هي سر غامض تلك النجومية، مهما حاولت أن تمسك بيديك أسبابا موضوعية ستكتشف أن ما يسكن تحت السطح أكثر بكثير مما تستطيع أن تراه بعينيك. السينما المصرية مثلا تتحرك وفقا لبريق النجوم، هذا القانون فرضته هوليوود، إذ إن النجم هو العنوان، إلا أنه في مصر لم يعد فقط في مقدمة الكادر، ولكنه هو المسيطر على كل مفردات الفيلم، بل تستطيع أن تقول إنه صار هو العمل الفني، ومع الأسف بدأنا نرى أيضا في التلفزيون ظلالا لهذا القانون الجائر.
النجم هو ابن الزمن، دائما في كل حقبة نعيشها تظهر نجوم وتختفي أخرى، وفي كل المجالات، وهناك أيضا فن صناعة النجم، هكذا مثلا كان لدينا منتج راحل، رمسيس نجيب، يجيد اكتشافهم وتلميعهم وتقديمهم للجمهور، فهو الذي دفع بنجلاء فتحي بطلة لفيلمه «أفراح» بعد أن كانت سعاد حسني هي المرشحة، ولكنها أرادت زيادة أجرها فرفض، وكان يحرص على توفير كل سبل الدعاية لنجلاء حتى تصدرت صورتها واسمها علب «الكبريت»، إلا أن هذا المنتج ذا الحاسة الخاصة هو نفسه الذي اعترض على ترشيح أحمد زكي بطلا لفيلم «الكرنك» مشاركا سعاد حسني، وقال لهم كيف تحب سعاد حسني شابا أسود، إنه لا يصلح سوى لأداء دور «الجرسون» في الكافيتريا، ويسند الدور إلى نور الشريف، ومع الزمن يصبح أحمد زكي هو نجم السينما العربية الأول، وعندما يسألون نور الشريف عنه يقول: «لو كنت أنا كممثل (7 من 10) فإن أحمد زكي في هذه الحالة (10 من 10)».
النجومية في العادة تستند إلى موهبة، ولكنّ هناك موهوبين كبارا ليس لديهم القدرة على الجذب الجماهيري، مثل محمود المليجي أو زكي رستم، فلم يكن أي منهما نجما للشباك، ولا يستطيع أن يتحمل بمفرده البطولة السينمائية، ورغم ذلك عندما نرصد تاريخ فن الإبداع نتوقف طويلا أمام موهبتي المليجي ورستم.
في عالم الأصوات الغنائية ممكن أن تلحظ تنويعة غنائية مماثلة، لديك مثلا كل من محمد قنديل وسعاد محمد، كل منهما يمتلك إمكانيات صوتية لا تقارن بأي صوت آخر، حتى إن أم كلثوم عندما تدلي برأيها عن أفضل صوت رجالي تقول قنديل، وأفضل صوت نسائي هي سعاد، بينما لو أنك تابعت إنجازهما الرقمي في سوق الغناء فلن تجد لهما مردودا يوازي هذه القيمة.
للنجومية سر خاص لا يمكن أن تحيله فقط لأسباب موضوعية، إنها اللمسة الخاصة جدا التي تجدها لدى عدد محدود، مثلا عرض في السينما المصرية مؤخرا عدة أفلام، ولم يتحقق جماهيريا سوى فيلمي «زنقة الستات» و«كابتن مصر»، بطولة كل من حسن الرداد ومحمد عادل إمام، وفي الوقت نفسه ترنحت الإيرادات بجوارهما، والأفلام التي توقعوا لها أن تحقق نجاحا خفتت تماما وبات أبطالها في انتظار ملحق يؤكد جدارتهم بالنجومية وإلا فسوف يطاح بهم خارج الرقعة، هذا هو قانون السينما الذي يبدو صارما بقدر ما هو صادم، الكل يسعى ولكن الوميض الساحر هو سر خاص واستمرار الموهبة سر آخر.
عندما سألوا الموسيقار محمد عبد الوهاب عن صوت فيروز أجابهم: «صوت من السماء بينما الأصوات الأخرى تنتمي إلى عالم الأرض». نعم، فيروز تملك الإمكانيات الصوتية وفيض النجومية، كما أن يد القدر منحتها في البداية الثنائي عاصي ومنصور، وواصل القدر رعايتها فمنحها زياد الرحباني ليكمل المشوار. اللمسة الساحرة لها وميض خاص لا تستطيع مهما حاولت أن تمسكه بيديك!!
TT
الوميض الساحر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
