أعادت دراسة فنلندية حديثة مجددًا طرح موضوع تناول البيض على بساط البحوث حول علاقة تناول الكولسترول الموجود في الأطعمة بارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض شرايين القلب أو بارتفاع احتمالات الإصابات بالعوامل التي تُصنف بأنها عوامل ترفع من خطورة الإصابة بأمراض القلبCardiac Risk Factors.
وقال الباحثون في مقدمة دراستهم المنشورة في عدد أبريل (نيسان) عام 2015 من «المجلة الأميركية للتغذية الإكلينيكية» إن ثمة ارتفاعا متناميا في الإصابات بمرض السكري على مستوى العالم. والإصابة بالسكري أحد أقوى عوامل خطورة ارتفاع الإصابات بأمراض شرايين القلب. والبيض هو مصدر رئيسي للكولسترول الغذائي، وثمة تضارب في المعلومات الطبية حول علاقة تناول البيض بارتفاع احتمالات الإصابة بمرض السكري، وهو ما من أجله تم إجراء هذه الدراسة على متوسطي العمر وكبار السن في شرقي فنلندا، وهي فرع من دراسة فنلندية واسعة باسم «دراسة كيبو لعوامل خطورة أمراض شرايين القلب». وخلال المتابعة الطبية لمدة نحو 20 سنة، تبين للباحثين أن ارتفاع تناول البيض مرتبط بخفض الإصابات بمرض السكري! أي عكس ما كان يُعتقد.
هذا ولا يزال هناك اعتقاد لدى كثيرين، بناءً على إرشادات ونصائح طبية سابقة، أن تناول البيض سبب في ارتفاع الكولسترول في الدم، وسبب في ارتفاع الإصابات بمرض السكري، وسبب في ارتفاع الإصابات بأمراض شرايين القلب، وسبب أيضا في تفاقمها. ومنشأ هذه الاعتقادات غير الثابتة هو نصائح طبية قديمة بُنيت على ملاحظات عامة في شأن نوعية ومكونات التغذية وعلاقتها بأمراض شرايين القلب وعوامل خطورة الإصابة بها. وللتوضيح، ففي ستينات القرن الماضي نشأت ملاحظة طبية مفادها أن ارتفاع كولسترول الدم أحد عوامل خطورة الإصابة بأمراض الشرايين. وتلقائيًا، توجهت نصائح الأطباء في ذلك الوقت نحو اتباع ما من شأنه خفض نسبة الكولسترول في الدم، وحينما حاولت تلك النصائح الطبية ترجمة نفسها على واقع المرضى، توجه النظر الطبي نحو الكولسترول الغذائي، أي الموجود في الأطعمة الطبيعية التي يتغذى عليها غالبية الناس. ولأن كمية الكولسترول في البيضة الواحدة تُقارب 300 مليغرام، تمت صياغة النصيحة بعدم تناول البيض بوصفه منتجًا غذائيًا غنيًا بالكولسترول، وسيلة لخفض الكولسترول في الدم وبالتالي تقليل الإصابات بأمراض شرايين القلب.
والأخطاء في بناء هذه النصيحة هي من نوعية الأخطاء المركبة وليست الأخطاء البسيطة، كما يقول الفلاسفة؛ ذلك أن، أولاً، الكبد ينتج 80 في المائة من كمية الكولسترول في الدم، بينما لا يشكل الغذاء إلا نسبة 20 في المائة من الكولسترول في الدم، ولذا فإن تأثير الكولسترول الغذائي لا يتجاوز التأثير على نسبة 20 في المائة.
وثانيًا، أن إنتاج الكبد للكولسترول يرتفع بناءً على عوامل وراثية بالدرجة الرئيسية، كما يرتفع بناءً على عوامل غذائية كالإكثار من تناول الدهون المشبعة والدهون المتحولة. والدهون المشبعة هي الموجودة في الشحوم والسمن الحيواني، والدهون المتحولة هي الموجودة في الزيوت النباتية التي تعرضت لعملية الهدرجة الصناعية. وتأثير كثرة تناول الكولسترول الغذائي على تحفيز الكبد لإنتاج مزيد من الكولسترول هو تأثير أضعف من تأثيرهما. وثالثًا، أن امتصاص الأمعاء للكولسترول الغذائي يتأثر بمدى وجود الدهون الحيوانية المشبعة في الطعام الذي نتناوله، وبالتالي هناك فارق كبير بين تناول الكولسترول الغذائي دون وجود دهون مشبعة معه، وتناول الكولسترول الغذائي الممتزج بطعام يحتوي الدهون المشبعة. ولذا، فإن هناك فرقا في امتصاص الأمعاء للكولسترول الموجود في البيض أو الروبيان أو لحوم الأسماك إذا ما تم طهوها بزيوت نباتية طبيعية، أو كانت مسلوقة أو مشوية دون إضافة دهون مشبعة، وبين تناولها مطهوة بسمن حيواني أو مقلية في زيوت نباتية مهدرجة صناعيًا. ورابعًا، فإن المنتجات الغذائية الطبيعية هي «سلة» من العناصر الغذائية، لا يُنظر إلى أحد مكوناتها دون المكونات الأخرى. بمعنى أن البيضة الواحدة، صحيح أن بها كمية عالية من الكولسترول، ولكنها خالية من الدهون المشبعة، فالدهون الموجودة في البيضة هي من نوع الدهون غير المشبعة، وكذا الحال في الروبيان أو الأسماك. إضافة إلى هذا، البيض يحتوي على معادن وفيتامينات وبروتينات، وكلها عناصر غذائية صحية ومفيدة للجسم.
والأهم، يحتوي البيض على مواد تعمل على خفض امتصاص الأمعاء للكولسترول بالأصل. وهو ما أثبتته دراسات صادرة عن الباحثين في جامعة هارفارد وغيرهم.
وخامسًا، وهو الأهم، فإن النصيحة الطبية بجعل حد 300 مليغرام كولسترول أعلى حد لكمية الكولسترول المسموح طبيًا بتناولها خلال اليوم الواحد، لم تُبنَ على دراسات طبية أثبتت تحديد جدوى عدم تناول أكثر من هذه الكمية، وهذا موضوع مهم لا مجال للاستطراد في توضيح تفاصيله.
وما تلاحظه الأوساط الطبية من انهيار متدرج للنصيحة الطبية القديمة بعدم تناول البيض أو الروبيان، هو نتيجة طبيعية لإعطاء نصائح طبية تفتقر إلى إثباتات علمية من البداية. وكان الباحثون الطبيون من جامعة كيوتو باليابان قد نشروا ضمن عدد يوليو (تموز) 2013 للمجلة الأميركية للتغذية الإكلينيكية نتائج مراجعة دراستهم التحليلية meta - analysis لـ16 دراسة سابقة حول علاقة تناول البيض بخطورة الإصابة بأمراض الشرايين القلبية cardiovascular disease، وتبين لهم وفق ما ذكروه في نتائجهم أن «دراستهم التحليلية تفيد أن تناول البيض ليس مرتبطًا بارتفاع خطورة الإصابة بأمراض شرايين القلب أو ارتفاع الوفيات بين عموم الناس». والمطلوب ليس النصيحة بعدم تناول البيض، بل المطلوب هو النصيحة بكيفية جعل تناول البيض وسيلة لتغذية الجسم بعناصر غذائية طبيعية مفيدة دون أن يُرافق ذلك التسبب بأضرار على الجسم. وإذا ما تم تناول البيض المسلوق، أو المقلي بزيت الزيتون الطبي أو أي زيت نباتي طبيعي غير مهدرج، فإن تناول البيض سيكون وسيلة للتغذية الصحية، وكذا الحال في الروبيان والأسماك وغيرها.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
8:23 دقيقه
TT
البيض.. وأمراض القلب
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
