«فايزر»... اللقاح أم الأقراص؟

«فايزر»... اللقاح أم الأقراص؟

الأربعاء - 2 جمادى الآخرة 1443 هـ - 05 يناير 2022 مـ رقم العدد [15744]

العلماء الذين كانوا يترددون في الحديث عن أي علاج جديد لفيروس «كورونا»، صاروا فجأة يستخدمون تعبير «مُغير قواعد اللعبة» لوصف «باكسلوفيد»، قرص «فايزر» المضاد للفيروسات. ولكن اللعبة المتغيرة سوف تنطوي على التقنين.
وليس من قبيل المصادفة أنه يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها العقاقير التي غيَّرت كل شيء مع وباء «الإيدز»، والتي عُرفت باسم مثبطات الأنزيم البروتيني، والتي حولت فيروس نقص المناعة البشرية من حكم بالإعدام إلى مرض يخضع للتحكم.
يشعر الأطباء الذين يعالجون مرضى «كورونا» بالحماس؛ لأن «باكسلوفيد» حصل على الموافقة على الاستخدام الطارئ، في وقت سابق من الشهر الجاري، ولكن زيادة الإمدادات في خضم موجة الجائحة الحالية قد تثير صراعاً أخلاقياً مروعاً، على من ينبغي أن يُمنح الأولوية. ومن بين الذين يمكن إنقاذ حياتهم أشخاص تم تطعيمهم وتعزيزهم، ولكن مناعتهم ضعيفة، فضلاً عن أشخاص لم يتلقوا التطعيم عمداً.
إذا كان الناس غاضبين من المرضى غير الملقحين الذين يثقلون طواقم العاملين في المجال الطبي، ويشغلون الأسِرَّة في المستشفيات، فانتظروا الضجيج لمن يحصل على قرص الدواء الجديد.
في التجارب الإكلينيكية، خفَّض «باكسلوفيد» خطر الاستشفاء بنسبة 89 في المائة، عندما أُعطي لأشخاص لديهم عدة عوامل لخطر الدواء في غضون 5 أيام من بداية الأعراض. ونظراً لأنه قرص دوائي، فلا يحتاج إلى مرفق طبي كما تفعل الأجسام المضادة أحادية النسيلة. وتعكس الأدلة الجديدة أن معظم علاجات الأجسام المضادة لن تُفلح أبداً ضد متغير «أوميكرون».
وقال روغر سيولت، طبيب العناية الحرجة واختصاصي أمراض الرئة في كاليفورنيا، الذي تحدث معي هذا الأسبوع مباشرة، بعد الانتهاء من مناوبته في وحدة العناية المركزة: «أعتقد أن هذا تغيير في قواعد اللعبة». ولكنه يتساءل: كيف ستنجح مئات الآلاف من الجرعات التي وعدت بها الحكومة الأميركية في مواجهة الأمراض المتزايدة؟ ولاحظ أن 200 ألف شخص يُصابون بالفيروس يومياً، وأضاف: «قد نرى مليون حالة إصابة في اليوم حالما يصل هذا الدواء إلى مستوى التوزيع الكامل».
لقد أشار إلى كولن باول، كأحد الأشخاص الذين ربما أنقذه عقار «باكسلوفيد». وتوفي باول بسبب «كورونا» في الخريف الماضي، من الورم النخاعي المتعدد، وهو مرض يتعارض مع قدرة الجسم على إنتاج الأجسام المضادة استجابة للعدوى أو اللقاحات.
لكن ملايين الناس إما يعانون من ضعف مناعي وإما تخطوا اللقاح. قال سيولت إنه في وحدة العناية المركزة بالمستشفى يرى أيضاً عدداً من الأشخاص الذين يعانون من مخاطر صحية متعددة، والذين تجاوزوا جرعات التعزيز الموصى بها بشدة.
وقال ديريك لوي، اختصاصي الكيمياء الطبية، ومؤلف مدونة «إن ذا بايبلاين» المعنية بالعلوم الصيدلانية، إن مشكلة التوريد لن يكون من السهل حلها. وقال إن المشكلة تكمن في المواد الأولية. ويتطلب صنع هذا النوع من العقاقير المعقدة خطوات متعددة، كل واحدة منها تتطلب مواد مختلفة. قال لوي: «لا بد من توفير المصدر لكلٍّ من هذه الأشياء. بالمقدار الذي يمكِّن من صنعها بسرعة كبيرة، بنسبة نقاء كافية، ويتم تسليمها، مضيفاً: «لديك خمس، عشر، دزينة، عشرون مادة كيميائية مختلفة، يجب أن تقلق بشأنها، بالطريقة نفسها».
وغالباً ما تشمل هذه العملية عدة بلدان. وقال: «في نهاية المطاف، نحن نعتمد على بلدان أخرى لا تزال لديها صناعة كيميائية دقيقة كبيرة، وسيئة، وذات رائحة كريهة».
كما ابتكرت شركة «ميرك» قرصاً مضاداً للفيروسات باسم «مولنوبيرافير»، الذي أظهر في البداية نتائج واعدة مماثلة، ولكنه الآن يبدو فعالاً بنحو 30 في المائة فقط، في منع دخول المستشفيات. كما أثار دواء «ميرك» المخاوف من أن تصبح قدرته على إحداث طفرة في الفيروس «أرضاً خصبة» لظهور أشكال جديدة من الفيروس. ولا يزال سيولت وأطباء آخرون يرونه نسخة احتياطية. ومن المحتمل أن يتداخل «باكسلوفيد» مع أدوية أخرى، لذا قد لا ينجح الأمر مع المرضى الذين لا يستطيعون الاستراحة من أدويتهم العادية لبضعة أيام.
«باكسلوفيد» هو بالأساس نوعان من الأدوية: الأول هو مثبط الأنزيم البروتيني الفعلي، والذي يعمل من خلال إيقاف الأنزيم الرئيسي الضروري للتكاثر الذاتي للفيروس. ومثل هذا الهجوم المباشر لا بد أن ينجح، حتى مع هؤلاء الذين يعانون من أجهزة مناعة غير عاملة. والجزء الآخر، وهو «ريتونافير»، هو عقار قديم لـ«الإيدز» الذي يزيد الجرعة الفعالة من الجزء المضاد للفيروسات، عن طريق إبطاء قدرة الكبد على الأيض وتدميرها. لهذا السبب قد يكون له تأثير جانبي غير مرغوب فيه، لجعل أدوية أخرى تتراكم في صورة جرعات سامة.
والعقاقير التي يتألف منها «باكسلوفيد» مماثلة للأدوية التي تُعطى لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية مدى الحياة، ولكن بالنسبة لفيروس «كورونا»، فإن دورة العلاج لا تستغرق سوى 5 أيام. ولم تظهر أي مخاوف متعلقة بالسلامة خلال التجارب الإكلينيكية. والحاجة إلى منحها في غضون 5 أيام هي من التحديات، ولكن الأشخاص الذين يعرفون أنهم في خطر كبير، يمكن -من الناحية النظرية- أن يكونوا مستعدين لاختبارات «كوفيد-19» في المنزل، شريطة أن يزداد إمداد هؤلاء بسرعة كافية.
وكما غيرت عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى العلاقات، وجعلت حياة عديد من الأفراد أقل إجهاداً، فإن وجود دواء فعال لفيروس «كورونا» يمكن أن يخفف من الآثار العاطفية والاجتماعية للوباء. لقد قطعت اللقاحات شوطاً طويلاً في هذا الاتجاه؛ لكنها تركت وراءها أناساً لا يستطيعون الحصول على الفائدة الكاملة؛ لأنهم قمعوا جهاز المناعة بسبب العمر أو الأمراض أو الحاجة إلى تناول عقاقير تقمع المناعة.
هل ينبغي لهم المنافسة مع الناس المعرضين للخطر أيضاً، من خلال اختيارهم لتخطي اللقاحات؟ يقول حوالي نصف الأشخاص الذين لم يتم تطعيمهم إنهم سيرفضون تناول «باكسلوفيد»، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «هاريس» مؤخراً، ولكن ذلك يترك كثيرًا من الطلب المحتمل في النصف الآخر، والكثير من الأشخاص الآخرين قد يغيرون رأيهم إذا اعتقدوا بأن حياتهم في خطر مباشر.
ثم هناك المنطقة الرمادية الكاملة من الناس الذين لم يتمكنوا من الحصول على المعززات، على الرغم من أنهم فوق 65 عاماً، أو لديهم حالات مثل السمنة والسكري. حصل ربع البالغين الأميركيين فقط على جرعة معززة، لذا هذه المجموعة قد تشكل أكبر جزء من الطلب على «باكسلوفيد».
من الممكن دائماً ألا تسير الأمور كما هو متوقع. ظن الأطباء أنه يجب عليهم تقنين أجهزة التنفس الصناعي؛ لكنهم علموا أن عديداً من المرضى أبلوا بلاءً حسناً مع الأكسجين التكميلي. هذه المرة، لا أحد يعرف حتى الآن مدى ضخامة موجة الدخول للمستشفيات التي تنشأ عن الإصابة بمتغير «أوميكرون».
وحتى عندما تزداد الإمدادات، يخشى لوي وخبراء آخرون من أنه إذا تم استخدام العقار على نطاق واسع أكثر مما ينبغي، فقد يزيد ذلك من فرص ظهور مقاومة للفيروس. لذا سيكون على المجتمع الطبي ممارسة الحكم في وصف هذا الدواء في المستقبل المنظور. ويتعين على بقيتنا التخفيف من آمالنا في التوصل إلى علاج سهل، والحصول على الجرعة المعززة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو