فلسطين وأميركا... الحاجات أُم التنازلات

فلسطين وأميركا... الحاجات أُم التنازلات

السبت - 14 جمادى الأولى 1443 هـ - 18 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15726]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني

احتفت السلطة الفلسطينية باللقاء الافتراضي الذي جرى بينها وبين مندوبين عن الإدارة الأميركية، وللاحتفال الفلسطيني ما يبرره؛ ذلك أن اللقاء جرى والسلطة في أضعف حالاتها السياسية والأمنية والمالية، ولقد خدم الأميركيون السلطة بأن وضعوا للقاء غطاءً سياسياً يجنبها الحرج من مضيّها قدماً في مسار الحل الاقتصادي؛ ذلك من خلال تصريحات من نوع: «نحن نتحدث مع الإسرائيليين في شأن الاستيطان، ولا نزال نعتمد حل الدولتين، أما الاحتياجات الاقتصادية التي جرى البحث المستفيض فيها، فهي من أجل تجنب انهيار السلطة، وتوفير قدر من الرفاهية للشعب!!».
إذن نحن أمام فعالية عنوانها سياسي مباشر ومضمونها اقتصادي، والفرق بين العنوانين أن السياسي المباشر مؤجل بفعل القرار الأميركي بعدم فتح الملف السياسي، ولذلك مبررات ومسوّغات كثيرة؛ أبرزها الانشغال الأميركي في قضايا أكثر إلحاحاً، وكذلك عدم جاهزية حكومة إسرائيل لفتح الملف السياسي، لأن مجرد ذكر كلمة «مفاوضات» مع الفلسطينيين سيطيح تلقائياً الحكومة الإسرائيلية الهشة.
هنالك قاعدة سياسية ترقى إلى مستوى البديهيات، وهي أن «التنازلات والتحولات محكومة بالاحتياجات»، وهذه القاعدة تنطبق على مفاوضات لتخليص رهينة، وحتى مفاوضات حول ملف نووي. ووفق هذه القاعدة، ذهب الفلسطينيون إلى ثنائيتهم المعهودة، وهي أن كل التنازلات أو التحولات التي تتم بفعل الحاجة لا تزال تغطى بشعارات نقيضة تُختصر غالباً بجملة «التمسك المبدئي بالثوابت»، وهذا الانفصام بين اللغة والسلوك وجد حلاً ناجعاً وفعالاً عند الأميركيين؛ فهم مع «الثابت الفلسطيني» بحق إقامة دولة قابلة للحياة، ولكنهم مع تأجيل هذا الثابت السياسي لمصلحة ترجيح كفة المتحول الاقتصادي، وهذا المخرج الأميركي لا يوفر للقيادة الفلسطينية تقدماً نحو الهدف الأساسي بقدر ما يغطي توغلاً في الحل الاقتصادي.
الأميركيون من خلال هذه السياسة يعدّون أنفسهم يقفون على الجانب السليم، غير أن هنالك عاملاً موضوعياً فعالاً يضع الموقف الأميركي في حالة من الالتباسات ومحدودية الجدوى، وهو العامل الإسرائيلي الذي يأخذ من السياسة الأميركية دعمها الحل المفضل لديها وهو الاقتصادي، ويأخذ عليها كثرة حديثها عن حل الدولتين الذي تعدّه إسرائيل قد وُوري الثرى.
وفق نظرية «الحاجات أمُ التنازلات والتحولات»؛ فإن القيادة السياسية الرسمية تسوّق خيارها الاقتصادي بدافع الضرورة، فماذا تفعل وقد بلغت حافة الكارثة على الصعيد المالي؟ ثم ماذا يفعلون في أمر تفضيل الحل الاقتصادي على السياسي ما دام العرّابون الفعالون يريدون ذلك؟
المحادثات الافتراضية التي جرت مع الأميركيين والموضوعات الاقتصادية التي بحثت سوف تدخل منذ اللحظة في محاكمة شعبية وفصائلية يحدد الحكم فيها مدى الالتزام الأميركي في توفير ما يلزم من الاحتياجات الاقتصادية والمالية؛ إما منه مباشرة وإما من قبل حلفائه المقتدرين، وكذلك مدى التأثير الأميركي على إسرائيل للجم اندفاعاتها المتسارعة نحو مزيد من خلق وقائع على الأرض تجعل من حل الدولتين مجرد غطاء هش لخيار الحل الاقتصادي، وهنالك بُعد آخر في الأمر يتولاه الشركاء الأوروبيون الأكثر تعاطفاً مع الحل السياسي والأقل تأثيراً فيه، وهو اشتراط مواصلة الدعم للسلطة بترتيبات داخلية تنتج نظاماً سياسياً أكثر كفاءة من اللانظام، والعنوان المفضل لأوروبا في هذا الأمر هو الانتخابات العامة المتحفظ عليها فلسطينياً مفتاحاً لحل كل القضايا. وفي حال تبني الإدارة الأميركية الموقف الأوروبي؛ فذلك سيضع الكرة من جديد في المرمى الفلسطيني، وسوف تتحد السياسات والمبادرات على كيفية التعامل الرسمي الفلسطيني معها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو