رمسيس الثاني يتجوّل مع ذهب الفراعنة بين قارات ثلاث

رمسيس الثاني يتجوّل مع ذهب الفراعنة بين قارات ثلاث

الخميس - 20 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 25 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [15703]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

الذين تابعوا جولة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون في مرات سابقة حول العالم، والذين قرأوا عن معرضه المتنقل بين عواصم متنوعة في أرجاء الدنيا، سوف يكون عليهم هذه المرة أن يتابعوا جولة أخرى أكثر تشويقاً للملك رمسيس الثاني، الذي مات عن تسعين سنة في 1225 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، بعد أن كان قد أنجب مائة وخمسين ولداً أغلبهم من الذكور!

وقد كان يرى في غلبة الذكور على البنات في ذريته دليلاً لا تخطئه العين على الرجولة والعظمة، وكان بالطبع قد تزوج المئات من الزوجات، وكان ذلك أمراً معتاداً في أيامه. وإذا كانت مصر القديمة قد شهدت في مسيرتها عصوراً من الصعود والهبوط، فلقد كان عصره عصر عزة وبهاء، وكان هو الذي استعاد لبلاده الكثير مما فقدته في عصور سابقة عليه!

كنت من جانبي قد تابعت بعضاً من جولات الملك توت في وقتها عن بُعد، ولكني تابعت أولى جولات رمسيس الثاني عن قرب في متحف مدينة هيوستون الأميركية لعلوم الطبيعة!

ففي صباح السبت الموافق العشرين من هذا الشهر، بدأت أولى خطوات معرضه من هذا المتحف الكبير، وسوف يلاحظ الزائر للمتحف أن ذلك الملك المنتصر ليس وحده في قاعة المتحف، وأن معه 181 قطعة من ذهب الفراعنة، وأنها جميعاً تقدم صورة لا تكذب عمّا بلغته مصر من شموخ في تلك الأيام البعيدة!

في حالة توت عنخ آمون فإنه عاش ومات شاباً، ولا تزال الروايات تتعدد حول الطريقة التي مات بها، منذ أن اكتشف البريطاني هيوارد كارتر مقبرته في الأقصر عام 1922، ولكن في حالة رمسيس الثاني فإنه عاش تسعة عقود كاملة، ولم يدخل معركة تقريباً إلا وانتصر فيها، ولا يكاد ينافسه في ذلك إلا تحتمس الثالث الذي لم يعرف الهزيمة في أي معركة خاضها!

وإذا كانت فرنسا تحتفل على مدى هذه السنة بذكرى مرور قرنين من الزمان على رحيل نابليون بونابرت، الذي رحل وحيداً مهزوماً في جزيرة سانت هيلانة في المحيط الأطلنطي عام 1821، فمصر أولى بأن تحتفل بتحتمس الثالث، الذي عاش منتصراً ومات كذلك، وإذا كان للنصر في التاريخ عنوان، فعنوانه هو هذا الملك الذي لا يزال يتنافس مع رمسيس الثاني أيهما أولى بأن يجلس مُتوجاً على منصة النصر في تاريخ الفراعنة!

أما هيوستون فهي إحدى مدن ولاية تكساس، وإذا كان حجمها يجعلها أكبر مدن الولاية ورابع كبرى المدن الأميركية، فإن بدء جولات المعرض منها يظل من بين علامات الفأل الحسن، لا لشيء، إلا لأن تكساس هي الأكبر بين الولايات الأميركية من حيث المساحة بعد ألاسكا، وهي الأعلى بينها بعد كاليفورنيا من حيث عدد السكان، وهي الولاية الجمهورية العتيدة التي لا تزال تشاغب جو بايدن الديمقراطي ويشاغبها، وليس أدل على شغبها السياسي معه من أن حاكمها قرر عدم إلزام أحد فيها بالحصول على اللقاح ضد «كورونا»، وقد قرر هذا على العكس مما قررته باقي الولايات كلها إلا ولاية واحدة!

هذه الولاية الوحيدة التي تنافس تكساس في الجنوب بالقرب من خليج المكسيك، هي فلوريدا التي لا تُلزم أبناءها أيضاً باللقاح، فكلتاهما تبدو غصّة في حلق إدارة بايدن، وكلتاهما تتجه إلى اليمين إذا اتجه بايدن إلى الشمال، والعكس بالعكس!

وقد خرج الشغب من هذا النوع بين الطرفين إلى العلن، ولم تجد المتحدثة باسم البيت الأبيض حرجاً في أن تتهم الحاكمين الجمهوريين في الولايتين بأنها يلعبان سياسة في كل الأوقات، وأنهما يقدمان المصلحة السياسية التي تخدم الجمهوريين انتخابياً على صالح الناس فيهما!

المعرض سيستمر لمدة ستة أشهر، ولأن وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تقع على أرض هيوستون، فإن رمسيس الثاني بدا في معرضه على أرضها كأنه قد اختارها عن قصد ليحلق في سمائها مع الوكالة متجهاً إلى سان فرنسيسكو، حيث محطته الثانية لمدة ستة أشهر أخرى، ثم إلى باريس حيث محطته الثالثة لستة أشهر ثالثة، ومن بعدها إلى سيدني الأسترالية ليقضي فيها ستة أشهر رابعة وأخيرة، عائداً من بعدها إلى حضن الوطن!

