هل فقدت إيران سيطرتها على وكلائها؟

هل فقدت إيران سيطرتها على وكلائها؟

الثلاثاء - 23 جمادى الأولى 1443 هـ - 28 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15736]
شارلز ليستر
- زميل ومدير قسم مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط

على مدار العامين الماضيين، استمرت حملة طهران العدوانية مستعرضة قوتها في جميع أنحاء المنطقة، بينما جاء الرد الدولي متواضعاً في أحسن الأحوال.
في الواقع، لن يكون من المبالغة القول إن تهديد الطائرات من دون طيار (المسيّرات) والصواريخ الموجهة من إيران عبر الشرق الأوسط جرى تطبيعه بمرور الوقت على نحو كامل. وشكّلت مسألة إفلات إيران ووكلائها الإقليميين من أي عواقب حقيقية للهجوم ضد بقيق بالسعودية، سابقة خطيرة استمرت إلى حد كبير حتى الآن.
نعود إلى 14 سبتمبر (أيلول) 2019، عندما استهدفت مجموعتان متتاليتان من طائرات من دون طيار هجومية وصواريخ «كروز» إيرانية منشأتي نفط بقيق وخريص شرق السعودية، الأمر الذي تسبب في أضرار جسيمة، وزعزع استقرار سوق الطاقة العالمية.
خلال الأيام التي تلت هذا العدوان، أعلن المجتمع الدولي ومجموعة واسعة من خبراء الأمن في الشرق الأوسط أن العالم تغير، فقد جرى تجاوز «خط أحمر» وبات التهديد الذي تشكله الطائرات من دون طيار والصواريخ المنخفضة الارتفاع مروعاً وغير مقبول. ولم تعد الافتراضات الجيو - استراتيجية الأساسية التي تركز على التفوق العسكري التقليدي صلبة كما كانت من قبل. وسرعان ما أعقب ذلك الحديث عن هياكل أمنية إقليمية جديدة، وتطوير أسلحة وبناء تحالفات متعددة الأطراف. وبدا بالفعل أن العالم يتغير.
ووفقاً لتقارير صدرت في الفترة الأخيرة، فإنه في عام 2021 على نحو مجمل، جرى تسجيل ما يقرب من 400 هجوم حوثي من هذا القبيل. كما أطلق وكلاء إيران طائرات مسيّرة محملة بالمتفجرات ضد منزل رئيس الوزراء العراقي في محاولة اغتيال جريئة في نوفمبر (تشرين الثاني). وعلى امتداد عام 2021، استهدفت ثماني هجمات بطائرات من دون طيار على الأقل أفراداً ومنشآت للقوات الأميركية على الأراضي العراقية.
عبر الحدود، استهدفت هجمات عدة بطائرات من دون طيار القوات الأميركية في قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا هذا العام. ولم تمر تلك الهجمات على التنف من دون رد، وإنما جرى التعتيم على العديد من الردود بالكامل، وبالكاد صدرت تعليقات عابرة من واشنطن.
علاوة على ذلك، واصلت إيران مهاجمة أهداف ضعيفة في المياه الدولية في الخليج، بما في ذلك حادثة خطيرة على وجه الخصوص وقعت في يوليو (تموز) عندما تعرضت ناقلة النفط «إم تي ميرسير ستريت» الخاضعة لإدارة إسرائيلية لهجوم ثلاث مرات، ما أسفر عن مقتل اثنين من البريطانيين وشخص روماني.
ومع أن الهجوم نفسه أثار ضجة دولية كبيرة، فلم يصدر أي رد حقيقي عليه. ولذلك، ليس من المستغرب أن السلوكيات العدوانية الإيرانية استمرت على قدم وساق، ما يعد أمراً طبيعياً في ظل غياب إجراءات عقابية حقيقية بحقها.
وما دامت استمرت هذه الانتهاكات الروتينية والصارخة للمعايير الدولية الأساسية دونما اعتراض، سيبقى الاستقرار على المدى الطويل داخل المنطقة محض نتاج خيال متفائل.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن طهران و«الحرس الثوري» التابع لها استثمرا بكثافة في تكنولوجيا الطائرات من دون طيار والصواريخ لسبب ما. من الطائرات المروحية المسلحة المتاحة تجارياً إلى «أبابيل – تي» وسلسلة «صمد» و«شاهد – 136»، عمدت طهران إلى تسليح العاملين عنها بالوكالة إقليمياً بقدرة قوية على تحدي قوات مسلحة كانت لتتفوق عليهم حال الدخول في مواجهة داخل ميدان قتال تقليدي.
وتشكل صواريخ كروز المنخفضة الارتفاع، مثل تلك التي استخدمت لمهاجمة بقيق عام 2019، تهديداً محتملاً على وجه الخصوص، وكذلك الحال مع الطائرات من دون طيار الهجومية القادرة على تجنب الرادارات. كذلك ينبغي الشعور بالقلق حيال الأخبار التي تفيد بأن «الحرس الثوري» الإيراني يتولى في الوقت الراهن تدريب وكلائه الإقليميين على الاستخدام المستقل لأنظمة تشغيل إلكترونية متطورة، وبرامج استهداف، وكذلك على تعزيز قدرتهم على تصنيع تصاميم إيرانية محلياً بأنفسهم.
ومن وجهة نظر معظم أفراد المجتمع الدولي، فإن احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً يشكل مصدر قلق كبير وسبباً يستدعي بذل جهود دبلوماسية مكثفة، مدعومة بحملات ضغط حازمة. بالتأكيد هذا موقف صائب تماماً، ولكن عندما يتعلق الأمر بالانتشار الواسع النطاق لتكنولوجيا الطائرات من دون طيار والصواريخ المتطورة والخطيرة، ونشرها على نحو عدواني في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يأتي الرد الدولي متواضعاً للغاية على نحو يثير القلق. وفي ظل الظروف المواتية أو غير المواتية على حد سواء، لم تبدِ طهران أدنى استعداد لوقف التصعيد.. وبالتالي، فإن قضايا مثل الطائرات من دون طيار والصواريخ بحاجة إلى وأدها في مهدها.
وبغض النظر عن مصير المفاوضات النووية، حان الوقت لأن يعترف المجتمع الدولي بالسياسات المزعزعة للاستقرار التي تتبناها طهران بدأب والتصدي لها. وقد أثبتت سنوات سابقة أن العقوبات والعزلة الدبلوماسية ليست علاجاً ناجعاً لمثل هذه النشاطات العدائية، كما أثبتت الهجمات الإلكترونية أنها رادع غير فاعل هي الأخرى.
وذكرت بعض التقارير الحديثة عن سوريا والعراق واليمن أن الأنشطة العدوانية بالوكالة هي نتيجة فقدان إيران السيطرة على وكلائها. بيد أنه ببساطة لا يوجد دليل أو سابقة تشير إلى أن ذلك ربما يكون صحيحاً. في الحقيقة، من المرجح أن تقوم طهران بتعكير المياه في محاولة واضحة ومنطقية لخلق هالة من الغموض حول استراتيجيتها الإقليمية. بدلاً عن ذلك، يبدو أنها إشارة مقلقة من بعض الجهات الفاعلة داخل إيران مفادها أن السلوكيات الخبيثة موجودة لتبقى، وأن الوقت قد حان لقبول ذلك.
المؤكد أن مثل هذا الحكم سيكون إشارة بالغة الخطورة لا ينبغي إرسالها إلى طهران، التي اختارت المزيد من التصعيد في كل مرة يظهر خصومها ضعفهم. وطالما أن هناك رغبة حقيقية من جانب دول المنطقة والعالم ككل للحيلولة دون تطبيع الأعمال العدوانية المرتبطة بإيران، فإن الوقت حان لمواجهة مثل هذه الأعمال بحزم من أجل ردعها في نهاية المطاف.
الواضح أن جدول أعمال إيران الإقليمي بالكامل يجري تحديده بناءً على مدى سيطرتها على وكلاء قادرين. ويتطلب تقويض المكانة المحلية لهؤلاء الوكلاء وإضعاف قدراتهم الاستراتيجية، وتعطيل شبكاتهم اللوجستية تحدياً ملحوظاً لطهران وأهدافها. ربما حان الوقت كي تتذوق طهران صنيع يديها... وبذلك، نخلق ساحة تنافس أكثر تكافؤاً للتفاوض قادرة على إنتاج انفراج أكثر استدامة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو