ميريجكوفسكي يقارن بين تولستوي ودوستويفسكي... فنياً وحياتياً

مختلفان تماماً إلى درجة التناقض

دوستويفسكي
دوستويفسكي
TT

ميريجكوفسكي يقارن بين تولستوي ودوستويفسكي... فنياً وحياتياً

دوستويفسكي
دوستويفسكي

يربط الناقد الروسي دميتري ميريجكوفسكي في كتابه «ليف تولستوي ودوستويفسكي... الحياة والإبداع»، الذي قدّم نسخته العربية المترجم العراقي الدكتور تحسين رزّاق عزيز، وصدر حديثاً عن دار المأمون للترجمة والنشر، بين حياة اثنين من رموز الأدب الروسي، ليف تولستوي، وفيودور دوستويفسكي، وبين إبداعات كل منهما.
في فصول الجزء الأول الذي جاء بعنوان «حياة ليف تولستوي ودوستويفسكي»، ويتكون من 8 فصول، يتتبع المؤلف سيرة كل منهما، التي تسرب بعضها في حالة «دوستويفسكي من خلال مذكرات شقيقه أندريه دوستويفسكي، وبعض معارفه، وكاتب سيرته ستراخوف نيكولاي نيكولاييفيتش مؤلف «ذكريات فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي». وقد كشف ديستويفسكي بنفسه بعضاً من تفاصيل حياته خلال خطابات كان أرسلها لوالده أثناء الدراسة، ثم لأخيه فيما بعد، وبعض أصدقائه، وكانت في معظمها غير مفيدة فيما يختص بأسرار حياته، وجعلت كثيراً من أخباره تتسم بالغموض مثل إصابته بالصرع عندما كان طفلاً.
وعكس حياة ديستويفسكي، تأتي سيرة تولستوي الذي تحدث بنفسه عن كثير مما مر به وعاشه، ولم يدع شيئاً لأحد كي يحكي عنه ويكشف أسراره، ففي عمله «الطفولة والصبا والشباب»، يروي ذكرياته، ويحكى بنفسه فيما بعد عن تفكيره في الانتحار، وحرصه على استقرار أسرته، وتأمين مستقبلها حال وفاته.
ويكشف «ميريجكوفسكي» عن وجود نوع من التناقض بين الكاتبين، فيقارن كرم دوستويفسكي الطبيعي، وميله لبعثرة المال، مع حرص ليف تولستوي، وميله نحو النفور من التبذير.
وفي الجزء الثاني من الكتاب الذي جاء بعنوان «إبداع ليف تولستوي ودوستويفسكي» وتضمن 7 فصول، يتتبع المؤلف شخصيات تولستوي التي رسمها في رواياته «آنا كارنينا» و«السيد والخادم» و«مرض إيفان إيليتش» و«الحرب والسلام» وغيرها، ويشير إلى أنه كان يميل إلى تكرار العلامات الجسدية ذاتها لدى أبطاله، ويقوم بالتأكيد عليها، وهذا يبدو واضحاً حين يتحدث عن الأميرة بولكونسكايا، زوجة الأمير أندريه، في رواية «الحرب والسلام» حيث راح يصف شفتها العليا الجميلة في مواقف كثيرة، وبالتعبيرات نفسها، حين كانت على قيد الحياة، ثم وهي ميتة، وعلى شاهد قبرها، وأخيراً وهو يصف وجه ابنها، ما يجعل «شفة» الأميرة تنطبع في ذاكرة القارئ بوضوح لا يمحى، ويقوم تولستوي بالأمر نفسه مع الأميرة ماريا بولكونسكايا، فيذكر أن لديها أقداماً ثقيلة يمكن سماع وقعها من بعيد، وأن وجهها حين يحمَرّ يكتسي بالبقع.
ويلفت المؤلف إلى أن هذه العلامات، التي يركز تولستوي على تكرارها، وهو يصف شخصياته، ترتبط في الواقع بالخصائص الروحية الداخلية العميقة والمهمة للغاية للشخصيات، وتصور الحالة الداخلية لها ومواقفها خلال الأحداث؛ حيث ينقلنا أسلوب تولستوي مِن المرئي إلى غير المرئي، ومِن الخارجي إلى الداخلي، ومِن الجسدي إلى الروحي، أو «النفسي»، وفي بعض الأحيان، ترتبط هذه العلامات المتكررة في المظهر الخارجي للشخصيات في العمل الفني بعمق الفكرة الأساسية للعمل بأكمله وبمحور حركته.
ويذكر ميريجكوفسكي أن تولستوي يلحّ على القارئ، ولا يخشى أن يضجره، ويعمق العلامة الفارقة، ويكرر، ويصر، ويراكم التوصيفات، ليعطينا كثيراً عن شخصياته حتى لا يبقى لدينا ما نتمناه، فهو يتحدث عن الظلال السوداء العميقة التي لا يمكن اختراقها وأشعة الضوء المفاجئ، الذي يشتعل فجأة ليُخرج من الظلام بعض السمات الخاصة لأبطاله، التي تتجلى في عري أجسادهم، وثنيات ملابسهم ووجههم المشوهة بالعاطفة أو المعاناة، التي يمنحها تولستوي حيوية مذهلة، تكاد تكون مخيفة.
ويعتقد ميريجكوفسكي أنه «لا يوجد في الأدب العالمي كاتب يضاهي ليف تولستوي في تصوير جسد الإنسان من خلال كلمات دقيقة وبسيطة ومختصرة حيث يختار القليل فقط من السمات الشخصية الصغيرة غير الملحوظة والمميَّزة ولا يُدرجها على الفور، بل بالتدريج، واحدة تلو أخرى، ويوزعها على مدار السرد ويُلحِقها في حركة الحوادث ويضيفها في حياكة النسيج الحي للرواية، من خلال ذلك الجانب من الجسد الذي يتحول إلى الروح، والجانب من الروح، الذي يتحول إلى جسد».
من هنا يمكن القول، حسب الكاتب، إن مجد تولستوي يكمن في كونه أول من عبّر بصدق جريء عن هذا المجال الجديد من الحساسية الجسدية والروحية، الذي لم يوفِه حقه أحد، والذي لا ينضب أبداً؛ فعندما يكون الإحساس دقيقاً وجديداً لدرجة أنه لم يعد من الممكن التعبير عنه من خلال أي توليفة من الكلمات، نراه يستخدم تراكيب من بعض الأصوات، بطريقة التعبير التي يستخدمها الأطفال والناس البدائيين عند إنشاء اللغات، أي محاكاة الأصوات.
أما عن تصوير الشخصيات البشرية لدى ليف تولستوي من وجهة نظر «ميريجكوفسكي» فهو يشبه تلك الأجسام البشرية شبه المحدبة على النقوش البارزة، وكأنها على وشك الانفصال عن السطوح المُنبَسِطة التي تحملها، يصورها مثل التماثيل الكاملة، المرئية من جميع الجوانب.
ويكشف ميريجكوفسكي أن مركز الثقل الفني وقوة التعبير في أعمال تولستوي لا يتركز في الجزء الدرامي، بل في الجزء السردي، كما أنه ليس في حوارات الشخصيات، ولا فيما يتكلمون به، بل فيما يُقال عنهم فقط، لا توجد في أعمال ليف تولستوي طباع، ولا هويات فردية، ولا شخصيات مسرحية، بل هناك متأملون؛ لا يوجد أبطال، لكن هناك ضحايا يستسلمون لتيار الحياة البهيمية العفوية الذي يحملهم بعيداً، إنَّ أبطال تولستوي ليسوا أبطالاً بقدر ما هم ضحايا، وبما أنه لا توجد إرادة بطولية واحدة تسود على الجميع، فلا يوجد عمل مأساوي واحد موحد، هناك عُقَد مأساوية منفصلة فقط، وحُبكات، وموجات منفصلة ترتفع وتنخفض في حركة لا حدود لها، لا يوجّهها تيار داخلي، بل توجهها قوى عفوية خارجية.
ويَعُد مؤلف الكتاب أن روايتي «الحرب والسلام»، و«آنا كارينينا»، أدباً ملحمياً حقيقياً، لا يتركز مركز الثقل الفني بها في حوارات الشخصيات، بل في السرد؛ وليس فيما يقول الأبطال، بل فيما يُقال عنهم؛ وليس فيما نسمعه بآذاننا، بل فيما نراه بأعيننا.
أما عن الأبطال والضحايا الرئيسيين لدى ليف تولستوي فيبدون جميعاً أذكياء وصادقين وطيبين، وودودين، وبسطاء؛ ومع ذلك فنحن لسنا مرتاحين معهم. يوجد فيهم شيء مزعج، مؤلم، غامض، ويبدو مخيفاً أيضاً في بعض الأحيان؛ حيث تفوح منهم جميعاً، حتى الفتيات الأكثر براءة، ذوات السحر الأنقى، رائحة الغابة، والحيوانات.
وعندما يأتي الحديث عن ديستويفسكي يذكر مؤلف الكتاب أنه لا يوجد في الأدب من جميع القرون والشعوب كاتب مقابل لليف تولستوي سوى دوستويفسكي، ففي جميع أعماله تصل شخصية الإنسان، إلى حدودها النهائية، وتنمو وتتطور من الجذور الحيوانية، العفوية، المظلمة إلى أعلى قمم الروحانية المُضيئة، وفي جميع رواياته هناك ثمة صراع للإرادة البطولية مع عنصر الواجب الأخلاقي والضمير في «راسكولنيكوف»؛ ومع عنصر الشهوانية المصقولة الواعية في «سفيدريغايلوف» و«فيرسيلوف»؛ ومع عنصر الشهوانية البدائية، غير الواعية في «روغوجين»؛ ومع عناصر الشعب والدولة والسياسة في «بيتر فيرخوفينسكي» و«ستافروغين» و«شاتوف»، وأخيراً مع عنصر الأسرار الميتافيزيقية والدينية في «إيفان كارامازوف»، و«الأمير ميشكين»، و«كيريلوف».
هكذا يعارض أبطال دوستويفسكي أنفسهم بحزم من خلال قوى الطبيعة التي تستحوذ عليهم، ويؤكدون «الأنا» خاصتهم، ويؤكدون شخصيتهم، ويعلنون عن إرادتهم في موتهم ذاته. بهذا المعنى، فإن الاستكانة المسيحية لدى أليوشا «الأبله»، و«زوسيما» هي مقاومة لا تُقهَر للعالم الوثني، ووفقاً لغلبة صراع الأبطال، فإن أعمال دوستويفسكي الرئيسة في جوهرها ليست روايات على الإطلاق، ولا ملاحم، بل هي مآسٍ.
ويعتبر «ميريجكوفسكي» أن الجزء السردي لدى دوستويفسكي ثانوي، ومساعد في هيكلة العمل بأكمله، أما الحوار لديه فتتركز فيه كل قوة التصوير الفنية؛ فخلاله ينعقد كل شيء في الحوار، وكل شيء يحل فيه. لا يوجد في الأدب الحديث كله، كما يذهب، كاتب يضاهي دوستويفسكي في إتقان الحوار، إنه لا يحتاج أنْ يصف مظهر شخصياته الخارجي، فهم أنفسهم، بخصائص اللغة وبطبيعة الصوت، لا يصورون أفكارهم ومشاعرهم فحسب، بل يصورون أيضاً وجوههم وأجسادهم. ويحقق للمظهر الجسدي وضوحاً بطريقة معاكسة، حين ينطلق من الداخلي إلى الخارجي، ومن الروحي إلى الجسدي، ومن الواعي والإنساني إلى العفوي والبهيمي.



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.