ميريجكوفسكي يقارن بين تولستوي ودوستويفسكي... فنياً وحياتياً

مختلفان تماماً إلى درجة التناقض

دوستويفسكي
دوستويفسكي
TT

ميريجكوفسكي يقارن بين تولستوي ودوستويفسكي... فنياً وحياتياً

دوستويفسكي
دوستويفسكي

يربط الناقد الروسي دميتري ميريجكوفسكي في كتابه «ليف تولستوي ودوستويفسكي... الحياة والإبداع»، الذي قدّم نسخته العربية المترجم العراقي الدكتور تحسين رزّاق عزيز، وصدر حديثاً عن دار المأمون للترجمة والنشر، بين حياة اثنين من رموز الأدب الروسي، ليف تولستوي، وفيودور دوستويفسكي، وبين إبداعات كل منهما.
في فصول الجزء الأول الذي جاء بعنوان «حياة ليف تولستوي ودوستويفسكي»، ويتكون من 8 فصول، يتتبع المؤلف سيرة كل منهما، التي تسرب بعضها في حالة «دوستويفسكي من خلال مذكرات شقيقه أندريه دوستويفسكي، وبعض معارفه، وكاتب سيرته ستراخوف نيكولاي نيكولاييفيتش مؤلف «ذكريات فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي». وقد كشف ديستويفسكي بنفسه بعضاً من تفاصيل حياته خلال خطابات كان أرسلها لوالده أثناء الدراسة، ثم لأخيه فيما بعد، وبعض أصدقائه، وكانت في معظمها غير مفيدة فيما يختص بأسرار حياته، وجعلت كثيراً من أخباره تتسم بالغموض مثل إصابته بالصرع عندما كان طفلاً.
وعكس حياة ديستويفسكي، تأتي سيرة تولستوي الذي تحدث بنفسه عن كثير مما مر به وعاشه، ولم يدع شيئاً لأحد كي يحكي عنه ويكشف أسراره، ففي عمله «الطفولة والصبا والشباب»، يروي ذكرياته، ويحكى بنفسه فيما بعد عن تفكيره في الانتحار، وحرصه على استقرار أسرته، وتأمين مستقبلها حال وفاته.
ويكشف «ميريجكوفسكي» عن وجود نوع من التناقض بين الكاتبين، فيقارن كرم دوستويفسكي الطبيعي، وميله لبعثرة المال، مع حرص ليف تولستوي، وميله نحو النفور من التبذير.
وفي الجزء الثاني من الكتاب الذي جاء بعنوان «إبداع ليف تولستوي ودوستويفسكي» وتضمن 7 فصول، يتتبع المؤلف شخصيات تولستوي التي رسمها في رواياته «آنا كارنينا» و«السيد والخادم» و«مرض إيفان إيليتش» و«الحرب والسلام» وغيرها، ويشير إلى أنه كان يميل إلى تكرار العلامات الجسدية ذاتها لدى أبطاله، ويقوم بالتأكيد عليها، وهذا يبدو واضحاً حين يتحدث عن الأميرة بولكونسكايا، زوجة الأمير أندريه، في رواية «الحرب والسلام» حيث راح يصف شفتها العليا الجميلة في مواقف كثيرة، وبالتعبيرات نفسها، حين كانت على قيد الحياة، ثم وهي ميتة، وعلى شاهد قبرها، وأخيراً وهو يصف وجه ابنها، ما يجعل «شفة» الأميرة تنطبع في ذاكرة القارئ بوضوح لا يمحى، ويقوم تولستوي بالأمر نفسه مع الأميرة ماريا بولكونسكايا، فيذكر أن لديها أقداماً ثقيلة يمكن سماع وقعها من بعيد، وأن وجهها حين يحمَرّ يكتسي بالبقع.
ويلفت المؤلف إلى أن هذه العلامات، التي يركز تولستوي على تكرارها، وهو يصف شخصياته، ترتبط في الواقع بالخصائص الروحية الداخلية العميقة والمهمة للغاية للشخصيات، وتصور الحالة الداخلية لها ومواقفها خلال الأحداث؛ حيث ينقلنا أسلوب تولستوي مِن المرئي إلى غير المرئي، ومِن الخارجي إلى الداخلي، ومِن الجسدي إلى الروحي، أو «النفسي»، وفي بعض الأحيان، ترتبط هذه العلامات المتكررة في المظهر الخارجي للشخصيات في العمل الفني بعمق الفكرة الأساسية للعمل بأكمله وبمحور حركته.
ويذكر ميريجكوفسكي أن تولستوي يلحّ على القارئ، ولا يخشى أن يضجره، ويعمق العلامة الفارقة، ويكرر، ويصر، ويراكم التوصيفات، ليعطينا كثيراً عن شخصياته حتى لا يبقى لدينا ما نتمناه، فهو يتحدث عن الظلال السوداء العميقة التي لا يمكن اختراقها وأشعة الضوء المفاجئ، الذي يشتعل فجأة ليُخرج من الظلام بعض السمات الخاصة لأبطاله، التي تتجلى في عري أجسادهم، وثنيات ملابسهم ووجههم المشوهة بالعاطفة أو المعاناة، التي يمنحها تولستوي حيوية مذهلة، تكاد تكون مخيفة.
ويعتقد ميريجكوفسكي أنه «لا يوجد في الأدب العالمي كاتب يضاهي ليف تولستوي في تصوير جسد الإنسان من خلال كلمات دقيقة وبسيطة ومختصرة حيث يختار القليل فقط من السمات الشخصية الصغيرة غير الملحوظة والمميَّزة ولا يُدرجها على الفور، بل بالتدريج، واحدة تلو أخرى، ويوزعها على مدار السرد ويُلحِقها في حركة الحوادث ويضيفها في حياكة النسيج الحي للرواية، من خلال ذلك الجانب من الجسد الذي يتحول إلى الروح، والجانب من الروح، الذي يتحول إلى جسد».
من هنا يمكن القول، حسب الكاتب، إن مجد تولستوي يكمن في كونه أول من عبّر بصدق جريء عن هذا المجال الجديد من الحساسية الجسدية والروحية، الذي لم يوفِه حقه أحد، والذي لا ينضب أبداً؛ فعندما يكون الإحساس دقيقاً وجديداً لدرجة أنه لم يعد من الممكن التعبير عنه من خلال أي توليفة من الكلمات، نراه يستخدم تراكيب من بعض الأصوات، بطريقة التعبير التي يستخدمها الأطفال والناس البدائيين عند إنشاء اللغات، أي محاكاة الأصوات.
أما عن تصوير الشخصيات البشرية لدى ليف تولستوي من وجهة نظر «ميريجكوفسكي» فهو يشبه تلك الأجسام البشرية شبه المحدبة على النقوش البارزة، وكأنها على وشك الانفصال عن السطوح المُنبَسِطة التي تحملها، يصورها مثل التماثيل الكاملة، المرئية من جميع الجوانب.
ويكشف ميريجكوفسكي أن مركز الثقل الفني وقوة التعبير في أعمال تولستوي لا يتركز في الجزء الدرامي، بل في الجزء السردي، كما أنه ليس في حوارات الشخصيات، ولا فيما يتكلمون به، بل فيما يُقال عنهم فقط، لا توجد في أعمال ليف تولستوي طباع، ولا هويات فردية، ولا شخصيات مسرحية، بل هناك متأملون؛ لا يوجد أبطال، لكن هناك ضحايا يستسلمون لتيار الحياة البهيمية العفوية الذي يحملهم بعيداً، إنَّ أبطال تولستوي ليسوا أبطالاً بقدر ما هم ضحايا، وبما أنه لا توجد إرادة بطولية واحدة تسود على الجميع، فلا يوجد عمل مأساوي واحد موحد، هناك عُقَد مأساوية منفصلة فقط، وحُبكات، وموجات منفصلة ترتفع وتنخفض في حركة لا حدود لها، لا يوجّهها تيار داخلي، بل توجهها قوى عفوية خارجية.
ويَعُد مؤلف الكتاب أن روايتي «الحرب والسلام»، و«آنا كارينينا»، أدباً ملحمياً حقيقياً، لا يتركز مركز الثقل الفني بها في حوارات الشخصيات، بل في السرد؛ وليس فيما يقول الأبطال، بل فيما يُقال عنهم؛ وليس فيما نسمعه بآذاننا، بل فيما نراه بأعيننا.
أما عن الأبطال والضحايا الرئيسيين لدى ليف تولستوي فيبدون جميعاً أذكياء وصادقين وطيبين، وودودين، وبسطاء؛ ومع ذلك فنحن لسنا مرتاحين معهم. يوجد فيهم شيء مزعج، مؤلم، غامض، ويبدو مخيفاً أيضاً في بعض الأحيان؛ حيث تفوح منهم جميعاً، حتى الفتيات الأكثر براءة، ذوات السحر الأنقى، رائحة الغابة، والحيوانات.
وعندما يأتي الحديث عن ديستويفسكي يذكر مؤلف الكتاب أنه لا يوجد في الأدب من جميع القرون والشعوب كاتب مقابل لليف تولستوي سوى دوستويفسكي، ففي جميع أعماله تصل شخصية الإنسان، إلى حدودها النهائية، وتنمو وتتطور من الجذور الحيوانية، العفوية، المظلمة إلى أعلى قمم الروحانية المُضيئة، وفي جميع رواياته هناك ثمة صراع للإرادة البطولية مع عنصر الواجب الأخلاقي والضمير في «راسكولنيكوف»؛ ومع عنصر الشهوانية المصقولة الواعية في «سفيدريغايلوف» و«فيرسيلوف»؛ ومع عنصر الشهوانية البدائية، غير الواعية في «روغوجين»؛ ومع عناصر الشعب والدولة والسياسة في «بيتر فيرخوفينسكي» و«ستافروغين» و«شاتوف»، وأخيراً مع عنصر الأسرار الميتافيزيقية والدينية في «إيفان كارامازوف»، و«الأمير ميشكين»، و«كيريلوف».
هكذا يعارض أبطال دوستويفسكي أنفسهم بحزم من خلال قوى الطبيعة التي تستحوذ عليهم، ويؤكدون «الأنا» خاصتهم، ويؤكدون شخصيتهم، ويعلنون عن إرادتهم في موتهم ذاته. بهذا المعنى، فإن الاستكانة المسيحية لدى أليوشا «الأبله»، و«زوسيما» هي مقاومة لا تُقهَر للعالم الوثني، ووفقاً لغلبة صراع الأبطال، فإن أعمال دوستويفسكي الرئيسة في جوهرها ليست روايات على الإطلاق، ولا ملاحم، بل هي مآسٍ.
ويعتبر «ميريجكوفسكي» أن الجزء السردي لدى دوستويفسكي ثانوي، ومساعد في هيكلة العمل بأكمله، أما الحوار لديه فتتركز فيه كل قوة التصوير الفنية؛ فخلاله ينعقد كل شيء في الحوار، وكل شيء يحل فيه. لا يوجد في الأدب الحديث كله، كما يذهب، كاتب يضاهي دوستويفسكي في إتقان الحوار، إنه لا يحتاج أنْ يصف مظهر شخصياته الخارجي، فهم أنفسهم، بخصائص اللغة وبطبيعة الصوت، لا يصورون أفكارهم ومشاعرهم فحسب، بل يصورون أيضاً وجوههم وأجسادهم. ويحقق للمظهر الجسدي وضوحاً بطريقة معاكسة، حين ينطلق من الداخلي إلى الخارجي، ومن الروحي إلى الجسدي، ومن الواعي والإنساني إلى العفوي والبهيمي.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.