سياحة في الفضاء وجوع على الأرض

سياحة في الفضاء وجوع على الأرض

الثلاثاء - 3 جمادى الأولى 1443 هـ - 07 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15715]

بالنسبة للأثرياء الباحثين عن الإثارة والقادرين على دفع أكثر من 450 ألف دولار أميركي لقاء مقعد في مشاريع فضائية تجارية كشركة «بلو أوريجين» وشركة «فيرجين جالاكتيك»، من المرجح أن يشمل الجواب السعي وراء الرهبة أو الاندهاش. ويُطلق الفلاسفة على هذا النوع من الحوافز الحسية والجمالية اسم «المحفزات الراقية».
وعلى ظاهرها، يبدو نوع الرحلة القصيرة إلى حافة الفضاء الذي يبدو أنه النمط السائد في سياحة الفضاء، على الأقل في الأمد القريب، هو التعريف الحقيقي لما أطلق عليه عالم النفس أبراهام ماسلو وصف «التجربة القصوى». إن الإثارة الحركية الناتجة عن الصواريخ التي تصل إلى ارتفاع يزيد على 50 ميلاً، بالإضافة إلى المنظور المذهل الذي يتيحه لكوكبنا، تدعونا إلى الاعتقاد بأن القليل من المغامرات قد يكون أكثر عمقاً.
ولكن تخيل رهبة المليونير الهائلة عندما يأتي اليوم الموعود، والكبسولة التي حجز لنفسه مقعداً فيها وهي تنطلق نحو السماء في عمق طبقة الميزوسفير الزرقاء الداكنة العليا. تُسجل المغامرة بأكملها بواسطة كاميرات عالية الدقة. ويقدم التعليق صوت حاسوبي ممل. الكرسي مريح بشكل غير عادي. والجولة، التي يتم التحكم فيها من خلال تكنولوجيا الذكاء الصناعي المتطورة، سلسة للغاية وبشكل مقلق. والشمبانيا تنتظر الركاب على منصة الهبوط.
إن جاذبية السمو كانت موضوع تخمين وتفسير منذ تأمل البشر في النجوم. والواقع أن المشاعر التي قد يثيرها هذا الحوار عند تقاطع الفرح والخوف من الأفضل أن تُفهم باعتبارها مفارقة: تضاؤل الإحساس بالغنى من خلال الشعور بالضعف. وقد يختبر المرء ذلك وهو يقف على جانب الجبل عندما تسيل عاصفة أو عند النظر في تدفقات منعطف شلال رعدي. أطلق رالف والدو إيمرسون على هذه المقولة باستحسان «مقلة العين الشفافة؛ أنا لا شيء؛ أنا أرى كل شيء». وقد وصفها الكاتب شانون ستيرون بأنها «تقلص وتوسع قلوبنا في آنٍ واحد».
نحن نتشوق للتجربة الراقية لأنها تلمح إلى ألغاز وقوى تتجاوز عالم الفهم الإنساني العادي. وهذا جيد لنا. وقد اكتشف علماء الأعصاب أن جرعات الرهبة المنتظمة يمكن أن تعزز التفكير النقدي، والصحة البدنية، والرفاهية العاطفية. وأظهرت الدراسات أيضاً أن ذلك يجعلنا أكثر لطفاً وتعاطفاً.
لكن ملاحقتها تفتقد عنصراً أساسياً من الرهبة، وهو أن الكثير جداً من قوتها يعتمد على عوامل تبدو أن الرحلات الفضائية التجارية مصممة على نحو مخصص لإبطالها.
في سنوات عديدة من العمل ككاتب للرحلات - الذي كثيراً ما ظننت أنه عمل لإثبات فحوى للرهبة - توصلت إلى إدراك أن الرهبة لا يمكن رسم خريطتها بسهولة.
في بعض الأوقات اختبرت الرهبة: ساعة من الانهيارات الثلجية تهبط على الوجه الجنوبي لأنابورنا تحت القمر الكامل. البرق المخترق لسطح سفينة شحن فارغة على بحيرة فيكتوريا. أو نسر يحوم على ارتفاع 20 قدماً فوق كتفي في التندرا التشيلية.
كانت تلك هي اللحظات الفائقة التي نتمنى الاستمتاع بها حين نحجز رحلة للمغامرة.
تنتمي سياحة الفضاء إلى هذه المجموعة الفرعية من التجارب التي تبدو في ظاهرها رائعة والتي غالباً ما تكون معاكسة للمناخ تحديداً لأنها تأتي مع وعد بالرهبة.
أولاً، ربما يبدأ سياح الفضاء بمحاكاة جيدة جداً للتجربة التي طبعت في أذهانهم. فضلاً عن ذلك فإن عملاء الفرق السياحية الجديدة في الفضاء، من ذوي الميول الغربية والفضولية، سوف يشاهدون القانون الحديث لدراما الملاحة الفضائية، بما في ذلك «الجاذبية» و«ما بين النجوم». في تدريب الاختبار المبدئي، سيكون قد تم تحفيرهم وتأهيلهم مسبقاً لكل لحظة يمضونها في المدار الفرعي. إن الشعور بالدهشة، والذي يمكن الجدال بأنه الشرط المسبق الأكثر حيوية لمشاعر الرهبة، تخففه كثيراً شهور مسبقة من التفكر وتلاشي الغموض.
الفرق بين الانضمام إلى جولة منظمة تتألف من 20 شخصاً لمشاهدة الشفق القطبي، والتخييم وحدك في بعض البراري الإسكندنافية، على سبيل المثال، والاستيقاظ من خيمتك بسبب الأمواج الخضراء الطيفية التي تضئ الأجواء. ستكون التجربة الأولى لطيفة، ولن تنسى. وسوف تلتقطون صوراً جميلة وتحصلون على الكثير من الإعجاب على «إنستغرام». والثانية يمكن أن تجعلكم تشعرون بأن النعمة قد حلت بكم.
الدراسة العلمية للرهبة لا تزال في بداياتها، لكن هذا الحدس المدمن على الرهبة تدعمه مجموعة متزايدة من الأبحاث.
«أفضل طريقة للوصول إلى هذا الهلع اليومي هو السماح لأنفسكم بالتجول، وتجنب اتباع البرنامج الزمني لكل لحظة في اليوم. فإننا لم نتطور لنشعر بالرهبة من الاندفاع في الفضاء».
معظم سياح الفضاء سيقولون إنها كانت تجربة رائعة، كما فعل الملياردير ورجل أعمال السياحة الفضائية ريتشارد برانسون: «إن مشاعرك عندما تنظر إلى الأرض لا يمكن التعبير عنها بالكلمات. إنه جمال لا يوصف». لكن كيف يمكن أن يقولوا إنها كانت أقل من أفضل لحظة في حياتهم، بعد أن دفعوا مئات الآلاف من الدولارات من أجل التجربة؟ في عصر التجربة التمثيلية، حيث يمكن لأولئك الذين يملكون وسائل اقتصادية أن يستسلموا لإغراء شرائح اللحم المغلفة بالذهب ليس لأنها جيدة المذق، وإنما لأنها تختص بهم حصرياً، هذا الخلط بين التوقعات والإحساس المُعاش - والخطأ في التفاخر بالفرح - ليس شيئاً جديداً.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو