بكر عويضة
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

مكان سلاح «حماس» فلسطين

لا لبنان، ولا غيره، مكان السلاح الفلسطيني، وحدها أرض فلسطين هي المكان الصحيح لأي وجود فلسطيني مسلح. لذا؛ خيراً فعلت حركة «حماس» عندما سارعت إلى توضيح يؤكد أن «الانفجار الذي حصل في مخيم البرج الشمالي ناتج من تماس كهربائي في مخزن يحوي كمية من أسطوانات الأكسجين والغاز المخصصة لمرضى (كورونا)، وكمية من المنظفات والمطهرات والمواد الأولية المخصصة لمكافحة وباء كورونا»، وفق ما أوردت «الشرق الأوسط» في عدد الأحد الماضي. هل يكفي بيان التوضيح هذا، ونص ذلك التأكيد، لأن ينفي احتمال وجود سلاح يخص حركة «حماس» بأي من المخيمات الفلسطينية في لبنان، وليس مخيم «برج الشمالي» وحده، وبالتالي يضع جانباً مخاوف الطرف اللبناني القلق من تزايد هيمنة إيران على لبنان، إزاء إمكانية أن يصبح الوجود الفلسطيني المسلح امتداداً لتحكم سلاح حزب حسن نصر الله بالقرار السياسي للبنان، والاقتصادي، بل أوجه الحياة بجوانبها كافة؟ كلا، بالتأكيد، لن يكفي. السبب واضح كذلك، وبوسع كل من يرجع إلى قريب الأمس وبعيده، أن يضع أكثر من إصبع على مكامن الوجع في علاقة التنظيمات الفلسطينية مع لبنان الدولة، من جهة، ثم علاقاتها مع مجمل التكوين اللبناني بمختلف فئاته وتنوع توجهات تياراته.
هل تأخر الوقت كثيراً للقول إن الدولة اللبنانية ذاتها أسهمت في خطأ تثبيت وجود فلسطيني مسلح على أرض لبنان؟ ربما، لكن ذلك حصل فعلاً. الدليل قائم في اتفاق القاهرة (3 - 11 - 1969) الناتج من تفاوض قائد الجيش اللبناني، العماد إميل بستاني، مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بتفويض من الرئيس شارل حلو، بغرض تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في جنوب لبنان. الأرجح أن يوثق التاريخ، مستقبلاً، ومن منطلق حيادي بحت، أن الأفضل بكثير للدولة اللبنانية، زمنذاك، كان لو أنها لم ترضخ، وأصرت على رفض أي وجود فلسطيني مسلح على أي جزء من الأرض اللبنانية. أكثر من ذلك، ذلك الرفض، لو أنه حصل، كان في صالح مستقبل العلاقات الفلسطينية مع الدولة في لبنان، ومع مجمل اللبنانيين، ثم ما بين التنظيمات الفلسطينية ذاتها. أعرف مسبقاً، أن الاستغراب سيشكل رد فعل قراء كثيرين إزاء قول كهذا، خصوصاً إذ يأتي من قِبل كاتب فلسطيني، إنما هل ثمة مبرر له؟ نعم، وهو في حد ذاته نتاج تجربة أيضاً، وليس مجرد استنتاج تنظيري.
أمضي أبعد في مراجعة الماضي فأرى رد فعلي، لو أن أحداً تجرأ فقال أمامي شيئاً ضمن سياق ما أوردت هنا قبل بضعة أسطر، كنت سوف أعده، على الفور، قد اجترأ على كل ما كان يُعطى يومذاك وصف «ثوابت» لها قداسة أنها «قومية»، أو «عروبية»، وفي حدها الأدنى «وطنية». هل بدأ المشهد يتغير مع اجتياح آرييل شارون لبيروت صيف 1982؟ كلا، قبل ذلك بسنين عدة، فالاجتياح الشاروني كان استكمالاً لما تسبب فيه الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب اللبناني، من خلل في العلاقة مع الجنوبيين أنفسهم؛ إذ كان واضحاً أن فشل التعايش بين عناصر التنظيمات الفلسطينية، وبين معظم أهل قرى جنوب لبنان، بمختلف طوائفهم، هو الذي أتاح للجيش الإسرائيلي مبرر اجتياح 1978 المعروف بعملية الليطاني. أكثر من ذلك، ألم تشهد المخيمات الفلسطينية في مختلف أنحاء لبنان، صراعات مسلحة بين عناصر التنظيمات نتيجة اختلاف الولاءات وتعدد التحالفات؟ بلى، ومن هنا القول إن ضرر السلاح الفلسطيني على أرض لبنان تجاوز اللبنانيين كي يطال الفلسطينيين أنفسهم.
مع ذلك، توجب الموضوعية طرح السؤال التالي: هل كان ممكناً تجنب نهوض وجود فلسطيني مسلح على أرض لبنان؟ نعم، لكن تحقيق هذا الأمر لم يكن مستطاعاً بلا توافق سوري - فلسطيني يشكل أساس الوضع الفلسطيني بعد مأساة ما جرى في الأردن. لو شاء الرئيس حافظ الأسد، اللاعب الإقليمي الأقوى عربياً في المنطقة، آنذاك، لقرر أن سوريا هي الجبهة الأساس في المواجهة مع إسرائيل، ليس لتحرير كل فلسطين، كلا، كان يكفي أن تتصرف دمشق كذلك بقصد استرجاع مرتفعات الجولان قبل غيرها. ذلك كان سيعني تموضع كل القوات الفلسطينية، بكامل رضا قياداتها، وبكل سلاحها، على الأرض السورية، لكي تعمل بتنسيق تام بين القيادات الفلسطينية وقيادات الجيش السوري. لو أن ذلك حصل فعلاً، ربما تجنب لبنان، والنضال الفلسطيني، أيضاً، الكثير من المآسي.