كاثرين إيبان
TT

كيف تكون الحياة إذا استمر «كوفيد ـ 19»؟

في 14 مايو (أيار)، ذهبت لممارسة رياضة الجري، وقد غلبني شعور بالدهشة إزاء حريتي التي نلتها قريباً. كانت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها قد أقرّت للتو تخلي من حصلوا على اللقاح عن ارتداء أقنعة حماية الوجه في المناطق المفتوحة. وداخل متنزه بروسبكت في بروكلين خلال أحد أيام الربيع الصافية، وسرحت بتفكيري فيما بدا لي أنه تحول هائل: فلم أعد أخشى من أن يتسبب أقراني في رياضة الجري في قتلي، أو أن أتسبب أنا في قتلهم.
بعد 14 شهراً من حساب المخاطر - أخطار دخول المصعد أو الانطلاق في رحلة تسوق داخل متجر البقالة ـ بدا فجأة من الأسهل التفكير في مستقبل خالٍ من فيروس «كوفيد - 19». أصبح لدينا رئيس ملتزم بمحاربة الفيروس، وأصبح بإمكان الولايات المتحدة قيادة العالم في توزيع اللقاحات. وفي الرابع من يوليو (تموز)، أعلن الرئيس جو بايدن «اليوم، أصبحنا أقرب عن أي وقت مضى من إعلان التحرر من الفيروس الفتاك».
وجميعنا نعلم ما حدث بعد ذلك، ففي غضون أسابيع من إطلاق هذا التصريح، ارتفعت أعداد الإصابات على نحو بالغ وأصبح الضغط هائلاً على وحدات الرعاية الفائقة، وجرى تذكيرنا جميعاً من جديد بقدرة فيروس «كوفيد - 19» على التفوق علينا.
اليوم، يبدو هذا التحرر الذي لطالما حلمنا به مختلفاً: حالة تأزم يقف فيها الفيروس القاتل على الجانب الآخر من الباب الذي نقف نحن خلفه لإغلاقه والتحصن به.
وحتى مع تراجع أعداد الإصابات من جديد وارتفاع أعداد المصابين، فإن الافتراضات السابقة حول قدرتنا على القضاء على الفيروس تبخرت اليوم. من ناحيته، أعلن أنتوني فاوسي بوضوح أثناء مؤتمر صحافي داخل البيت الأبيض، أنه «سيكون الأمر شديد الصعوبة ـ على الأقل على امتداد المستقبل المنظور وربما إلى الأبد - لأن نقضي بشكل نهائي على هذا الفيروس صاحب القدرة الهائلة على التنقل».
والمؤكد، أن فكرة استمرار هذا الفيروس معنا إلى الأبد تثير الأسى في النفس، لكن ربما أشد ما نحتاج إليه اليوم الاستعداد للتعايش مع هذا الفيروس لفترة طويلة للغاية، وإدخال تحسينات على جهود استجابتنا للجائحة ودمج الإجراءات الاحترازية في حياتنا اليومية.
في هذا الصدد، قال الدكتور ماثيو هيبورن، الذي أصبح مستشاراً للبيت الأبيض لشؤون سياسات العلوم والتكنولوجيا «نود جميعنا أن ينتهي هذا الأمر، لكن يبقى من الضروري للغاية التخطيط للطوارئ في سياسات الاستجابة على المدى الطويل».
ويرى الدكتور جيرمي فارار، مدير مؤسسة «ويلكوم» العالمية المعنية بشؤون الصحة وتتخذ من لندن مقراً لها، أن التفاؤل يمكن أن يشكل «واحدة من أكبر العقبات في طريقنا». وأضاف، أنه إذا ظننا أن «كوفيد ـ 19» سيختفي، فإن هذا سيدفعنا للتخلي عن حذرنا وعدم توجيه الاستثمارات الأساسية نحو مكافحته الآن.
الواضح، أنه بدلاً عن النقاش حول كيفية وضع نهاية للجائحة، ينبغي أن نغير دفة الحديث نحو «كيف يمكننا البدء في التفكير والتخطيط واستيعاب فكرة أنه تحول اليوم إلى عدوى بشرية متوطنة ولن يختفي أبداً».
والآن، كيف سيبدو المستقبل في ظل وجود «كوفيد ـ 19»؟ للإجابة عن هذا السؤال، لجأت إلى علي مقداد، المسؤول الاستراتيجي الأول عن صحة السكان لدى جامعة واشنطن. وباعتباره متخصصاً في علم الأوبئة وكذلك الإحصاء، فقد بدأ في صياغة توقعات من أجل منظومة المستشفى الذي يعمل به منذ بداية الجائحة. وكان عدد فريق العمل المعاون له 15 فرداً.
اليوم، ارتفع العدد إلى 60 فرداً بجانب 7.700 متعاون من دول مختلفة على مستوى العالم، الأمر الذي يعين مقداد إلى إصدار توقعات تفشي الفيروس خلال فترة أربعة أشهر في كل دولة من دول العالم، ويتشارك في النماذج التي يعدها بخصوص الجائحة مع أفراد قوة عمل مكافحة «كوفيد ـ 19» التابعة للبيت الأبيض وآخرين.
وقد تولى مقداد لتوه تعديل أعداد الوفيات جراء الجائحة داخل الولايات المتحدة إلى الأقل 828.000 بحلول الأول من فبراير (شباط) 2022، وذلك حال تخلي أعداد كبيرة للغاية من الأميركيين عن ارتداء الأقنعة باعتبار أن الجائحة على وشك الانتهاء.
أما إذا التزم 95 في المائة من الأميركيين بارتداء الأقنعة، فإن عدد الوفيات الذي يتوقعه يتراجع بقرابة 56.000 بحلول الأول من فبراير.
أما على مدى المستقبل البعيد، فلا يرى الدكتور مقداد «تحرراً من الفيروس الفتاك»، مثلما قال رئيسنا. وفي حديث له معي، قال الدكتور مقداد «نتوقع ألا يصل مستوى تفشي الفيروس إلى مستوى الصفر أبداً. هذا الفيروس سيبقى معنا على امتداد فترة طويلة»، ما يعني أن الوفيات الناجمة عنه وجهود الوقاية منه يمكن أن تستمر لسنوات.
اليوم، بدأ الأشخاص الذين يتحلون بالجدية في التخطيط للصورة التي ستصبح عليها الحياة مع فيروس «سارس ـ كوف ـ 2». وأوضح الخبراء الذين تحدثت معهم، أن مسألة ظهور متحور شديد العدوى لدرجة تجعله يفلت من أفضل الدفاعات التي توفرها اللقاحات المعتمدة على تقنية الرنا، تبقى غير مؤكدة وإن كانت في الوقت ذاته غير مستبعدة تماماً؛ وذلك لأسباب من بينها الوتيرة البطيئة لجهود توزيع اللقاح على مستوى العالم.
وأوضح الدكتور إريك توبول، بروفسور الطب الجزيئي لدى مؤسسة «سكريبس ريسرتش»، أنه حال وقوع أسوأ السيناريوهات «سنعود للمربع الأول»، حيث تصبح الأقنعة والتباعد الاجتماعي سبل الدفاع الوحيدة لدينا، وإن كان هو وآخرون أكدوا أن هذا الأمر يمكن تجنب حدوثه.
وأعرب الدكتور فارار عن اعتقاده بأن الاستعداد لسيناريو بقاء فيروس «كوفيد - 19» معنا إلى الأبد السبيل الأمثل للمضي قدماً في الوقت الحاضر. ويمكن أن يفيدنا التفكير على هذا النحو في تجنب الشعور بالوضع القائم والتحرك نحو استغلال التقدم العلمي الاستثنائي الذي أحرزناه خلال العام الماضي. وربما بعد سنوات نتمكن من التوصل إلى اللقاح السحري في مواجهة «فيروس (كوفيد ـ 19)» والذي يحول دون انتقال جميع أنماط فيروس «كورونا المستجد» (الأمر الذي ينطوي على تحديات هائلة بسبب الاختلافات الجينية بينها).
من ناحيتها، أكدت الدكتورة دارا كاس، البروفسورة المساعدة بمجال طب الطوارئ في المركز الطبي التابع لجامعة كولومبيا، أنه «لا أحد يحاول محو فيروس (كوفيد) من على الكوكب. وإذا كان ذلك هدفاً في وقت ما، فإنه لم يعد الهدف المنشود الآن. وإنما نحن نحاول دفعه بعيداً عن أن يصبح القوة المسيطرة على حياتنا».
ومن أجل إنجاز ذلك، علينا أن نواجه الحقيقة: فيروس «كوفيد ـ 19» ربما يبقى معنا إلى الأبد.
* صحافية استقصائية
ومحررة لدى «فانيتي فير»
* خدمة «نيويورك تايمز»