ولا يزال شغف الأجانب في أوروبا وأميركا بالحضارة المصرية القديمة في حاجة إلى دراسة تكشف عن السر في هذا الشغف الذي لا يتوقف ولا يفنى!

لقد رأيت هذا بعيني في معرض هيوستون، ورأيت طوابير من الأميركيين ينتظرون الدور في الدخول وفي التجوال بين أرجاء المتحف، وراقبت عن قرب كيف يقف الزائر مستغرقاً أمام رمسيس الثاني، أو متأملاً في تفاصيل قطعة من القطع المعروضة معه كأنه في الحالتين يتبتل في معبد!

فما السبب؟! هل لأن الحضارة التي تنتمي إليها المعروضات، كانت تحتفل بالقيم في حياة الإنسان وتعلو بها، وكانت لا تضع فوق قيمها ما هو سواها، ولا تقدم عليها ما لا يجوز أن يتقدم على القيمة الباقية؟!

ربما، فعندما خطب نجيب محفوظ أمام هيئة جائزة نوبل عند فوزه بالجائزة في 1988، قال في كلمته التي ألقاها نيابةً عنه الأستاذ محمد سلماوي، إنه ابن حضارتين إحداهما فرعونية والأخرى إسلامية، وإن ملكاً من ملوك الحضارة الفرعونية بلغه ذات يوم أن فلاناً من الحاشية قد ارتكب جريمة في قصر الحكم، فجمع دائرته القريبة وقال: أريد الحقيقة لأحكم بالعدل!

وكان في الموقف معنيان عظيمان، أولهما أن ذلك الملك الذي جرى ارتكاب الجريمة في قصره، لا يريد أن يحكم إلا بناءً على بيّنة وقرينة ودليل، وثانيهما أن عنده غاية في حياته هي العدل كقيمة تنشأ على أساسها الدول وتزدهر وتقوم!

وكثيراً ما توقفت أمام القرآن الكريم وهو يتحدث عن حضارات قامت في قرون سابقة ويقول إن فيها: آيات لأولي النُّهى!

ورغم أن النُّهى في اللغة هي العقول، فإن شغف العالم بالحضارة المصرية القديمة على عصورها المتعاقبة ليس شغفاً بالعقل وفقط، ولكنه أيضاً شغف وجدان يتعلق بدقائق ما كان في تلك الحضارة، ويرى فيها ما يروي عطشاً في القلب بمثل ما يملأ فراغاً في العقل والرأس!

سألت الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار، عمّا يعنيه معرض رمسيس الثاني المتنقل بين ثلاث قارات بالنسبة لوزراته التي تنظمه، وبالنسبة له كمسؤول على رأسها، فقال إن المعرض يبقى سياحة وتجارة معاً. فهو سياحة لأنه يوفّر دعاية مجانية لحضارة عظيمة قامت ذات يوم على أرض المحروسة، وتركت لنا وللعالم معنا الكثير من القيم، والكثير من الفن، والكثير من المعمار الذي لا تنقضي الدهشة به وبتفاصيله، وهو تجارة لأن للخزانة العامة في القاهرة نصيباً معلوماً في كل تذكرة يشتريها زائر المتحف ليرى المعرض ويتفرج عليه!

وسألت الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن يوجز المعرض في جملة واحدة فقال: هو ملمح رفيع من ملامح القوة الناعمة المصرية المتنوعة، التي تملك مصر منها الكثير، والتي تتشكل من فنون الثقافة كلها بمعناها العام!

وحين جلست أتناول طعام إفطاري في الفندق المجاور للمتحف، جاءت سيدة أميركية وجلست بالقرب مني، ثم راحت تتأملني وتتحدث مع زميلة لها على مائدتها. راحت تكرر النظر نحوي وتتكلم مع رفيقتها بعبارات بدا أنها عنّي، وفي لحظة قامت من مكانها وجاءت تسألني: هل أنت الدكتور حواس؟!

لم أكن أعرف أن بيني وبين الدكتور زاهي حواس وجه شبه إلى هذا الحد، وإذا كان هناك وجه شبه بيننا فقد كانت تنقصني قبعته التي اشتهر بها، ثم ينقصني غرامه الشديد بالحضارة المصرية القديمة. إنه غرام لا يعادله عنده أي غرام آخر، فالرجل لا يرى نفسه مستعداً لشيء يفعله ويتفوق فيه قدر استعداده الفطري للغرام بحضارة بلاده في عصرها القديم، وقدر استعداده لنقل أسبابه في هذا الغرام إلى الآخرين!

ولأن النصر كان قاسماً مشتركاً أعظم في حياة رمسيس الثاني المديدة، ولأنه نجح في تحويل الهزيمة في معركة قادش الشهيرة إلى نصر مؤزّر، فإن معرضه المتنقل بين قارات ثلاث، سوف يظل يجسد لمشاهديه ومتابعيه معاني النصر وتجلياته في حياة الإنسان، وسوف يظل يغريهم بأن النصر في معارك الحياة هو الذي يجعلها تستحق العيش والبقاء!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو