شارلوت مكدونالد
TT

أوروبا في حاجة للهجرة الخاضعة للسيطرة

إنه لأمر مذهل أن نرى ذلك. الأطفال يتجمعون حول نيران مشتعلة وغير مستقرة، والآباء يضمون أطفالهم إلى صدورهم بينما الجنود، خلف الأسلاك الشائكة، ينظرون في لا مبالاة واضحة. لكن الصور القادمة من الحدود البيلاروسية البولندية، مهما كانت مروعة، لا ينبغي أن تكون مفاجئة: هذا ما تبدو عليه سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي راهنا.
لا شك أن القسط الأكبر من اللوم عن هذه الكارثة الإنسانية، التي حبس فيها الآلاف من المهاجرين، وأكثرهم من العراق وسوريا، في غابة متجمدة لأسابيع متواصلة، يقع على عاتق زعيم بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو. وفي رد واضح على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على نظامه، قامت حكومته بقيادة المهاجرين إلى الحدود البولندية شديدة التحصين، حيث لم يواجهوا سوى الصعوبات والمعاناة. ورغم قيام الحكومة بتطهير المخيمات مؤخراً، إلا أن الضرر قد وقع بالفعل.
ومع ذلك فقد كان انتقام السيد لوكاشينكو مدروساً: لقد استغل مشكلة صنعها الاتحاد الأوروبي لنفسه. فعلى مدى السنوات الست الماضية، حاول الاتحاد منع المهاجرين من البلدان الأكثر فقرا والمبتلاة بالصراعات - من خلال الجدران الحدودية، وعمليات حفظ الأمن الصارمة، والصفقات المريبة مع البلدان خارج الكتلة - خوفاً من الآثار السياسية للهجرة على نطاق واسع داخل الكتلة الأوروبية.
ولكن الصفقة كانت خداعاً للذات. فمن خلال إظهار هذا الذعر والفوضى إزاء توقعات وجود المهاجرين على أرضه، منح الاتحاد الأوروبي الدول الاستبدادية خارطة طريق للابتزاز. وما لم تتوصل الكتلة إلى استجابة موحدة تنبني على قيمها التأسيسية المتمثلة في التسامح والتضامن، فإن السيد لوكاشينكو لن يكون آخر حاكم مستبد يعمل على استغلال أحلام الناس في حياة أفضل.
بدأت المشاكل بصفة جدية في 2015، عندما أدى وصول أكثر من مليون شخص في ظل الفوضى، معظمهم من الفارين من الحرب والاضطهاد في سوريا، إلى وضع مسألة الهجرة على رأس جدول الأعمال السياسي للقارة. وسرعان ما تحولت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل - التي رحبت بها في البداية - إلى إصدار تصريحات قاسية وتعزيز الحدود المحصنة حديثا. كما لقي آلاف المهاجرين حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط، مع تقليص عمليات البحث والإنقاذ. كما تم إيداع مهاجرين آخرين في مراكز احتجاز قاسية على طول أطراف الكتلة الأوروبية.
وأحيطت البلدان علما بذلك. فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي استشعر الفرصة لفرض بعض النفوذ على جيرانه، عرض المساعدة - بسعر باهظ. وفي عام 2016، عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقاً: بستة بلايين يورو، في مقابل منع تركيا مغادرة نحو 3 ملايين لاجئ سوري على أراضيها إلى اليونان.
حتى قبل الأزمة، كان الاتحاد الأوروبي معتادا على مثل هذا الرضوخ، فقد عرض على العقيد الليبي معمر القذافي 60 مليون يورو في عام 2010 بعد أن هدد «بتدفق الأفارقة الجياع» صوب أوروبا. واليوم، تمول هذه الكتلة حرس السواحل الليبي، رغم التقارير التي تفيد بأن الكثير من الأموال تذهب إلى الميليشيات والمتاجرين بالبشر.
أما بالنسبة للمهاجرين غير الشرعيين، فإن العواقب وخيمة للغاية. وتقوم قوات حرس السواحل الليبية بإعادة الناس إلى مراكز الاحتجاز حيث ممارسات التعذيب والانتقام الممنهج التي توثق على نطاق واسع. وبموجب الاتفاق مع تركيا، من المفترض إعادة الأشخاص الذين يصلون إلى اليونان إلى تركيا مرة أخرى، ولكنهم يقبعون في مخيمات مكتظة باللاجئين على الجزر اليونانية لعدة سنوات.
ومع تدهور سلطته الأخلاقية، أصبح الاتحاد الأوروبي عرضة للتهديدات من قبل حكومات بلا ضمير. فعندما تحاول الكتلة توجيه اللوم إلى تركيا بشأن حقوق الإنسان أو سيادة القانون أو القمع السياسي، على سبيل المثال، غالبا ما يهدد المسؤولون الأتراك بإلغاء الاتفاق. وردا على تقديم إسبانيا العلاج الطبي لزعيم استقلال الصحراء الغربية، أوقف المغرب مراقبة الحدود مؤقتاً مع جيب «سبتة» الإسباني في مايو (أيار) الماضي.
إن الاتحاد الأوروبي يعتمد الآن، بحكم تصميمه، على النوايا الحسنة التي تبديها الأنظمة المجاورة في صيانة حدوده. لقد أصبح البؤس البشري ورقة مساومة مقبولة: وكان الرجال والنساء والأطفال على الحدود البولندية آخر الذين وقعوا في هذا المستنقع السياسي الآسن. فقد وجدوا أنفسهم محاصرين بين حرس حدود بولندا وبيلاروسيا المدججين بالسلاح، وفي أجواء مناخية شديدة البرودة، مع الإمدادات الغذائية الهزيلة، في ظل ظروف محفوفة بالمخاطر، توفي 11 شخصاً على الأقل حتى الآن.
وركز الاتحاد الأوروبي على السيد لوكاشينكو، وشجب أعماله «غير الإنسانية». ولكن هذه الكلمات تبدو جوفاء عندما أرغمت بولندا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، الناس على العودة عبر الحدود وأطلقت عليهم الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. كما منع الصحافيون وعمال الإغاثة والمراقبون الدوليون من دخول المنطقة الحدودية. ورغم هذا، فإن بولندا لم تتعرض لأي ضغوط من جانب الاتحاد الأوروبي لفتح حدودها أمام الفئات الأكثر ضعفا. بل لقد حظيت بالدعم الكامل من جانب الاتحاد.
فالمسؤولون الأوروبيون يستخدمون لغة السمو الأخلاقي والإنساني من دون الاستعانة بسياسات تدعمها، ما من شأنه إضعاف سلطاتهم في الضغط على دول مثل بيلاروسيا وروسيا. يجب أن يبدأوا في تصحيح هذه المعايير المزدوجة على الفور. وفي المقام الأول، يجب على المفوضية الأوروبية الضغط على بولندا - بممارسة التهديد بالعقوبات أو حتى فرضها في الأمر الواقع - بغية السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة الحدودية عند الضرورة، وللنظر في طلبات اللجوء التي يقدمها الأشخاص على أراضيها.
وينبغي أن تكون تلك الخطوة الأولى في منهج جديد للهجرة، وفتح المزيد من المسارات القانونية لتأشيرات العمل وإعادة توطين اللاجئين، مع تطوير نظام اللجوء الفعال يتم فيه تقاسم الأعباء بين جميع أنحاء الكتلة. لن يكون أي من هذا هيناً - فالمشاعر اليمينية المعادية للمهاجرين مترسخة على نطاق واسع في جميع أنحاء القارة - ولكن الفوائد ستكون واسعة. فمن شأنه تعزيز الموقف الأخلاقي للكتلة، وأن يفتح مجتمعاتها للمكاسب التي يمكن أن تجلبها الهجرة الخاضعة للسيطرة والتحكم الجيدين.
* خدمة «نيويورك تايمز»