتياطي. لذلك سارعت روسيا بإعلان بيع الصواريخ لإيران، افتتحت المزاد لكنها لن تكون الرابح الأكبر فيه، فوجود الإيرانيين في الشام والعراق لم يكن تذكرة دخول مجانية من واشنطن التي ستبيعهم كثيرا من الأسلحة الخفيفة والثقيلة والمطورة، لأنها مؤمنة بأن إيران هي القوة الوحيدة التي تستطيع هزيمة التنظيمات السنية المتطرفة، وبالإضافة إلى العقود النفطية ستكون عقود التسليح هي أساس العلاقة التجارية بين طهران وواشنطن.
حينما اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية كانت الترسانة العسكرية الإيرانية أميركية الصنع، وكانت قطع الغيار بمليارات الدولارات مخزنة في أميركا بدعم من حساب مصرفي من عهد الشاه. بعد الثورة، أوقفت واشنطن توريد السلاح وقطع الغيار لإيران فلم يكن أمام الخميني سوى الالتفاف شرقا، والمسارعة في إبرام صفقات أسلحة مع الصين وكوريا الشمالية والاتحاد السوفياتي، بدأت من الصفر في تأهيل نفسها عسكريا بسبب اختلاف تكنولوجيا التصنيع بين الشرق والغرب.
عودة العلاقات اليوم بين واشنطن وطهران سيعيد عهد الشاه بما يتضمنه من إعداد عسكري، لأن إيران من وجهة النظر الأميركية هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها الشهية والرغبة والحلم في التمدد، وأثناء هذا التمدد ستسحق «الإرهاب السني»، «داعش» و«القاعدة»، في العراق وسوريا، واليمن كما كانت تأمل. كما أن واشنطن مطمئنة إلى الجيل الشبابي في إيران كما امتدحه بيل كلينتون بأنه ليبرالي أكثر من الأميركيين والأوروبيين، وسيكون مرحبا بتوطيد بلاده للعلاقة مع الغرب، وهذه بالنسبة للأميركيين مزايا لا تتوفر في أي دولة أخرى حتى الخليجية. إيران اليوم تملك الأرض، وتريد الدعم اللوجيستي الذي يعزز وجودها خارج حدودها ويمكّنها من البقاء لعقود طويلة قادمة، وستوفره بأموالها التي سمحت واشنطن بالإفراج عنها والتي ستعود من الباب الخلفي للخزينة الأميركية كما في عهد الشاه.
وللحديث بقية.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو